الذاكرة الرقمية!
د. محمد فلحي
2026-08-01 03:34
يطالعنا موقع فيس بوك صباح كل يوم بقائمة ذكريات عن نشاطاتنا في اليوم نفسه خلال السنوات الماضية التي تركناها في الفضاء الالكتروني!
الذاكرة من معجزات الخالق سبحانه وتعالى التي اودعها في خلايا دماغ الانسان، وهي قدرة عجيبة على الاسترجاع الفوري او الرجوع الى الماضي واستعادة الكلمات والصور والحوادث والراوئح والمذاقات وغيرها!
الانسان بدون ذاكرة لا يعد انسانا بالمعنى الحضاري، فالذاكرة خزين متراكم متصل من المعلومات والخبرات المتوارثة المتزايدة جيلا بعد جيل، وقد ابتكر العقل البشري اداة الكتابة والتدوين لعبور حاجزي الزمان والمكان وحفظ معلوماته وتجاربه وخبراته، وهي اول وسيلة لمساعدة الذاكرة على الحفظ والاسترجاع، أوما يسمى ب( التاريخ) !
الارشيف المطبوع والمسموع والمرئي يمثل ذاكرة تاريخية منظمة هائلة، وقد اخترعت شبكة الانترنيت لتمثل اكبر وأهم وأسرع وأسهل ذاكرة لحفظ المعلومات!
الكتابة أهم اختراع بشري قبل نحو عشرة آلاف عام ، والانترنيت أهم وسيلة اتصال ابتكرها الانسان في العصر الحالي، الكتابة شرقية والانترنيت غربية، وذلك ما يجعل مصير البشرية واحدا!
الذاكرة العقلية والشبكية مفيدة ومهمة دون شك، لكنها من جانب اخر قد تثقل عقل الانسان بصور ومواقف وتجارب مؤذية، فخلافاتنا وحروبنا ومآسينا من صنع الذاكرة السلبية المدمرة!
ذاكرة الدماغ البشري تغربل وتحفظ وتسترجع طوال الوقت،وشبكة الانترنيت تفعل ذلك ايضا، ولكن بطريقة جمعية وليس فردية فحسب، ومثلما تطاردنا ذكرياتنا الشخصية في عقولنا وعقول الآخرين فإن مدوناتنا ونشاطاتنا على شبكة الانترنيت تلاحقنا وتكتب تاريخنا الشخصي والجمعي.
ما تنشره في النت يوميا قد يكون دليل ادانتك مستقبلا، فكن حذرا!
حاول ان تترك أثرا مفيدا وطيبا وراءك في سلوكك اليومي ، وفي منشوراتك ، فهي تاريخك المنشور وشخصيتك الظاهرة أمام الله سبحانه وأمام الناس.
في الماضي كان الإنسان يخشى أن يدوّن التاريخ أخطاءه، أما اليوم فهو يكتب تاريخه بنفسه، سطراً بعد سطر، وضغطةً بعد أخرى. فالذاكرة الرقمية لا تنسى بسهولة، وما يُنشر فيها قد يبقى شاهداً على صاحبه سنوات طويلة، وربما بعد رحيله أيضاً. لذلك لم يعد السؤال: ماذا كتبت اليوم؟ وإنما: أيُّ إنسانٍ أردت أن تتركه في ذاكرة العالم؟ فالكلمة الطيبة، والفكرة النافعة، والموقف النبيل، تبقى رصيداً لا ينفد، كما تبقى الكلمة الجارحة والإساءة والافتراء عبئاً يلاحق صاحبه. ولعلّ أجمل ما يتركه الإنسان في ذاكرة الناس، وفي ذاكرته الرقمية، أثرٌ ينفع الآخرين، ويشهد له بالخير، لأن ما يبقى في النهاية ليس عدد المنشورات، وإنما قيمة ما حملته من معنى، وما تركته من أثر.