الاستعمار الإعلامي الجديد: لماذا بقي العالم العربي مستهلكًا للرواية أكثر من كونه صانعًا لها؟

كمال عبيد

2026-07-05 04:42

لم يعد الاستعمار في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى جيوش تعبر الحدود أو أساطيل ترسو في الموانئ. فالقوة الأكثر تأثيرًا أصبحت تلك التي تدخل العقول قبل أن تدخل الأراضي، وتعيد تشكيل الوعي قبل أن تعيد رسم الخرائط. وإذا كان الاستعمار التقليدي يستولي على الموارد الطبيعية، فإن الاستعمار الإعلامي يسعى إلى الاستيلاء على المورد الأخطر: قدرة الإنسان على تفسير الواقع بنفسه.

ولذلك فإن أخطر سؤال لا ينبغي أن يكون: من يملك السلاح؟ وإنما: من يملك الرواية؟

لقد أدركت الدول الكبرى منذ عقود أن السيطرة على تدفق المعلومات لا تقل أهمية عن السيطرة على مصادر الطاقة أو خطوط التجارة. فالخبر الذي يصل أولًا يمتلك فرصة أكبر لترسيخ نفسه في الوعي الجمعي، حتى لو أثبتت الوقائع لاحقًا أنه كان ناقصًا أو مضللًا أو منحازًا. 

ولهذا أصبحت المنافسة الدولية تدور حول احتكار "الرواية الأولى"، لأن الرواية الأولى غالبًا ما تتحول إلى الحقيقة الأكثر رسوخًا في أذهان الجمهور.

هذا التحول لا يمثل مجرد اجتهاد نظري، بل تؤكده التحولات التي رصدتها المؤسسات البحثية العالمية. فقد أظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025 الصادر عن Reuters Institute for the Study of Journalism، والذي استند إلى استطلاع شمل ما يقرب من 100 ألف مشارك في 48 دولة، أن الجمهور العالمي أصبح يحصل على أخباره بصورة متزايدة عبر المنصات الرقمية وشبكات التواصل، بينما يستمر تراجع الاعتماد على المؤسسات الصحفية التقليدية. وفي الوقت نفسه، عبّر 58% من المشاركين عن قلقهم من تزايد صعوبة التمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة، فيما رأى 47% أن المؤثرين الرقميين والسياسيين يمثلون أبرز مصادر الأخبار الكاذبة أو المضللة.

هذه الأرقام لا تتحدث عن أزمة إعلام فحسب، وإنما عن أزمة ثقة عالمية. فعندما يفقد الجمهور القدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية، يصبح أكثر قابلية لتصديق الرواية التي تتكرر أكثر، لا الرواية الأكثر دقة.

ومن هنا يمكن فهم سبب استمرار هيمنة عدد محدود من وكالات الأنباء العالمية على تدفق الأخبار الدولية. فوكالات مثل رويترز وأسوشيتد برس ووكالة الصحافة الفرنسية لا توفر الأخبار لمئات المؤسسات الإعلامية فحسب، بل تحدد أيضًا ترتيب الأولويات، وزاوية المعالجة، والإطار اللغوي الذي ستُقرأ من خلاله الأحداث في مختلف أنحاء العالم. وهذا ما يجعل تأثيرها يتجاوز وظيفة "نقل الخبر" إلى وظيفة "إنتاج الإدراك".

وليس المقصود بذلك التشكيك في مهنية هذه الوكالات، فهي تمتلك خبرات تراكمية وشبكات مراسلين واسعة، غير أن أي مؤسسة إعلامية تعمل داخل بيئة سياسية واقتصادية وثقافية تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أولوياتها التحريرية. ولذلك فإن القضية لا تتعلق بوجود مؤامرة بقدر ما تتعلق بوجود منظومة نفوذ إعلامي تجعل رواية بعينها أكثر حضورًا وانتشارًا من غيرها.

ولعل هذا ما دفع الباحثين Edward S. Herman وNoam Chomsky إلى تقديم ما عُرف بـ"نموذج الدعاية" في كتابهما Manufacturing Consent، حيث بيّنا أن الأخبار تمر عبر مجموعة من "المرشحات" قبل وصولها إلى الجمهور، تشمل ملكية وسائل الإعلام، ومصادر التمويل، والاعتماد على المصادر الرسمية، وضغوط المصالح السياسية والاقتصادية. ولا يعني ذلك أن كل خبر دعائي، لكنه يعني أن البيئة التي يُنتج فيها الخبر تؤثر في شكله النهائي. 

وتبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا في العالم العربي، حيث تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات الإعلامية على الوكالات الأجنبية في تغطية الشؤون الدولية، نتيجة محدودية الإمكانات المالية، وضعف شبكات المراسلين، وغياب التعاون العربي الفاعل في مجال صناعة الأخبار العابرة للحدود. وبهذا أصبحت كثير من الصحف والقنوات العربية تبدأ يومها التحريري من البرقيات الواردة من الخارج، لا من إنتاجها الصحفي المستقل.

وهنا لا تكمن المشكلة في استخدام هذه الوكالات بوصفها مصدرًا للمعلومات، فهذا أمر طبيعي في العمل الصحفي، وإنما في الاكتفاء بها بوصفها المصدر الوحيد للرواية. فعندما يغيب التنوع في المصادر، يغيب التنوع في التفسير، وتصبح المجتمعات أسيرة لزاوية نظر واحدة، مهما بلغت مهنيتها.

ولعل أخطر ما في هذا الواقع أن السيطرة الإعلامية لم تعد تتم عبر الأخبار وحدها، بل عبر الخوارزميات أيضًا. فالمنصات الرقمية لا تعرض لجميع المستخدمين المحتوى نفسه، بل تقدم لكل فرد الأخبار التي تتوافق مع اهتماماته السابقة، وهو ما يؤدي إلى تكوين "فقاعات معلوماتية" يعيش داخلها الإنسان، فلا يرى إلا ما يعزز قناعاته، بينما تتراجع فرص الاحتكاك بالرأي الآخر. وهكذا تنتقل الهيمنة من احتكار إنتاج الخبر إلى احتكار توزيع الخبر.

وقد رصدت دراسات حديثة أن المنصات الرقمية أصبحت البوابة الأولى للأخبار لدى شرائح واسعة من الشباب، بينما أخذت المؤسسات الإعلامية التقليدية تفقد دورها بوصفها الحارس الرئيس للمعلومات. وفي المقابل، ازدادت مكانة المؤثرين وصناع المحتوى، رغم أن كثيرًا منهم لا ينتجون أخبارًا أصلية، بل يعيدون تفسير الأخبار وفق رؤاهم الشخصية، وهو ما يضاعف احتمالات الانتقائية والانحياز. 

وفي خضم هذا المشهد، لم يعد التحدي الحقيقي أمام الإعلام العربي أن يمتلك وكالة أنباء جديدة فحسب، وإنما أن يمتلك رؤية مستقلة لإنتاج المعرفة. فالمعركة اليوم ليست بين وكالة وأخرى، بل بين من يملك القدرة على تفسير العالم، ومن يكتفي باستهلاك تفسير الآخرين.

ولذلك فإن بناء إعلام عربي مؤثر لا يبدأ بشراء تقنيات أحدث أو إطلاق منصات أكثر، وإنما يبدأ ببناء منظومة بحثية، ومراكز تحقق مستقلة، وشبكات مراسلين محترفة، واستثمارات حقيقية في الصحافة الاستقصائية، حتى تتحول المنطقة من مجرد مستورد للرواية إلى شريك في إنتاجها.

إن الأمم التي لا تنتج سرديتها بنفسها، ستجد نفسها دائمًا مضطرة للعيش داخل السرديات التي يكتبها الآخرون عنها. وهذه ليست مشكلة إعلامية فحسب، بل قضية تتصل بالسيادة الثقافية، والأمن المعرفي، وحق الشعوب في أن ترى نفسها بعيونها، لا بعيون الآخرين. فالرواية، في نهاية المطاف، ليست مجرد قصة تُروى... إنها شكل من أشكال القوة، وربما كانت اليوم أقوى من كثير من الأسلحة التقليدية.

ذات صلة

المنظومة الأخلاقية في النهضة الحسينية وإشكالية التوافق السلوكيمن ذبح إسماعيل إلى ذبح علي الأكبرالفساد في العراق.. حين تختبر الدولة قبل الحكوماتأميركا في عيدها الـ250.. جمهورية الخوف وحلمٌ يختنق تحت ظل ترامبأيهما المقصّر.. القيادات أم الشعب؟