الرحمة في الإسلام: بوابة التعامل مع الجميع
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-07-09 04:54
(مما يؤسف له أنّ العالم لا يعرف حقيقة الإسلام والمفاهيم السامية
التي نزل بها إلى البشرية)
سماحة المرجع الشيرازي
تُعدّ الرحمة في الإسلام القيمة المحورية الكبرى والركيزة الأساسية التي تنطلق منها سائر المعاملات والروابط الإنسانية، فهي ليست مجرد شعور عابر بالشفقة، بل هي منهج حياة متكامل وأسلوب عملي في التعامل مع الآخرين، يتجاوز حدود القرابة والطبقة ليتسع للبشرية جمعاء. وقد تجلّت هذه القيمة في أسمى صورها عندما جعل الخالق سبحانه وتعالى الغاية الأساسية من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي نشر هذه الرحمة وتعميمها.
حيث قال تعالى في القرآن الكريم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". ومن هذا المنطلق، تشكّلت معالم الشخصية المسلمة لتقوم على اللين، والتسامح، وبسط اليد بالخير، بعيداً عن الغلظة والفظاظة، ليكون سلوك المسلم اليومي انعكاساً حياً لهذا التوجيه الرباني.
إن التعامل بالرحمة مع الآخرين في البيئة الإسلامية يتسع ليشمل القريب والبعيد، والصديق والمخالف، مما جعل من الرحمة بوابة لكل سلوك وتعامل رحيم، حيث يوجه الإسلام أتباعه إلى أن يكونوا بلسمًا للمكلومين وعونًا للمحتاجين. ويتأكد هذا الأسلوب بشكل خاص في رعاية الفئات الضعيفة في المجتمع، كاليتامى، والفقراء، وكبار السن.
فقد جعل الإسلام من الإحسان إليهم وتطييب خواطرهم جزءاً لا يتجزأ من كمال الإيمان. والرحمة في هذا السياق لا تقتصر على الماديات فحسب، بل تمتد لتشمل الكلمة الطيبة، والتبسم في وجوه الناس، وكف الأذى عنهم، والتماس الأعذار لزلاتهم. هذا السلوك الإنساني الراقي يُسهم بشكل مباشر في تذويب الخلافات، وإشاعة السلام النفسي.
ولم يقتصر الأسلوب الرحيم في التعامل على الإنسان وحده، بل تعداه إلى التعامل الرحيم مع الكائنات الأخرى، كالحيوانات مثلا، ومن هنا حث الإسلام على الرفق بالحيوان ووضع لهذا ما يلزم من ضوابط تدفع بالناس إلى الرحمة بالحيوان.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي دام ظله يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها: منطلق التعامل في الإسلام:
(إنّ صفة الرحمة التي تعني الرأفة واللين في التعامل مع الآخرين سواء كانوا بشرا أم مخلوقات أخرى، لها أهمية خاصّة في الإسلام، وهذه الأهمية لا نظير لها في الديانات الأخرى. فالرحمة في الإسلام هي منطلق التعامل مع الآخرين وهي الكلمة التي تشمل أيّ تعامل، فالإسلام دينٌ بُني على الرحمة والشفقة).
تأسيس منهج نموذجي للتعايش
إن عظمة الرحمة في الإسلام تظهر في امتدادها إلى من يخالفوننا في الفكر أو العقيدة، فالإسلام يأمر بالعدل والبر والإحسان مع الجميع لأنه من مظاهر الرحمة العطف على الآخرين وعدم إلحاق الأذى بأي إنسان كان.
وهذا التعامل يؤسس لنموذج فريد من التعايش السلمي القائم على الاحترام المتبادل وحفظ الحقوق. ولم تقف حدود هذه الرحمة عند الجنس البشري فحسب، بل تجاوزته لتشمل الحيوان والنبات والبيئة المحيطة، في منظومة أخلاقية شاملة.
إن التمسك بالرحمة كأداة وحيدة وأسلوب دائم في التعامل مع الآخرين هو الضمانة الحقيقية لبناء مجتمع متماسك، تسوده روح الأخوة والترابط، وتختفي منه مظاهر القسوة والأنانية، لتظل الرحمة هي الرسالة الخالدة التي تنير دروب الإنسانية وتمنح الحياة معناها الأجمل والأسمى، ولابد من التذكير بأن الإسلام يتقدم على الأديان الأخرى في السلوك الرحيم.
كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في قوله:
(من مظاهر الرحمة العطف على الآخرين وعدم إيذاء أحد وكفالة اليتيم وما أشبه ذلك. فالإسلام هو دين الرحمة، والنبيّ صلى الله عليه وآله هو نبيّ الرحمة، والتأريخ الإسلامي يحتوي في طياته على مشاهد عظيمة من الرحمة. فلو أجرينا مقارنة بين الدين الإسلامي وبقية الأديان السماوية الأخرى لوجدنا أنّ دين الإسلام هو الأول بين بقية الأديان في سعة رحمته ورأفته مع معتنقيه وحتى مع غير معتنقيه).
ولو أتيح لنا أن نقرأ ونطله على سيرة الأنبياء لوجدنا أن النبي محمد صلى الله عليه وآله هو أكثر الأنبياء رحمة في تعامله مع الآخرين، حتى الأعداء منهم، يتعامل معهم وفق قاعدة الرحمة واللين والإحسان، وهذا ما نقله إلى عموم المسلمين وطالبهم به عندما يتعاملون مع الآخرين، حيث يجب أن يكون تعاملهم رحيما قبل كل شيء.
ولعل ما ورد في القرآن الكريم من تركيز على الرحمة يعد دليلا واضحا على أهمية التعامل الرحيم مع الآخرين، فمن الواضح أن الآيات القرآنية الكريمة كلها باستثناء واحدة منها تبدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذا يؤكد ويعزز مكانة الرحمة كأسلوب في التعامل مع الآخرين.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد:
(من يقرأ تاريخ الأنبياء يرى أنّ نبيّنا من أكثر الأنبياء رحمة مع الآخرين. ومن يطالع الكتب السماوية يجد أنّ القرآن الكريم ينفرد في صفة الرحمة، حيث افتتح كتابه المجيد بعبارة الرحمة (بسم الله الرحمن الرحيم)، وتتكرّر البسملة في جميع السور القرآنية حتى السورة التي لها آيات ثلاث وأربع أو خمس ما عدا سورة واحدة).
تقوية البنية الاجتماعية باللين والتسامح
وقد تأكد لنا بأن الرحمة كأسلوب للتعامل من خلال التركيز الكبير على الرحمة وتحويلها من معناها اللفظي الواضح إلى أعمال تتجسد في واقع الناس من خلال تعاملاتهم مع بعضهم، وهذا يوجب عليهم مراعاة حقوق بعضهم بعضا وعدم (التشاطر والتغالب) فيما بينهم بأي أسلوب كان، بل على الإنسان أن يراعي حقوق الآخر من خلال تعاونه وإبدائه الأسلوب الرحيم.
لذلك جعل الإسلام من الرحمة نقطة أو محطة انطلاق لجميع التعاملات التي تحصل بين الناس سواء في العمل أو البيع والشراء وغير ذلك من المجالات الأخرى، لأن الرحمة واللين والتسامح سوف تؤدي إلى تمتين البنية الاجتماعية بالإضافة إلى مساهمتها في بناء أسس سليمة للسلم الأهلي.
لذا فإن سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إنّ التركيز على الرحمة والابتداء بها وممارستها على جميع الأصعدة هو دليل بيِّن وبرهان واضح بأنّ رحمة الله وسعت كلّ شيء، وأنّ الإسلام يعتبر الرحمة منطلقاً له في كلّ الأعمال).
وفي زمن الرسول صلى الله عليه وآله، كان هنالك أناس بسبب أعمالهم العدوانية تجاه الإسلام وعلى مدى سنوات طويلة، يستحقون المحاكمة ومن ثم القتل بسبب أفعالهم وأعمالهم التي قاموا بها ضد المسلمين والإسلام، ولكن النبي صلى الله عليه وآله، لم يعاقبهم، ولم يأمر بقتلهم حتى لا يُزرَع الخوف في قلوب الناس الآخرين.
وهذا العمل يأتي ترسيخا لمبدأ اللين، واعتماد الرحمة مع الآخرين، كأسلوب لا بديل عنه في التعامل اللين الذي يسمح بتمتين وتماسك اللحمة المجتمعية بين الناس.
حيث يقول سماحته دام ظله:
(هناك أناس يستحقّون القتل بمنطق العقل وربما يستحقّونه أيضاً بمنطق السياسة والإدارة وجميع قوانين العالم اليوم، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله رغم ذلك الاستحقاق لم يبادر إلى قتلهم كي لا يتوجّس الناس خيفة من الإسلام ولا يملأ الرعب نفوسهم وقلوبهم).
ولهذا السبب مع وجود الرحمة كأسلوب تعامل من قبل الرسول صلى الله عليه وآله مع الناس، فإن جميع معالم ومؤشرات الخوف زالت منهم، وأمِنوا على أنفسهم، وشعروا بالأمان والسكينة وحرية العمل، فصار المجتمع كتلة إنسانية تعاونية واحدة متصالحة مع نفسها وعصية على الاختراق والتفتيت، حيث يقول سماحته دام ظله: (لذلك نرى الناس في عهد رسول الله أمِنوا من الخوف بما فيهم أعداء الإسلام).
وأخيرا فإن الغاية من هذا المقال، أن يعود الناس إلى جذورهم الأخلاقية والسلوكية، وأن يستفيدوا من تلك التجارب المشرقة في عهد الرسول صلى الله عليه وآله، وأن يسود التعامل الرحيم بين عموم المسلمين بل وفي عموم المجتمعات بمختلف انتماءاتها، لأن الرحمة كأسلوب حياة كفيلة بتخليص البشرية كلها من الحروب والصراعات المحتدمة.