كيف تنجو من فخ الغرور؟
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-01-22 04:53
(العلماء المغرورون لا يوفّقون، والأثرياء المغرورون لا يوفّقون والشباب المغرورون لا يوفّقون واصحاب الجمال المغرورون لا يوفقون، فالغرور يوجب السقوط للإنسان)
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله
الغرور صفة غير محمودة توجد عند بعض الناس، ولها أسبابها النفسية والواقعية، فهناك عوامل معينة تدفع الإنسان نحو الغرور، وقلّما يتنبّه المُصاب بالغرور إلى مرضه هذا، فالغرور نوع من الأمراض النفسية التي يُصاب بها بعضهم، وفق عوامل وأسباب عديدة، فالعوامل المساعِدة للإصابة به كثيرة، لكن يمكن أن نشير إليها إجمالا.
منها على سبيل المثال الإمكانات المالية التي قد تتوفر عند شخص ما، أي أنه يكون ثريّا، وهذه الأموال قد تدفع به إلى هاوية الغرور، وكذلك السلطة بأنواعها السياسية وسواها، ربما تدفع بصاحبها نحو فخ الغرور، وهو غافل عن ذلك، وقد يكون البعض الآخر من المصابين بهذا المرض النفسي متغافلين، بمعنى هم يعرفون بغرورهم لكنهم يتغاضون عنه.
وفي الغالب يظن الإنسان المغرور بأن الإمكانات الكبيرة التي تتوفر له غير معرّضَّة للزوال أو الفناء، لأنه يتوقع بأنها سوف تبقى معه إلى الأبد أو حتى الموت، لهذا سوف يستوطن الغرور شخصيته وينعكس هذا في كلامه وسلوكه وقراراته وتصرفاته مع الآخرين.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يتطرق لهذه الصفة أو الحالة النفسية فيقول عنها في سلسلة نبراس المعرفة: محاضرة الغرور:
(الغرور حالة نفسية تجعل الانسان يعتمد على ما عنده من طاقة ومن قدرة ومن امكانات ويغفل عن أن هذه الطاقة والقدرة والامكانات من الممكن ان تتغير اليوم او غداً).
وطالما كان المغرور متمسكا بغروره، متغاضيا عنه، ولا ينظر له على أنه شيء معيب وحالة تضره هو قبل أن تضر غيره، لذلك سوف يكون معرَّضا للخسارات بمختلف أنواعها، ولن تقتصر خسارته هذه في دنياه، بل تمتد إلى آخرته أيضا، ولا نخطئ إذا قلنا بأن المغرور سوف يحصد خساراته وهو لا يزال على قيد الحياة.
وسوف يحصد الخسارات الكبيرة عندما ينتقل من الدار الأولى إلى الدار الباقية أو الثانية الأزلية، والسبب أنه في حياته يتخذ من الغرور منهجا فكريا وسلوكيا له، وهذا يجعله مؤذيا للآخرين، متعاليا عليهم، ومجافيا لهم، وكأنه العقل الأقدر من بين الناس، فكرا وعلما وسلطة ومالا ونفوذا، ولكن هذا ليس شيئا حقيقيا بل الغرور هو الي يصوّ له بأنه الأوحد.
المغرورون خاسرون
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول: (الغرور خسارة في الدنيا والآخرة والمغرور حتى لو كان من أهل الدنيا يخسر دنياه ولو كان من اهل الآخرة فإنّه يخسر الآخرة).
ومن العوامل الأخرى التي تدفع نحو الغرور، هي الشهوات، حيث غالبا ما تحث الإنسان على أن يستحوذ على كل شيء، ولا يراعي الآخرين في ذلك، وتصوِّر له الشهوات بأنه أحقّ من سواه في هذا الأمر أو ذاك، لذلك يندفع بقوة شهواته، متجاهلا حقوق الناس، ومتحمسا لكل ما تزيّنه له شهواته، وهناك من تسحقه الشهوات وتودي به التهلكة.
بينما هناك أناس يحاولون بقوة على أن يحصنوا أنفسهم من شهواتهم، ويسعوا إلى إفهام النفس وتلقينها وتعريفها بخطوة الاستسلام للشهوات غير المشروعة، وهؤلاء الذين يحمون أنفسهم من شهواتهم يعرفون تمام المعرفة بأن الغرور مرض عصيب عليهم مواجهته بقوة، من خلال السيطرة على أنفسهم وإجبارها على النأي بعيدا عن كل ما يمتّ بصلَة للغرور.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(الشهوات تبعث على الغرور ولكن الانسان بعقله وتأمّله وتفكّره يحاول ان يلقّن نفسه لا تدفعه الشهوات نحو الغرور، والغرور حيث يقول الله تعالى (ولايغرنكم بالله الغرور) بمعنى الشيطان لأنه من مصائده الغرور وأنه يغر الناس).
وممن يتعرض للغرور بحكم المرحلة العمرية هم الشباب، فالحماسة والقوة والطاقة غالبا تجدها عند الشباب، وهذه كلها محفزات تذهب سريعا بالشاب نحو الغرور، لذا عليه أن يتنبّه من خطورة هذا الأمر، ويُضاف إلى التحفيز الشبابي للغرور، هنالك أسباب أخرى أيضا القدرات المالية التي يمتلكها الإنسان أو ما يسمى بسلطة المال.
هذه أيضا تدفع ببعض الأثرياء والأغنياء نحو الغرور بسبب قوّتهم المالية، يُضاف إلى ذلك العلم الذي يمتلكه الإنسان، فهذه القدرات العلمية التي يمتلكها، يمكن أن تجعله في غنى لعلوم الآخرين، أو أنه هو بسبب علمه يشعر بأنه مستغنيا عما يمتلكه الآخرون من قدرات علمية، لهذا يجب الحذر من الانزلاق نحو الغرور تحت أية حجّة كانت.
لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(الشباب مما يوجب الغرور للإنسان لأن الشباب مبعث قوة ومبعث قدرة ومبعث طاقة ومبعث إمكانات، والمال يوجب الغرور للإنسان لأن المال طاقة وقدرة وإمكانات، والعلم يوجب الغرور للإنسان. فالإنسان الذي له علم وبمقدار علمه مستغني عن الآخرين).
المال والجمال من أسباب الغرور
ومن المحفزات والأسباب الأخرى التي تقف وراء غرور الإنسان المناصب الحساسة والعالية، كالرئاسة مثلا، هذه أيضا تسعى لإيقاع من يحملها في فخ الغرور، ومن المفارقات العجيبة حقا أن يكون الجمال سببا ودافعا لغرور الإنسان الجميل، فبدلا من أن يشكر الله تعالى على الجمال الذي حظيَ به، يذهب في الاتجاه الخاطئ الذي يقوده نحو الغرور وتلقّي الخسارات المتلاحقة.
ولابد من التذكير بأن شعور الإنسان بان إمكاناته المالية والجمالية والعلمية والسلطوية باقية إلى الأبد، هو الذي يدفع به إلى السقوط، بل ويكون سقوطه حتميا بسبب تمسكه بالرأي الذي يقول له بأن مزاياك وقواك المختلفة باقية إلى الأبد، لأنها وفق منطق الأشياء ومنطق العلم والدين معرّضة إلى الزوال عاجلا أم آجلا.
كما يؤكد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في قوله:
(الرئاسة والحكم والحكومة، طاقة وامكانات وقدرة وهذه توجب الغرور للإنسان، والجمال يوجب الغرور للإنسان. فكل شيء يوجب القدرة والامكانات للإنسان فهو يوجب الغرور للإنسان، والانسان إذا اغتر وتصور ان هذه الطاقة والقدرة والامكانات باقية له الى الابد او الى آخر العمر او فترة ما من الزمن فهذه الحالة توجب السقوط للإنسان).
وأخيرا لابد من التحذير والتنبيه من السقوط في فخ الغرور، أما كيف يمكن أن يتحقق هذا، فإن على الإنسان أن يستقرئ نفسه ودواخله دائما، وأن يمتحن نفسه، وأن يحذرها ويعلمها ويدربها على كشف الغرور قبل الإصابة به، فالأمراض العصيبة يمكن مداواتها والشفاء منها إذا تم اكتشافها مبكرا.
وخصوصا الشباب، لأنهم في مرحلة الحماسة والاندفاع والحركة القوية، فهؤلاء هم التربة الأفضل لكي ينبت فيها الغرور، ولذلك عليهم التنبّه إلى هذا الخطر النفسي، والتعامل معه بفطنة عالية، وامتلاك الأدوات والسبل القادرة على منعه من التسلل إلى نفوس الشباب، من خلال التقوى والإيمان والذكاء والاستقراء الذكي للذات.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يخاطب الشباب وغيرهم بالقول:
(أيها الشباب لا تغتروا بشبابكم، وأيها المثرون لا تغتروا بأموالكم، وايها الحكام لا تغتروا بحكوماتكم، وايها العلماء لا تغتروا بعلمكم، وأصحاب الجمال من الرجال والنساء لا تغتروا بجمالكم، فإنّ الغرور يجرّ الانسان الى خسارته دنياه وآخرته).
إذن فمن يبحث عن الكيفية التي يردع بها الغرور ولا يسمح له بالاقتراب منه أو التسلل إلى نفسه وسلوكه، عليه أن يتسلّح بالثقة بالنفس، وبالمثابرة، وبالفطنة، وهذه الأمور يمكن تحقيقها بالإيمان وتحصيل التقوى وسير الشباب في طريق الاستقامة، هذه كلها تساعد الإنسان على أن يتحدى هذه المعضلة النفسية المعقَّدة، ويحمي نفسه وسلوكه وحتى افكاره وتنظيراته من السقوط في فخ الغرور.