الإمساك بالماء: رحلة البحث عن الكمال المستحيل
عزيز ملا هذال
2026-04-19 04:56
من الناس من يحاول ان يسير الامور الحياتية اليومية بصورة طبيعية وبواقعية تجعلها مقبولة، ومن الناس يحاول ان ينحاز صوب المثالية العالية في تطبيق كل ما يحط به وما يقوم به من سلوكيات، ونتاج هذه الرغبة في تسيير الامور على افضل وجه او ربما على ميشتهي الفرد هو حدوث الكثير من المشكلات الاجتماعية والنفسية، هذا الجانب المظلم للانسان ينجلى في رغبته للسيطرة على كل حوله وهو مايعرف بـ( هوس السيطرة)، فماهو الوصف العلمي له وكيف نحد منه؟
ماهو هوس السيطرة؟
يعرف هوس السيطرة نفسياُ بأنه "حالة من الاستحواذ الذهني تدفع الفرد للاعتقاد بأن أمنه النفسي واستقراره العاطفي مرتبطان بمدى قدرته على ضبط المتغيرات الخارجية، وغالباً ما يكون هذا الهوس آلية دفاعية لمواجهة القلق الداخلي أو الخوف من المجهول وفقدان الثبات.
يولد الإنسان بميل فطري للإحساس بالأمان، وغالباً ما نرتبط هذا الأمان بمدى قدرتنا على التحكم في بيئتنا بدءاً من تنظيم جدولنا اليومي، وصولاً إلى محاولة تشكيل ردود أفعال الآخرين ومصائر المستقبل، ولكن عندما تتحول هذه الرغبة إلى هوس بالسيطرة، فإنها تتحول إلى عكس ذلك، لتصبح هي السجن الذي يمنعنا من الاستمتاع بجمال اللحظة وعفوية الحياة.
من الحياة:
جلال المنظم في حياته المهنية والاجتماعية والذي يتحكم في تصيلاته كما يشتهي اراد يوماً ان يصطحب عائلته في رحلة استجمام وكالعادة يريد فرض سيطرته على كل مجريات السفرة، من تحديد وقت السفرة وتحديد ماذا يتردي الابناء والزوجة وغيرها من باقي التفصيلات، ولكن بسبب تأخر الابناء في الاستيقاظ وحدوث حدث ازدحام مروري غير متوقع في الطريق.
النتيجة النفسية كانت عاد جلال من السفرة وهو يشعر بإنهاك جسدي ونفسي، لم يستمتع بالهواء الطلق ولا بضحكات أبنائه لأنه كان مشغولاً بـضبط الإيقاع، اما العائلة فلم يشعروا بالاستجمام بل شعروا أنهم في ثكنة عسكرية يخافون من ارتكاب أي خطأ يفسد مزاج الأب.
ماهي ارتدادات هوس السيطرة على الانسان؟
إن محاولة الإمساك بزمام كل شيء تشبه محاولة الإمساك بالماء بقبضة يدك فكلما زاد ضغطك، تسرب الماء من بين أصابعك، وهذه الارتدادات تتمثل في الاتي:
يمثل الاستنزاف الذهني والبدني للفرد الذي يحاول السيطرة على شيئ صورة من صور الارتدادات الغير مريحة، اذ ان العقل الذي يتابع كل شيء هو عقل في حالة توتر مستمر هذا يؤدي إلى زيادة مستويات الكورتيزول، مما يسبب ضغطاً دائماً ومشاكل في النوم وصعوبة في الاسترخاء وبالتالي تصاب الكثير من العمليات النفسية والعقلية بالضمور وهو ما يقلل من متسويات سعادة الانسان واتزانه النفسي.
ومن الارتدادت السلبية لهوسالسيطرة هو سيطرة روح المثالية السامة، فالرغبة في التحكم تجعلنا نرفض أي نتيجة أقل من الكمال، وبما أن الحياة بطبيعتها ناقصة وغير متوقعة، فإن المتحكم يعيش في خيبة أمل مستمرة، عاجزاً عن الاستمتاع بما تحقق لأنه مشغول بما لم يكتمل، وهو ما قد يؤدي الى تآكل العلاقات الاجتماعية وتضعضعها سواء على نطاق العائلة او على نطاق العمل والمحيط الخارجي.
كيف نحد من هذا الهوس؟
للتغلب على هوس السيطرة المرضي يجب على المصاب ان يعي ضرورة الانتقال من ضيق السيطرة والتحكم الخانق إلى سعة التسليم الواعي المشروط وليس التسليم المطلق، وهو ما يمكن ان يبني منهجية سلوكية ومعرفية تعيد صياغة علاقتنا بمحيطنا وتقوي تلك العلاقات ولا تؤثر عليها بالسلب.
كما من المهم اعادة فهم الفشل والنجاح وهو ما يجعل المتحكم يغير وجهة نظره التي تقضي ان كل انحراف او قصور هو فشل، ولابد من الوقوع في الاخطاء التي توصلنا الى النجاح، اذ ان من الضروري
اعتبار العقبات دروساً تعليمية وليس عيوباً في النظام الإداري للحياة وبالتالي تتقلص مساحة الضغط النفسي الناجم عن هوس السيطرة لدى الانسان.
في النهاية إن جوهر الحياة لا يكمن في إخضاعها لإرادتنا بل في قدرتنا على التوافق مع متغيراتها، و التخلي عن هوس السيطرة ليس استسلاماً للقدر، بل هو تصالح مع الطبيعة البشرية الناقصة، فعندما نرخي قبضتنا المشدودة عن تفاصيل الأيام، نمنح أنفسنا والآخرين فرصة للتنفس، فهل تستحق السيطرة الوهمية أن نضحي من أجلها بسكينة أرواحنا ودفء علاقاتنا؟