الإسراء والمعراج في منظور شمولي للعقيدة والتربية
صباح الصافي
2026-03-08 05:30
(في ليلة السَّابع عشر من شهر رمضان، أسري برسول الله صلى الله عليه وآله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ومن ثم عرج به إلى السماء)
تُعدُّ حادثة الإسراء والمعراج من أعظم الوقائع المفصليَّة في السِّيرة النَّبويَّة الشَّريفة، لا من حيث طابعها الإعجازي فحسب؛ بل لما تختزنه من أبعاد عقديَّة وتشريعيَّة وتربويَّة عميقة. فهي تمثِّل تجسيدًا حيًّا لطبيعة العلاقة بين عالم الملكوت والأرض في الرُّؤية الإسلاميَّة.
ومن هنا تقضي القراءة المنهجيَّة للمعراج الجمع بين الغايتينِ: النَّظر إليه بوصفه واقعة خارقة تثبت القدرة الالهيَّة، وتحليله باعتباره خطابًا إلهيًّا غنيًّا بتعدد الدَّلائل والمعاني، يسهم في بناء الإنسان، وترسيخ أُصول المجتمع الرِّسالي، وإعادة صياغة المفاهيم المرتبطة بالتَّكليف، والعبوديَّة، والارتباط بالغيب.
وانطلاقًا من هذا الفهم، سنحاول تقديم قراءة علميَّة تحليليَّة لحادثة المعراج، عبر تحليل النُّصوص الواردة فيها وتقسيمها إلى محاور دلاليَّة، تُظهر الوظيفة التَّربويَّة والحضاريَّة للمعراج، وتكشف عن دوره في صناعة الإنسان الواعي، لا في حدود السَّرد التَّاريخي.
المحور الأوَّل: بيان حادثة المعراج
في ليلة السَّابع عشر من شهر رمضان المبارك، قبل الهجرة النَّبويَّة بستَّة أشهر، شهدت السِّيرة المحمديَّة حدثًا عظيمًا تجلَّت فيه عناية الله (تعالى) بنبيِّه الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)؛ إذ أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثمَّ عُرج به إلى السَّماوات العلا في رحلةٍ سماويةٍ مباركة كشفت عن مقامه الرَّفيع وكرامته عند الله (سبحانه). قال الله (تعالى): (سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ البَصِيرُ) (1).
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: "لَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) أُسْرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعُرِجَ بِهِ مِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ مِنْ لَيْلَتِهِ حَدَّثَ قُرَيْشًا بِخَبَرِ مِعْرَاجِهِ" (2). وقال الإمام الصَّادق (عليه السلام): "مَنْ أَنْكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ مِنْ شِيعَتِنَا: الْمِعْرَاجَ، وَالْمُسَاءَلَةَ فِي الْقَبْرِ، وَالشَّفَاعَةَ" (3).
وقصَّة المعراج بإيجاز: إنَّ النَّبي محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) كان بمكَّة، فصلَّى المغرب في المسجد الحرام، ثمَّ أسري به في ليلته إلى بيت المقدس، ومنه عرج به إلى السَّماء، ثمَّ رجع فصلَّى الصُّبح في المسجد الحرام.
وقد وردت روايات كثيرة في قصَّة المعراج، ورواه كثير من الصحابة وأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): "أَتَانِي جِبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَقَالَ: قُمْ يَا مُحَمَّدُ. فَقُمْتُ مَعَهُ وَخَرَجْتُ إِلَى الْبَابِ، فَإِذَا بِجِبْرَائِيلَ وَمَعَهُ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ. فَأَتَى جِبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِالْبُرَاقِ... فَقَالَ: ارْكَبْ، فَرَكِبْتُ وَمَضَيْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
إلى أن قال (صلَّى الله عليه وآله): "فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِذَا مَلَائِكَةٌ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ بِالْبِشَارَةِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَصَلَّيْتُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. ثُمَّ أَخَذَ جِبْرَائِيلُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بِيَدِي إِلَى الصَّخْرَةِ فَأَقْعَدَنِي عَلَيْهَا، فَإِذَا مِعْرَاجٌ إِلَى السَّمَاءِ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَصَعِدْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ عَجَائِبَهَا وَمَلَكُوتَهَا، وَمَلَائِكَتُهَا يُسَلِّمُونَ عَلَيَّ. ثُمَّ صَعِدَ بِي جِبْرَائِيلُ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا يُوسُفَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا إِدْرِيسَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَرَأَيْتُ فِيهَا هَارُونَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَفِيهَا الْكَرُوبِيُّونَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَأَبْصَرْتُ فِيهَا خَلْقًا وَمَلَائِكَةً. ثُمَّ جَاوَزْنَاهَا مُتَصَاعِدِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ".
إلى أن قال: " ثُمَّ كَلَّمَنِي رَبِّي وَكَلَّمْتُهُ، وَرَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، وَرَأَيْتُ الْعَرْشَ وَسِدْرَةَ الْمُنْتَهَى. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ حَدَّثْتُ بِهِ النَّاسَ، فَكَذَّبَنِي أَبُو جَهْلٍ وَالْمُشْرِكُونَ".
قال مطعم بن عدي: أتزعم أنَّك سرت مسيرة شهرينِ في ساعة، أشهد أنَّك كاذب. ثمَّ قالت قريش: أخبرنا عمَّا رأيت. فقال: "مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ، وَقَدْ أَضَلُّوا بِعِيرًا لَهُمْ وَهُمْ فِي طَلَبِهِ، وَفِي رحْلِهِمْ قِعْبٌ مَمْلُوءٌ مِنَ مَاء (4) فَشَرِبْتُ الْمَاءَ، ثُمَّ غَطَّيْتُهُ كَمَا كَانَ". فَسَأَلُوهُمْ: هَلْ وَجَدْتُمْ الْمَاءَ فِي الْقِدْحِ؟".
قالوا: هذه آية واحدة.
قال: " وَمَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ، فَنَفَرَتْ بِكْرَةُ فُلَانٍ فَانْكَسَرَتْ يَدُهَا، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ".
فقالوا: هذه آية أخرى.
قالوا: فأخبرنا عن عِيرنا؟
قال: "مَرَرْتُ بِهَا بِالتَّنْعِيمِ، تَقَدَّمَهَا جَمَلٌ أَوْرَقٌ (أي: أحمر)، عَلَيْهِ قَرَارَتَانِ مُحِيطَتَانِ، وَيَطْلُعُ عَلَيْكُمْ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ".
قالوا: هذه آية أخرى. ثمَّ خرجوا يشتدون نحو التيه وهم يقولون: لقد قضى محمَّد بيننا وبينه قضاءً بيِّنًا. وجلسوا ينتظرون حتَّى تطلع الشَّمس فيكذبوه. فقال قائل: والله إنَّ الشَّمس قد طلعت. وقال آخر: والله هذه الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق، فبهتوا ولم يؤمنوا. وكان كما أخبرهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بقصة العِير(5).
المحور الثَّاني: ثبوت الحادثة واختلاف الرِّوايات
تتَّفق المصادر الإسلاميَّة، على اختلاف مدارسها واتِّجاهاتها، على ثبوت حادثة الإسراء والمعراج في أصلها، مع تباين ملحوظ في تحديد زمان وقوعها على نحو دقيق. فقد نقلت الرِّوايات تواريخ متعدِّدة لهذه الحادثة؛ فذكرت بعض الأخبار أنّها وقعت في ليلة السَّابع عشر من شهر رمضان المبارك قبل الهجرة بنحو ستَّة أشهر، فيما أشارت روايات أخرى إلى ليلة السَّابع والعشرين من شهر رجب، وذهبت نصوص إضافيَّة إلى تحديدها في شهر ربيع الأوَّل. ويعبِّر هذا التَّعدد الزَّمني عن ظاهرة روائيَّة لافتة لا تمسّ بثبوت الواقعة ولا تُضعف من مكانتها في السِّيرة النبويَّة؛ وإنَّما تفتح أفقًا تحليليًّا أوسع لفهم طبيعتها ووظيفتها.
إنَّ اختلاف التَّحديد الزَّمني يمكن قراءته بوصفه شاهدًا على تعدُّد وقائع المعراج وتكرُّرها. وتعضد هذا الفهم روايات صريحة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي مقدِّمتها ما روي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "عَرَجَ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله) مِائَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً، مَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَقَدْ أَوْصَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) فِيهَا النَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) بِالْوَلَايَةِ لِعَلِيٍّ وَالْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) أَكْثَرَ مِمَّا أَوْصَاهُ بِالْفَرَائِضِ" (6).
المحور الثَّالث: التَّجربة المعرفيَّة
يعرض النَّص القرآني في سورة الإسراء حادثة الإسراء والمعراج من زاوية غائية واضحة، ولا يتوقف عند توصيف مسار الرِّحلة أو تفصيل مشاهدها، وإنَّما يركِّز على الهدف الكامن وراء هذا الحدث، كما في قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) (7). وتكشف هذه الصِّيغة القرآنيَّة عن توجُّه دلالي مقصود، يؤسِّس لفهم المعراج على أنَّه تجربة كشف معرفي، بالإضافة إلى أنَّها كانت تهدف إلى إظهار القدرة الإلهيَّة.
وفي هذا النِّطاق، يُفهم المعراج بوصفه انتقالًا في مستوى الإدراك والوعي، أُتيح فيه للنَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) الاطِّلاع على حقائق كونيَّة تتجاوز حدود المشاهدة الحسيَّة المألوفة؛ وتتشابك الأفعال الإنسانيَّة مع نتائجها الأخرويَّة في إطار متكامل من العدل الإلهي.
وعلى هذا الأساس، فإنَّ ما ورد في الرِّوايات من مشاهد الجنَّة والنَّار، والملائكة، وسدرة المنتهى، ينظر إليه بوصفه منظومة معرفيَّة متكاملة، ترسم صورة شاملة للعالم بوصفه وحدة مترابطة بين الدُّنيا والآخرة. وينتهي هذا التَّصور إلى ترسيخ وعيٍ يرى العمل الإنساني جزءًا من نظام كوني شامل، تحكمه سنن إلهيَّة دقيقة، وتُقاس فيه الأفعال بآثارها النِّهائيَّة، لا بمظاهرها الآنيَّة.
المحور الرَّابع: المشاهد العقابيَّة ودلالتها التَّربويَّة
تورد روايات المعراج طيفًا واسعًا من المشاهد العقابيَّة التي عُرضت على النَّبي (صلَّى الله عليه وآله)، حيث تُجسَّد فيها أنماط متعدِّدة من الانحراف في صور محسوسة ذات دلالة عميقة. ومن ذلك ما رُوي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في حديث طويل في المعراج وفيه: "وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً أَخَذُوا رِجَالًا وَيَرْضَخُونَ رُؤُوسَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَكُلَّمَا تَشَدَّخَتْ رُؤُوسُهُمْ تَصِحُّ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَرْضَخُونَهَا بِالْحِجَارَةِ وَهَكَذَا، فَقُلْتُ:
يَا جِبْرَئِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟
قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ وَيُؤَدُّونَهَا كُسَالَى وَيَنَامُونَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ" (8)، وعنه (صلَّى الله عليه وآله) قال: "فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مَوَائِدُ مِنْ لَحْمٍ طَيِّبٍ وَلَحْمٍ خَبِيثٍ، وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْخَبِيثَ وَيَدَعُونَ الطَّيِّبَ، فَسَأَلْتُ جِبْرَئِيلَ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟
فَقَالَ: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الْحَرَامَ وَيَدَعُونَ الْحَلَالَ مِنْ أُمَّتِكَ.
قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِأَقْوَامٍ لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، يَقْرِضُونَ اللَّحْمَ مِنْ أَجْسَامِهِمْ وَيُلْقَى فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَئِيلُ؟
فَقَالَ: هُمُ الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِأَقْوَامٍ تُرْضَخُ وُجُوهُهُمْ وَرُؤُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَئِيلُ؟
فَقَالَ: الَّذِينَ يَتْرُكُونَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ.
ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُقْذَفُ بِالنَّارِ فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟
قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا.
ثُمَّ مَضَيْتُ فَإِذَا أَنَا بِأَقْوَامٍ يُرِيدُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَقْدِرُ مِنْ عِظَمِ بَطْنِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَئِيلُ؟
قَالَ: فَهُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا، لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ، وَإِنَّهُمْ لَبِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ السَّاعَةَ أَدْهَى وَأَمَرُّ.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِنِسَاءٍ مُعَلَّقَاتٍ بِثُدُورِهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَئِيلُ؟
فَقَالَ: هُنَّ اللَّاتِي يُوَرِّثْنَ أَمْوَالَ أَزْوَاجِهِنَّ أَوْلَادَ غَيْرِهِمْ" (9).
وتمثِّل هذه الصُّور مشاهد تعليميَّة ذات حمولة أخلاقية عالية، تتجاوز الإخبار عن العذاب إلى ما هو أعمق من ذلك. ومن النَّاحية المنهجيَّة، لا يصح التَّعامل مع هذه المشاهد على أنَّها توصيفات جزائيَّة محضة؛ بل ينبغي قراءتها ضمن الأفق التَّربوي الوقائي الذي يهدف إلى بيان الارتباط بين عمل الإنسان ومآلاته النِّهائيَّة.
المحور الخامس: إعادة تعريف العبادة
تقدِّم روايات المعراج تصورًا متقدِّمًا لمفهوم العبادة، يبتعد عن الفهم الشكلي، ويتَّجه نحو بناء مضمونها. فالعبادة، في هذا الخطاب تقاسُ بمدى حضور القيم التي تضبط السُّلوك وتعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم من حوله، كضبط اللسان، والورع، والزُّهد في الدُّنيا، والتَّوكل، والرِّضا بما قسم الله (تعالى). كذلك، تكشف النُّصوص عن ترابط دقيق بين الممارسة التَّعبديَّة والتَّحول المعرفي. فقد نُقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن النَّبي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، أنَّه قال في ليلة المعراج: "يَا رَبِّ مَا أَوَّلُ الْعِبَادَةِ؟
قَالَ: أَوَّلُ الْعِبَادَةِ الصَّمْتُ وَالصَّوْمُ.
قَالَ: يَا رَبِّ وَمَا مِيرَاثُ الصَّوْمِ؟
قَالَ: يُورِثُ الْحِكْمَةَ، وَالْحِكْمَةُ تُورِثُ الْمَعْرِفَةَ، وَالْمَعْرِفَةُ تُورِثُ الْيَقِينَ، فَإِذَا اسْتَيْقَنَ الْعَبْدُ لَا يُبَالِي كَيْفَ أَصْبَحَ بِعُسْرٍ أَمْ بِيُسْرٍ" (10). ويُفهم من هذا التَّسلسل أنَّ العبادة تبدأ بتهذيب الجوارح، وتنتقل إلى إنضاج العقل، وتنتهي بترسيخ اليقين الذي يحرِّر الإنسان من القلق والاضطراب أمام تقلُّبات الحياة.
وتُكمل روايات أخرى هذا التَّصور حين تُربط العبادة بضبط الانفعالات وردود الفعل، كما في قول النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): "فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ رَأَيْتُ غُرَفًا فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هِيَ؟
قَالَ: لِلْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ، وَلِلْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ، وَلِلْمُحْسِنِينَ" (11). وتدلُّ هذه الرِّواية على أنَّ العبادة لا تنفصل عن القدرة على إدارة الغضب، والعفو، والإحسان.
وفي سياق متَّصل، تنقل أخبار المعراج تأكيدًا خاصًّا على مقامي التَّوكل والرِّضا، حيث ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في خبر المعراج أنَّه قال: "يَا رَبِّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟
فَقَالَ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ): يَا أَحْمَدُ، لَيْسَ شَيْءٌ أَفْضَلَ عِنْدِي مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَيَّ وَالرِّضَا بِمَا قَسَمْتُ" (12). ويكشف هذا النَّص عن رؤية تجعل الثِّقة بالله (سبحانه) والاطمئنان إلى تدبيره أساسًا راسخًا للعبادة، يتقدَّم على مظاهرها الخارجيَّة.
كما تبرز في خطاب المعراج مركزيَّة الخشوع والورع بوصفهما جوهر العلاقة مع الله (تعالى)؛ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في خبر المعراج: "أَنَّ اللَّهَ (تَعَالَى) قَالَ لَهُ:
يَا أَحْمَدُ، مَا عَرَفَنِي عَبْدٌ إِلَّا خَشَعَ لِي، وَمَا خَشَعَ لِي عَبْدٌ إِلَّا خَشَعَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ.
إِلَى أَنْ قَالَ: يَا أَحْمَدُ، إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَجِدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ فَجَوِّعْ نَفْسَكَ، وَأَلْزِمْ لِسَانَكَ الصَّمْتَ، وَأَلْزِمْ نَفْسَكَ خَشْيَةً وَخَوْفًا، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَلَعَلَّكَ تَسْلَمُ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَأَنْتَ مِنَ الْهَالِكِينَ" (13).
ويبلغ هذا التَّصور ذروته في التَّركيز على الورع؛ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيما أوحى إليه (تعالى) ليلة المعراج: "يَا أَحْمَدُ، عَلَيْكَ بِالْوَرَعِ، فَإِنَّ الْوَرَعَ رَأْسُ الدِّينِ وَوَسَطُ الدِّينِ وَآخِرُ الدِّينِ. إِنَّ الْوَرَعَ يُقَرِّبُ الْعَبْدَ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ).
يَا أَحْمَدُ، إِنَّ الْوَرَعَ كَالشَّنُوفِ بَيْنَ الْحُلِيِّ (14) وَكَالْخُبْزِ بَيْنَ الطَّعَامِ. إِنَّ الْوَرَعَ رَأْسُ الْإِيمَانِ وَعِمَادُ الدِّينِ.
وَإِنَّ الْوَرَعَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّفِينَةِ، فَكَمَا أَنَّ مَنْ فِي الْبَحْرِ لَا يَنْجُو إِلَّا بِالسَّفِينَةِ، وَكَذَلِكَ لَا يَقْدِرُ الزَّاهِدُ أَنْ يَنْجُوَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا بِالْوَرَعِ. يَا أَحْمَدُ، إِنَّ الْوَرَعَ يَفْتَحُ عَلَى الْعَبْدِ أَبْوَابَ الْعِبَادَةِ، فَيُكْرِمُ بِهِ الْعَبْدُ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَيَصِلُ بِهِ إِلَى اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ)"(15).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ: كَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا نَوَى أَحَدُهُمْ حَسَنَةً ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ لَهُ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ.
وَإِنَّ أُمَّتَكَ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرٌ، وَهِيَ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ" (16).
ويؤسِّس هذا البيان لفهم العبادة بوصفها مسارًا تحويليًّا شاملًا، يعيد بناء الإنسان في وعيه وسلوكه، ويجعل القرب من الله (سبحانه) ثمرة طبيعيَّة لاستقامة النَّفس قبل انتظام الظَّاهر.
المحور السَّادس: المعراج والولاية
تحضر ولاية أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) حضورًا متكرِّرًا وواضحًا في روايات المعراج، عبر صور ودلالات متعدِّدة، منها ما يرتبط بكتابة اسمه على أبواب السَّماوات والحجب والعرش، ومنها ما يتَّصل بشوق الملائكة إلى رؤيته، ومنها ما يرد في النُّصوص الصَّريحة التي تتحدَّث عن اختياره خليفةً بعد النَّبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله). ولا يمكن التَّعامل مع هذا الحضور على أنَّه إضافة لاحقة إلى المعراج؛ وإنَّما يكشف عن موقع الولاية والإمامة في أصول الرِّسالة الإسلاميَّة.
ومن المنظور العقدي، فإنَّ إدراج الولاية ضمن سياق المعراج يحمل دلالة واضحة؛ إذ يبيِّن أنَّ مسألة القيادة بعد النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) جزء من النِّظام الإلهي الذي يرافق الرِّسالة في جميع مراحلها. فالرِّسالة التي تُرفع إلى السَّماء في أسمى تجلياتها لا تعود إلى الأرض من دون بيان امتدادها القيادي؛ لأنَّ انقطاع هذا الامتداد يفضي إلى فراغ يتعارض مع حكمة التَّشريع واستمراريَّة الهداية. وتوضِّح روايات شوق الملائكة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى من زاوية أخرى؛ عن جعفر بن محمَّد عن أبيه عن جدِّه (عليهم السلام) قال: "قال النَّبي (صلَّى الله عليه وآله): لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ فَبَلَغْتُ السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، نَظَرْتُ إِلَى صُورَةِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، فَقُلْتُ: حَبِيبِي جبرئيل مَا هَذِهِ الصُّورَةُ؟
فَقَالَ جِبْرَئِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَهَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى صُورَةِ عَلِيٍّ، فَقَالُوا: رَبَّنَا، إِنَّ بَنِي آدَمَ فِي دُنْيَاهُمْ يَتَمَتَّعُونَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً بِالنَّظَرِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، حَبِيبِ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ، وَخَلِيفَتِهِ، وَوَصِيِّهِ، وَأَمِينِهِ، فَمَتِّعْنَا بِصُورَتِهِ قَدْرَ مَا يَتَمَتَّعُ أَهْلُ الدُّنْيَا بِهِ.
فَصَوَّرَ لَهُمْ صُورَتَهُ مِنْ نُورِ قُدْسِهِ (عَزَّ وَجَلَّ)، فَعَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، يَزُورُونَهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً" (17).
وتكشف هذه الرِّواية عن أنَّ الولاية حقيقة معروفة في العالم العلوي، تتفاعل معها الملائكة بوصفها مظهرًا للقيادة الربَّانيَّة، وليست أمرًا محصورًا في المجال الإنساني. ويتعزَّز هذا المعنى من خلال النُّصوص التي تذكر كتابة الشَّهادة مقرونة باسم أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبواب السَّماوات والحجب والعرش، كما ورد عن النَّبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله): "لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَجَدْتُ عَلَى كُلِّ بَابٍ سَمَاءٍ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمَّا صِرْتُ إِلَى حُجُبِ النُّورِ، رَأَيْتُ عَلَى كُلِّ حِجَابٍ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْعَرْشِ، وَجَدْتُ عَلَى كُلِّ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ" (18). وتشير هذه الكتابات إلى أنَّ الولاية جزء من هوية النِّظام الإسلامي في أعلى مراتبه، وليست مفهومًا طارئًا على الخطاب الدِّيني.
وتبلغ هذه الدلالة ذروتها في النُّصوص التي تتحدَّث عن الاختيار الإلهي الصَّريح للإمام علي (عليه السلام) خليفةً بعد الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، كما روي عن الإمام الصَّادق (عليه السلام):
"لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَانْتَهَى إِلَى حَيْثُ أَرَادَ اللَّهُ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى)، نَاجَاهُ رَبُّهُ جَلَّ جَلالُهُ. فَلَمَّا أَنْ هَبَطَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَادَاهُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ رَبِّي. قَالَ: مَنْ اخْتَرْتَ مِنْ أُمَّتِكَ يَكُونُ مِنْ بَعْدِكَ لَكَ خَلِيفَةً؟
قَالَ: اخْتَرْ لِي ذَلِكَ فَتَكُونَ أَنْتَ الْمُخْتَارُ لِي، فَقَالَ: اخْتَرْتُ لَكَ خِيَرَتَكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ"(19).
ويؤكِّد هذا النَّص أنَّ الولاية امتداد مباشر للنُّبوة في بعدها القيادي، وأنَّها الضَّامن لاستمرار المشروع الرِّسالي بعد اكتمال مرحلة التَّبليغ.
المحور السَّابع: مركزيَّة الذِّكر
تُبرز روايات المعراج موقع الذِّكر بوصفه عنصرًا محوريًا في البناء الرُّوحي للإنسان، ولا سيما الذِّكر المرتبط بالصَّلاة على النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام)، والأذكار التي تُنشئ صلة دائمة بين العبد والعالم الغيبي.
عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: "أُسْرِيَ بِي لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ إِلَى السَّمَاءِ، فَرَأَيْتُ مَلَكًا لَهُ أَلْفُ يَدٍ، وَلِكُلِّ يَدٍ أَلْفُ إِصْبَعٍ، وَهُوَ يُحَاسِبُ وَيَعُدُّ بِتِلْكَ الْأَصَابِعِ. فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا الْمَلَكُ وَمَا الَّذِي يُحَاسِبُهُ؟
فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ مُوَكَّلٌ عَلَى قَطْرِ الْمَطَرِ، يَحْفَظُهَا كَمْ قَطْرَةٍ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ.
فَقُلْتُ لِلْمَلَكِ: أَأَنْتَ تَعْلَمُ مُذْ خَلَقَ اللَّهُ الدُّنْيَا كَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ؟
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِلَى خَلْقِهِ، غَيْرَ أَنِّي أَعْلَمُ كَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، أَعْلَمُ تَفْصِيلًا كَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ فِي الْبَحْرِ، وَكَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ فِي الْبَرِّ، وَكَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ فِي الْعُمْرَانِ، وَكَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ فِي الْبُسْتَانِ، وَكَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ فِي السَّبْخَةِ، وَكَمْ قَطْرَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقُبُورِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): فَتَعَجَّبْتُ مِنْ حِفْظِهِ وَتَذَكُّرِهِ حِسَابَهُ.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِسَابٌ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ بِمَا عِنْدِي مِنَ الْحِفْظِ وَالتَّذَكُّرِ وَالْأَيْدِي وَالْأَصَابِعِ!
فَقُلْتُ: أَيُّ حِسَابٍ هُوَ؟
فَقَالَ: قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِكَ يَحْضُرُونَ مُجْمَعًا، فَيُذْكَرُ اسْمُكَ عِنْدَهُمْ فَيُصَلُّونَ عَلَيْكَ، فَأَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى حصْرِ ثَوَابِهِمْ" (20).
ويكشف هذا المشهد عن مستوى بالغ من الدِّقة في النِّظام الكوني، حيث لا يخرج شيءٌ عن نطاق الإحصاء الإلهي. غير أنَّ المفارقة في الرِّواية تظهر عندما يصرِّح هذا الملك، على الرَّغم من قدرته الهائلة على العدِّ والحفظ، بعجزه عن إحصاء ثواب عمل واحد من أعمال الأمَّة، وهو الصَّلاة على النَّبي محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) عند ذِكره في المجالس. وتظهر هذه العبارة عن منزلة الصَّلاة على النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) وآله (عليهم السلام) في الميزان الغيبي، وإنَّها آثارها تتجاوز حدود الإحصاء العددي، وتدخل في نطاق الفضل الإلهي المفتوح.
وفي سياق مكمِّل، ترد في روايات المعراج الإشارة إلى الذِّكر بوصفه غرسًا للجنَّة: إنَّ إبراهيم (عليه السلام) قال لنبيِّنا الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ليلة المعراج: "مُرْ أُمَّتَكَ حَتَّى يَسْتَكْثِرُوا مِنْ غَرْسِ الْجَنَّةِ.
قَالَ: وَمَا هِيَ؟
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ" (21). ويقدِّم هذا النَّص فهمًا عميقًا للذِّكر، باعتباره فعلًا يترك أثرًا وجوديًا دائمًا في العالم الآخر، لا مجرَّد ترداد لفظي محدود الأثر.
وتتكامل هاتان الرِّوايتان في رسم صورة للذِّكر بوصفه ممارسة ذات بعد كوني، تتجاوز حدود الفرد لتندرج ضمن منظومة العطاء الإلهي الواسع. فالصَّلاة على النَّبي المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) وآله الطيبينَ (عليهم السلام)، والحوقلة، يتحوَّلان في خطاب المعراج إلى أدوات لصناعة الرَّصيد الأخروي، وإلى لغة اتِّصال مستمرة بين الأرض والسَّماء، تُرسِّخ حضور الإنسان في عالم الغيب من خلال كلمات قليلة في ظاهرها، عميقة في آثارها.
المحور الثَّامن: مقام السيِّدة فاطمة الزَّهراء (عليها السلام)
تكشف روايات المعراج عن حضور خاص ومتميِّز للسيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، يتجاوز البعد العاطفي أو الأسري، ليؤكِّد موقعها في الرِّسالة الإسلاميَّة. فذكرها في سياق المعراج يضع شخصيتها ضمن الدَّائرة الغيبية التي تتنزل فيها القرارات المصيريَّة المرتبطة بمستقبل القيادة والهداية، ويُظهر أنَّ علاقتها بالنبوة والإمامة امتداد لاختيار إلهي سابق. عن حمران قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ) في كتابه: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (22) قال: "أَدْنَى اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) مُحَمَّدًا نَبِيَّهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا قَفَصٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ فِيهِ فِرَاشٌ يَتَلَأْلَأُ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُرِيَ صُورَةً، فَقِيلَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَعْرِفُ هَذِهِ الصُّورَةَ؟
فَقُلْتُ: نَعَمْ، هَذِهِ صُورَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ أَنْ أُزَوِّجَهُ فَاطِمَةَ وَأَتَّخِذَهُ وَلِيًّا" (23).
وتدلُّ هذه الرِّواية على أنَّ اقتران النبوة بالإمامة، عبر زواج الإمام عليٍّ والسيِّدة فاطمة (عليهما السلام)، قرار إلهي صدر في أعلى مراتب القرب، لا مجرَّد تدبير اجتماعي تمَّ على الأرض.
كما جاءت رواية تؤكِّد أنَّ أصل مولاتنا الزَّهراء (عليها السلام) من شجرة طوبى، كما في الحديث المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يُكْثِرُ تَقْبِيلَ فَاطِمَةَ (عَلَيْهَا السَّلَامُ)، فَعَاتَبَتْهُ عَلَى ذَلِكَ عَائِشَةُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَتُكْثِرُ تَقْبِيلَ فَاطِمَةَ!
فَقَالَ لَهَا: وَيْلَكِ، لَمَّا أَنَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَرَّ بِي جِبْرَئِيلُ عَلَى شَجَرَةِ طُوبَى، فَنَاوَلَنِي مِنْ ثَمَرِهَا فَأَكَلْتُهَا، فَحَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَى ظَهْرِي، فَلَمَّا أَنْ هَبَطْتُ إِلَى الْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ، فَمَا قَبَّلْتُ فَاطِمَةَ إِلَّا وَجَدْتُ رَائِحَةَ شَجَرَةِ طُوبَى مِنْهَا" (24).
وتؤسِّس هذه الرِّوايات الشَّريفة لفهم مقام السيدة فاطمة (عليها السلام) بوصفه مقامًا مركزيًا في منظومة النُّور المحمَّدي؛ إذ تجتمع فيها أبعاد النُّبوة والإمامة والولاية في وحدة متكاملة. فحضورها (عليها السلام) في خطاب المعراج يُبيِّن أنَّها (عليها السلام) حلقة الوصل بين السَّماء والأرض، وامتدادٌ حيٌّ للرِّسالة في بعدها الرُّوحي والقيادي، بما يجعل سيرتها ومكانتها جزءًا لا ينفصل عن فهم المعراج ذاته.
وممَّا مرَّ يظهر أنَّ حادثة الإسراء والمعراج أكثر من معجزة؛ فهي تجربة معرفيَّة تربط الإنسان بالنِّظام الكوني، وتعيد تعريف القرب من الله (سبحانه وتعالى) والولاية والصَّلاة والذِّكر. كما تكشف هذه الواقعة عن الأبعاد التربويَّة الوقائيَّة، عن طريق عرض بعض المشاهد العقابيَّة والمعرفيَّة، التي تهدف إلى تهذيب النَّفس، وصقل الوعي.
وفي ذات الوقت، تبرز مكانة أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) ومركزيَّة الولاية؛ إذ يظهر ارتباط القيادة الإلهيَّة بالرِّسالة وتواصل الهداية بعد النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، بما يعكس حكمة الشَّريعة واستمراريَّة المشروع الرِّسالي. كما يؤكِّد المعراج على الدَّور المحوري للذِّكر والصَّلاة على النَّبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته الطَّيبينَ الطَّاهرينَ (عليهم السلام) في صيانة النَّفس ورفع قدر الإنسان عند الله (تبارك وتعالى).
وبعبارة جامعة: إنَّ الإسراء والمعراج، بهذا المعنى منهج حياة شامل، يربط بين المعرفة والعبادة والسُّلوك والولاية، ويعلِّم الإنسان كيف يكون واعيًا، خاشعًا، متوكلًا، راضيًا، ومتَّصلًا بخالقه (سبحانه) وبالرِّسالة المحمَّديَّة، بما يجعل حياته مرآة للقيم الإلهيَّة ومظهرًا للنَّهج الأصيل.