جمال السرد يختزل الأجناس

عبد الامير المجر

2026-03-04 04:07

قبل أكثر من ثلاثة عقود قرأت كتاب (أعمدة الحكمة السبعة) للضابط البريطاني المعروف بـ(لورانس العرب)، والذي سرد فيه دوره الحقيقي والمتخيّل في (الثورة العربية) التي انطلقت في العام 1916 من الحجاز وصولا إلى دمشق. لم تكن المعلومات الشيّقة وحدها هي التي شدتني إلى هذا الكتاب الذي أدهش رئيس الوزراء البريطاني تشرشل، مثلما أدهش كثيرين غيره، بل قوة السرد التي جعلته يُعدّ واحدا من أهم الكتب الكلاسيكية المعاصرة. لقد كان لورانس أديبا طغت داخله روح المغامرة فوجد نفسه في الصحراء، متحديا مخاطر رحلته الأسطورية تلك ليبلغ هدفا تملّك عقله وروحه، فكان الأديب كامنا فيه يتأمل المحارب ويدوّن وقائع مغامرته التي ستجد طريقها إلى الورق، لتصلنا بوصفها واحدة من أجمل المغامرات التي امتزجت فيها رائحة الحبر برائحة البارود، وصور المعارك بالمواقف الطريفة والمدهشة التي عاشها البطل الكاتب ـ المحارب!

وأنا أقرأه، لم يشغلني أو يهمّني جنس الكتاب، وهل هو رواية أو سيرة أو وقائع تاريخية أو غير ذلك، لأنَّ كتبا كهذا عابرة للتجنيس الأكاديمي أو النقدي. الأمر نفسه حصل لي مع كتاب (تقرير إلى غريكو) لكازانتزاكي، والذي لا أعتقد أن أديبا في العالم لم يقرأه أو قرأ عنه، لأن فرادته تكمن في أنه جمع بين السيرة الذاتية والتأملات الفلسفية ويتضمن أيضا رحلة روحية تعكس تجربة الكاتب منذ ولادته وصولا إلى نضجه وهو يقرأ بعين المتفلسف والمتأمل في الأشياء من حوله، يتحرى أعماقها وخلفياتها المؤثرة. ولا أستطيع أن أتجاوز كتابا آخر هو (السيد بالومار) لإيتالو كالفينو، إذ عشت مناخا إنسانيا مشبعا بالعذوبة مع تلك الشخصية المتخيلة التي ابتدعها كالفينو ليتأمل الأشياء من خلالها ويسقط فلسفته الخاصة على مشاهداته، بطريقة أبهرتنا.

لم يتجرأ أحد على النيل من هذه الكتب وأمثالها، بحجة غياب التجنيس، لكونها تمثل تجربة خاصة ونوعا من الكتابة التي يمتزج فيها الوعي العالي بالوجدان العميق بشكل فريد، فباتت أشبه بالمدارس التي تعلّم منها الكثيرون فن الكتابة غير المقيّدة. ولعلي دهشت قبل قراءتي لهذه الكتب بكتابي مصطفى لطفي المنفلوطي (النظرات ـ العبرات) اللذين قرأتهما مبكرا، فسحرتني قدرته على السرد وعذوبته الممتزجة بخصوبة الخيال.

قبل مدة ذكر أحد النقاد في جلسة خاصة وهو يتعرض لقصص أحدهم أنها تفتقر لأصول القصة القصيرة، لكن أحد الجالسين رأى أن هذه القصص تمثل شكلا جديدا في كتابة هذا النوع الأدبي، وأن كاتبها لا يرى ضرورة في التمسك بأصول القصة التقليدية، فالقصص جميلة في شكلها وتطرح أفكارا عميقة بأسلوب جديد، أي بمعنى أن القاص تمرد على القوالب الجاهزة وكتب بالشكل الذي يراه مناسبا وقد أوصل فكرته بطريقة مبتكرة. فالقصة أو الرواية اليوم غير ملزمة بالشكل الذي كتب فيه بلزاك وتولستوي وتشيخوف وحتى همنغواي ونجيب محفوظ، لأنها نتاج عصر له معطيات جديدة تفرض نفسها على كاتب اليوم، مثلما فرضت معطيات عصر لورنس وكازانتزاكي وكالفينو وغيرهم نفسها عليهم ودفعتهم لإنتاج تلك الأعمال الأدبية الخالدة.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. الأمن الإنساني في العراق، الواقع والطموحفلسفة السلام ومنطق الصلح في سيرة الإمام الحسن(ع)الإمام الحسن في ذكرى مولده: البطولة في الحرب وفي السلمتوازنات القوة في الشرق الأوسط.. لعبة شد الحبال المستمرةالبقاء الطويل في الحكم وحدود التداول