19 ألف حالة زواج في الظل تسقط حق الإعانة الاجتماعية
أوس ستار الغانمي
2026-02-11 03:38
هل تحل الزواج غير الموثق إلى وسيلة للالتفاف على القوانين الاجتماعية، أم أنه نتيجة مباشرة لضغوط المعيشة التي دفعت آلاف النساء إلى البحث عن حلول خارج إطار الدولة؟
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، أعلنت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية قطع رواتب الإعانة عن أكثر من 19 ألف مستفيدة، بعد ثبوت زواجهن بعقود غير مسجلة في المحاكم الرسمية، في مخالفة صريحة لشروط الاستفادة من برامج الحماية الاجتماعية. ووفقاً للأرقام المعلنة، بلغ عدد الحالات المشمولة بالقرار 19 ألفاً و705 مستفيدات ضمن فئتي المطلقات والأرامل.
ويكشف هذا الإجراء عن ملف ظل لسنوات بعيداً عن الأضواء، يتمثل في انتشار الزواج خارج المحكمة، وما يرافقه من آثار قانونية واجتماعية واقتصادية. فعدم تسجيل الزواج رسمياً لا يعني فقط فقدان المرأة لحقوقها القانونية، بل يفتح الباب أمام تداخل مع برامج الدعم الحكومي التي تعتمد في أساسها على الحالة الاجتماعية للمستفيدين.
وقد تحولت الإعانة الاجتماعية لدى كثير من الأسر إلى مصدر رئيسي للمعيشة، في ظل ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص العمل، الأمر الذي جعل فقدانها يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الأسري. هذا الواقع دفع بعض النساء إلى القبول بزواج غير موثق يضمن لهن الاستمرار في استلام الراتب، حتى وإن كان ذلك مخالفاً للقانون.
من جهة أخرى، تسعى وزارة العمل من خلال حملات التدقيق المستمرة إلى إعادة تنظيم قاعدة بيانات المستفيدين، وضمان توجيه الأموال العامة إلى الفئات الأكثر حاجة، بعد رصد العديد من حالات الاستفادة غير المشروعة. وتؤكد هذه الخطوات أن الدولة تتجه نحو تشديد الرقابة واستخدام أنظمة حديثة للكشف عن أي تلاعب في المعلومات المقدمة.
غير أن القضية تتجاوز كونها إجراءً إدارياً، لتطرح تساؤلات أعمق حول أسباب لجوء بعض المواطنين إلى الزواج خارج الأطر الرسمية. فهناك من يرى أن تعقيد الإجراءات القانونية، أو ارتفاع تكاليف تسجيل الزواج، أو الضغوط الاجتماعية والعائلية، كلها عوامل ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، لا سيما في المناطق ذات الدخل المحدود.
كما أن استمرار هذه الزيجات دون توثيق رسمي يخلق جيلاً من المشكلات المستقبلية، تتعلق بإثبات النسب، والحقوق المالية، وحالات الطلاق والنفقة، فضلاً عن حرمان الزوجة من الحماية القانونية التي يوفرها عقد الزواج المسجل.
وفي الوقت ذاته، يسلط القرار الضوء على أهمية تحديث التشريعات وتسهيل المعاملات، بما يشجع المواطنين على الالتزام بالقنوات القانونية، ويقلل من اللجوء إلى الحلول غير الرسمية التي تحمل مخاطر كبيرة على الأفراد والمجتمع.
اقتصادياً، يشكل صرف الإعانات لغير المستحقين هدراً لموارد الدولة، ويحدّ من قدرة الحكومة على توسيع مظلة الدعم لتشمل عائلات أخرى تعيش تحت خط الفقر. ولذلك، فإن ضبط هذه المخالفات يسهم في تحقيق عدالة أكبر في توزيع المساعدات الاجتماعية.
إلا أن فقدان أكثر من 19 ألف امرأة لمصدر دخل شهري دفعة واحدة يطرح تحدياً اجتماعياً لا يمكن تجاهله، خصوصاً في ظل الظروف المعيشية الصعبة. فالكثير من هؤلاء يعتمدن على هذه الإعانة لتأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء وسكن وتعليم للأبناء.
إن قرار قطع الإعانة عن المستفيدات المتزوجات خارج المحكمة يكشف عن أزمة متشابكة بين الفقر والالتزام القانوني والثقافة الاجتماعية. وبينما يبقى احترام القانون وحماية المال العام ضرورة لا غنى عنها، فإن الحل الحقيقي يكمن في معالجة الأسباب التي دفعت إلى انتشار الزواج غير الموثق، عبر تبسيط الإجراءات، وتعزيز الوعي بأهمية التسجيل الرسمي، وتوفير بدائل اقتصادية داعمة للفئات الهشة. فبدون ذلك، ستبقى مثل هذه القرارات حلولاً مؤقتة لأزمة أعمق تحتاج إلى رؤية شاملة تحفظ كرامة المواطن وتحقق العدالة الاجتماعية في آن واحد.