قنابل بيولوجية في المسيب.. دراسة المعموري تكشف تزييف سجلات النفايات الطبية

أوس ستار الغانمي

2026-04-19 05:02

حين تفتح نافذتك مع أول خيط ضوء في قضاء المسيب، لا تستقبلك رائحة الصباح كما ينبغي؛ يتسلل إليك هواء مثقل بشيء غريب… خليط خانق يوحي بأن خلف هذا الهدوء قصة لا تحكى. في الشارع، يمر طفل قرب حاوية نفايات عادية، غير مدرك أن ما بداخلها قد لا يكون مجرد بقايا منزلية، إنما مخلفات طبية خطرة قادرة على نقل أمراض صامتة في لحظة تماس عابرة. هنا يبدأ القلق، وتتضح ملامح أزمة تتوارى خلف جدران المؤسسات الصحية.

الواقع يتجاوز كل تصور. فالمستشفيات، التي يُفترض أن تكون ملاذاً للشفاء، تخفي أزمة بيئية تتفاقم بصمت. النفايات الطبية، التي يجب التعامل معها بأقصى درجات الحذر، تتحول بفعل الإهمال وضعف الرقابة إلى مصدر تهديد مفتوح، يمتد أثره من الهواء الذي نتنفسه إلى الماء الذي نشربه.

في هذا التحقيق الاستقصائي، نكشف تفاصيل صادمة استناداً إلى دراسة ميدانية للباحثة علا محسن المعموري، التي استخدمت لغة الأرقام لتفكيك هذا الواقع، لتظهر مدينة لا تعيش أزمة عابرة، إنما تقف على حافة خطر بيئي متصاعد.

الخلط القاتل

تكشف البيانات الميدانية عن كارثة إدارية وأخلاقية؛ إذ إن 70% من المؤسسات الصحية في المسيب تصر على خلط النفايات الطبية الخطرة بالنفايات العادية. هذا الفعل ليس مجرد "إهمال"، بل هو "استسهال كارثي" يحوّل حاويات القمامة العادية إلى "قنابل بيولوجية" تجوب شوارع المدينة، مما يرفع احتمالية تفشي العدوى ويجعل السيطرة على الأوبئة ضرباً من الخيال.

وعلى الرغم من الميزانيات الضخمة، تظهر "فجوة التخصيص" واضحة؛ حيث لا تتجاوز نسبة الفرز الحقيقية 30% فقط. الأموال تذهب للعلاجات الظاهرية، بينما تترك البنية التحتية للتخلص من السموم غارقة في الفوضى، فيما وُصف بأنه غياب كامل لـ"الهندسة الإدارية" السليمة.

تزييف الحقيقة

في محاولة للتهرب من المسؤولية القانونية، تعجز (أو تتعمد) المستشفيات عدم الاحتفاظ بسجلات دقيقة لأوزان نفاياتها. هذا "الضباب المعلوماتي" ليس عجزاً تقنياً بقدر ما هو محاولة لتعمية الجهات الرقابية عن حجم التجاوزات وكميات النفايات التي تُطمر بشكل غير قانوني، مما يجعل حساب كفاءة أجهزة التعقيم أو كمية الانبعاثات مستحيلاً.

الفرات يلفظ أنفاسه

لم تكتفِ المؤسسات الصحية بتلويث الأرض، بل امتدت يد العبث إلى شريان الحياة. يؤكد التحقيق أن مياه الصرف الصحي لبعض المستشفيات، المحملة بالمضادات الحيوية والمطهرات، تُطرح مباشرة في نهر الفرات. النتيجة؟ تحول النهر إلى "مستودع للمقاومة البكتيرية"، حيث تنمو سلالات بكتيرية خارقة لا تتأثر بالعلاجات، ما يهدد الأمن الصحي لمواطني المسيب في مقتل.

الهواء والتربة.. موت معلب في السلسلة الغذائية

النتائج المخبرية التي استحصلت عليها الباحثة من مختبرات وزارة العلوم والقطاع الخاص (بعد جدار صمت من مختبرات الصحة) جاءت صادمة:

 _ التربة: مشبعة بمعادن ثقيلة (رصاص وكادميوم) فوق الحدود المسموح بها، مما يعني انتقال السموم مباشرة إلى الخضروات والماشية، ومنها إلى مائدة المواطن.

 _ الهواء: المحارق الطبية تعمل بلا فلاتر، مما أدى لتلوث الهواء بغاز "الفورمالدهايد" المسرطن بنسبة 100%. إنها عملية "نقل للموت" من حالته الصلبة إلى الغازية ليشتنشقه الجميع بلا استثناء.

 _ الجسيمات العالقة (PM10): هناك ارتباط علمي موثق بين اتجاه الرياح من مواقع الطمر وبين ارتفاع إصابات الربو والتهاب القصبات في المناطق المحيطة.

بيئة الاستشفاء.. صخب يقتل الراحة

حتى داخل ردهات المستشفيات، تغيب المعايير الإنسانية؛ حيث وصلت مستويات الضوضاء إلى 85 ديسيبل، بينما الحد المسموح عالمياً لا يتجاوز 55 ديسيبل. هذا الصخب ليس مجرد إزعاج، بل هو "معيق للشفاء" يرفع ضغط الدم ويزيد توتر المرضى، في بيئة يُفترض أنها مخصصة للراحة.

 الحل.. هل هو في المال أم في عصا القانون؟

تختتم الباحثة المعموري دراستها بخارطة طريق حاسمة؛ فالحل ليس في زيادة الأموال فقط، لأن "الأموال بلا قانون هي فساد". الحل يكمن في:

_ الردع الجنائي: تحويل المخالفات البيئية إلى جرائم جنائية تطال "هرم الإدارة" المقصر شخصياً، وليس فقط دفع غرامات من ميزانية الدولة.

_ الحوكمة الرقمية: ربط مسار النفايات بنظام تتبع مكاني (GPS) من الردهة إلى الطمر لمنع التسرب العشوائي.

_ البدائل التقنية: الانتقال فوراً إلى تقنيات (Auto-clave) الصديقة للبيئة بدلاً من المحارق المتهالكة.

إن بقاء توصيات البحث العلمي "حبيسة الرفوف" في المسيب هو اشتراك في الجريمة. إن "الأمن البيئي" اليوم هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وما كشفته هذه الدراسة يضع الكرة في ملعب مجلس محافظة بابل والإدارة المحلية: فإما إرادة سياسية تفعّل سلطة القانون، أو الاستمرار في مشاهدة مواطني المسيب وهم يدفعون ثمن "الفساد الإداري" من صحتهم وحياة أبنائهم.

ذات صلة

بناء الشخصية الشبابية بين معرفة الحقِّ واستثمار المعرفةالإبلاغ والوظيفة الإبلاغية في القرآن الكريم وفق لسانيات النصنقاش الساعةقراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيلالهدنة والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران