أدب الحرب بحلّة جديدة!

عبد الامير المجر

2026-03-31 03:08

لم تغادر ذاكرة قرّاء الأدب تلك الأعمال الكبيرة التي رصدت أعماق الإنسان في أكثر مفاصل حياته قسوةً ورعباً، ألا وهي الحروب؛ فأدب الحرب الحقيقي لا ينقل صور المعارك، بل يترجم ارتجاف القلوب، وتتجلى من خلاله أسئلة كبرى عن معنى الوجود والحياة ومحنة القيم الإنسانية.

 هنالك روايات كبيرة مثل (الحرب والسلم) لـ ليو تولستوي و(الساعة الخامسة والعشرون) لـ قسطنطين جورجيو و(لمن تقرع الأجراس) لـ إرنست همنغواي، وغيرها من الأعمال الخالدة التي تُرجمت إلى أعمال فنية ما زالت تحظى بمتابعة الملايين في مختلف أنحاء العالم، لكونها توغلت في العمق الاجتماعي للبلدان المتحاربة، منطلقةً من ميادين القتال ودويّ المدافع وظلمة خنادق الجنود وهم يواجهون بعضهم البعض في حروب، يؤكد العقلاء في العالم: كان بالإمكان تجنّبها. لكن المؤسف، بعد كل تلك التجارب القاسية، ما زال في عالمنا اليوم، المتحضّر منه والمتخلّف على حد سواء، من يؤمن بأن الحرب هي الوسيلة الناجعة الأسرع لتحقيق الأهداف، وأن نزعة الهيمنة والشر ما زالت متأصلة في أعماق الإنسان، مؤيّدةً قول طيب الذكر المتنبي: "والظُّلمُ من شِيَمِ النُّفوسِ، فإنْ تَجِدْ ذا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لا يَظْلِمُ".

لقد ارتقى العقل العلمي كثيراً في العقود الأخيرة، فبات يصنع كل ما يجعل الحياة جميلة ميسّرة، لكنه صار يصنع بموازاة هذا الجمال أشكالاً متعددة للقبح، منها الأسلحة الحديثة التي غيّرت صورة الحرب نفسها، وغيّرت شكل ميادينها حتى غدت أشبه بألعاب إلكترونية تُدار من غرف هادئة مكيّفة، تتحكم بصواريخ عملاقة تعبر حدود القارات لتفتك بالبشر وتطحن الحجر.

نعم، لم تعد بالأديب اليوم حاجة للذهاب إلى الخنادق ليكتب عن حياة الجنود، لأنها باتت بين البيوت، وصارت شاشات الفضائيات تتابع سير الصواريخ وهي تمخر عباب السماء من خلال الأقمار الصناعية، وتنقل بشكل مباشر ما تخلّفه من أهوال.

لقد تراجع دور المراسلين الحربيين ممن كانوا يرابطون في الجبهات البعيدة، وأصبحوا اليوم مجرد متابعين لتفاصيل تسبقهم إليها أعين الكاميرات. ووفقاً لذلك تغيّر مزاج الناس في تعاطيهم مع فكرة الحرب التي باتت أشبه بلعبة للقتل وليست ساحة للقتال، ولم يعد الجنود وحدهم من يعيشونها أو يشهدون وقائعها، بل صارت الناس تسبقهم في الذهاب إلى ميادينها التي تقررها وجهات الصواريخ والمسيّرات.

لك أن تتخيل رواية أو قصة قصيرة تتحدث عن حربي الخليج الأخيرتين. المؤكد أنك لن تلتقي بين سطورها جنودا مختبئين في الملاجئ الصغيرة، يتقون البرد والمطر وشظايا القنابل، ولن تجد حضوراً للمدافع، ولن تصادفك دورية ليلية أو تشهد استعداداً لهجوم بري، وتفاصيل أخرى كان يضج بها أدب الحرب. إنها ليست الحرب التي كانت وأدبها لن يكون كما كان!

لقد ظل الإنسان، لآلاف السنين، يحمل نزعة الشر والعنف الكامنة في أعماقه، يتجول بها بين الصحاري والجبال ليسفحها هناك مصحوبةً بسيول الدم التي ما إن تجف حتى يسعفها بسيول أخرى، وحين أصبح مترفاً ولم يعد يرغب في مفارقة حياة البذخ التي صنعها، صار يعمل على تقريب ميادين المنازلة لتتواءم مع وضعه الجديد ليستمر في لعبته القديمة المتجددة... ولعله نجح إلى حد كبير!

ذات صلة

فلسفة التقدم وعناصر القوة في فكر الامام الشيرازيالعراق.. المعضلة الامنية تزيد من مخاطر العزلة الاقليمية والدوليةمشهد الحرب الإيرانية: بين الانفجار الشامل وصفقة اللحظة الأخيرةبنية تحتية على الورق: كيف تحولت الإنجازات إلى أزمات؟إغلاق مضيق هرمز: 7 تطورات تعيد صياغة معادلة إمدادات الطاقة العالمية