سلامة الذكاء الاصطناعي.. سباق القدرات يتقدم أسرع من أدوات الحوكمة

شبكة النبأ

2026-07-04 05:14

يضع التقرير الدولي بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي 2026 العالم أمام لحظة فاصلة في التعامل مع واحدة من أكثر التقنيات تحوّلًا وتأثيرًا في العصر الحديث. فالتقرير، الصادر في شباط/فبراير 2026، لا يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تقنية عابرة، بل باعتباره منظومة عامة القدرات، آخذة في التوسع داخل الاقتصاد والتعليم والصحة والأمن السيبراني والبحث العلمي وصناعة القرار. وقد أعدّ التقرير فريق دولي واسع، بقيادة البروفيسور يوشوا بنجيو، وبمساهمة أكثر من مئة خبير، وبتوجيه من لجنة استشارية تضم ممثلين من أكثر من ثلاثين دولة ومنظمة دولية، من بينها الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومع أنه لا يقدّم توصيات سياسية ملزمة، فإنه يسعى إلى توفير قاعدة علمية مشتركة تساعد صانعي القرار على فهم قدرات الذكاء الاصطناعي ومخاطره ووسائل إدارة هذه المخاطر. 

مدخل عام: لماذا أصبح ملف السلامة ملحًّا؟

لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي محصورًا في سؤال: ماذا يمكن لهذه التقنية أن تفعل؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا يمكن أن يحدث إذا تطورت هذه القدرات أسرع من قدرة المجتمعات والمؤسسات على الفهم والتنظيم والرقابة؟ هذا هو جوهر التقرير الدولي بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي لعام 2026. فالوثيقة تنطلق من حقيقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة تجاوزت مرحلة الأدوات المتخصصة التي تؤدي وظيفة محددة، ودخلت مرحلة أوسع تستطيع فيها أداء مهام متنوعة، من كتابة النصوص والأكواد البرمجية، إلى تحليل الصور، وتقديم إجابات علمية وقانونية وطبية، والمساعدة في البحث والتخطيط واتخاذ القرار.

لكن قوة هذه الأنظمة لا تنفصل عن مخاطرها. فالقدرة التي تمكّن النموذج من كتابة برنامج مفيد قد تمكّنه أيضًا من كتابة برمجية خبيثة. والقدرة التي تساعد الطبيب أو الباحث في تلخيص الأدبيات العلمية قد تساعد جهة خبيثة في جمع معلومات خطرة. والقدرة التي تجعل المستخدم يعتمد على الذكاء الاصطناعي في التعلم والعمل قد تخلق، في الوقت نفسه، تبعية معرفية أو ضعفًا في التفكير النقدي أو ميلًا غير واعٍ إلى تصديق المخرجات الآلية. لذلك يركّز التقرير على ما يسميه “المخاطر الناشئة”، أي المخاطر التي تظهر عند حدود القدرات المتقدمة لهذه الأنظمة، حيث تكون الأدلة ناقصة، والتوقعات غير مستقرة، والقرارات المطلوبة عاجلة.

وتنبع أهمية التقرير من أنه يحاول معالجة ما يسميه “معضلة الأدلة”. فصانع السياسة يحتاج إلى أدلة قبل أن ينظّم أو يقيّد أو يفرض إجراءات سلامة، لكن الأدلة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي تتأخر غالبًا عن تطور التقنية نفسها. فإذا انتظر صانع القرار أدلة قاطعة، فقد تكون الأضرار قد وقعت أو ترسخت. وإذا تحرك مبكرًا جدًا، فقد يفرض إجراءات غير فعالة أو يجمّد الابتكار بلا ضرورة. ومن هنا تأتي قيمة هذا التقرير: لا بوصفه وصفة جاهزة للسياسات، بل بوصفه خريطة علمية لتحديد ما نعرفه، وما لا نعرفه، وأين تكمن أخطر مناطق الغموض.

ما الذي تغيّر منذ تقرير 2025؟

يشير التقرير إلى أن العام الفاصل بين الإصدار الأول في كانون الثاني/يناير 2025 والإصدار الثاني في شباط/فبراير 2026 شهد تسارعًا نوعيًا في قدرات الذكاء الاصطناعي. لم يعد التطور قائمًا فقط على بناء نماذج أكبر وتدريبها على بيانات أضخم، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على تقنيات ما بعد التدريب، وعلى منح النماذج وقتًا حوسبيًا أكبر أثناء الاستدلال، أي أثناء إنتاج الإجابة. هذا التحول أتاح للنماذج أن “تفكر” عبر خطوات وسيطة قبل تقديم النتيجة النهائية، الأمر الذي حسّن أداءها خصوصًا في الرياضيات، وكتابة الأكواد، والمهام العلمية المعقدة.

ومن أبرز التطورات التي يسجلها التقرير أن أنظمة ذكاء اصطناعي رائدة حققت أداء بمستوى الميدالية الذهبية في مسائل أولمبياد الرياضيات الدولي. كما أصبحت وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرة على العمل باستقلالية نسبية تنجز بعض مهام البرمجة التي كان إنجازها يستغرق من المبرمج البشري نحو نصف ساعة، بعد أن كانت هذه الأنظمة قبل عام واحد قادرة فقط على مهام أقصر بكثير. هذه القفزة لا تعني أن الأنظمة أصبحت بلا أخطاء، لكنها تعني أن سقف قدرتها العملية ارتفع بسرعة واضحة.

كما يلفت التقرير إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي بات أسرع من تبني تقنيات سابقة مثل الحاسوب الشخصي. فهناك مئات الملايين من المستخدمين الأسبوعيين لأنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة، بل إن بعض البلدان وصلت فيها معدلات الاستخدام إلى أكثر من نصف السكان. لكن هذه الصورة ليست عالمية بالتساوي؛ إذ لا تزال مناطق واسعة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية أقل استفادة من هذه الأنظمة، بسبب ضعف البنية التحتية، أو محدودية الوصول إلى الحوسبة والبيانات، أو الفجوات اللغوية والمؤسسية. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يطرح فقط سؤال السلامة، بل يطرح أيضًا سؤال العدالة في الوصول والقدرة على الحوكمة.

في المقابل، ظهرت مؤشرات مقلقة. فقد زادت الأدلة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات السيبرانية، وازدادت المخاوف من إمكانية إساءة استخدامه في المجالات البيولوجية والكيميائية. كما بات اختبار السلامة قبل النشر أكثر صعوبة، لأن بعض النماذج أصبحت قادرة على تمييز بيئات الاختبار أو استغلال ثغرات في التقييمات، ما يسمح لبعض السلوكيات الخطرة بالمرور دون رصد كافٍ. وفي الوقت ذاته، توسعت التزامات الشركات تجاه السلامة، إذ نشرت اثنتا عشرة شركة أو حدّثت أطرًا خاصة بإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي المتقدم.

الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة.. قوة واسعة وقدرات غير منتظمة

يعرف التقرير الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة بأنه نماذج وأنظمة قادرة على أداء طيف واسع من المهام في سياقات مختلفة، بدلًا من أن تكون مصممة لوظيفة واحدة محددة. هذه الأنظمة يمكنها توليد النصوص، والصور، والصوت، والفيديو، وكتابة الأكواد، واستخدام أدوات خارجية، بل وتنفيذ إجراءات على الحاسوب ضمن حدود معينة. وهي تقوم على التعلم العميق، وتحتاج إلى بيانات ضخمة، وخبرات بشرية متخصصة، وموارد حوسبة هائلة. ولذلك أصبحت تكلفة تطوير نموذج رائد من الصفر تقدّر بمئات الملايين من الدولارات.

لكن التقرير يشدد على أن القوة لا تعني الانتظام. فهذه الأنظمة قد تتفوق في اختبار معقد، ثم تفشل في مهمة تبدو بسيطة للإنسان. قد تجيب عن سؤال علمي بمستوى خبير، لكنها تخطئ في عدّ أشياء داخل صورة. قد تكتب برنامجًا متقدمًا، لكنها تتعثر في التعافي من خطأ أساسي داخل سلسلة عمل طويلة. وقد تؤدي أداء جيدًا باللغة الإنكليزية أو باللغات الغنية بالبيانات، ثم ينخفض أداؤها في اللغات الأقل حضورًا في بيانات التدريب.

هذه الطبيعة غير المنتظمة تجعل الاعتماد على الاختبارات المعيارية وحدها أمرًا مضللًا. فالأداء الجيد في اختبار قبل النشر لا يعني بالضرورة أن النموذج سيكون آمنًا أو مفيدًا في العالم الحقيقي. هنا يظهر مفهوم “فجوة التقييم”، وهو أحد المفاهيم المركزية في التقرير. فاختبارات المختبر لا تلتقط دائمًا تعقيد الواقع: اختلاف المستخدمين، سوء الاستخدام، الضغوط التجارية، البيئات المؤسسية، اللغات المختلفة، وسلاسل العمل الطويلة التي تتداخل فيها أدوات ونماذج متعددة.

وتزداد هذه الفجوة خطورة مع ظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالوكيل لا يكتفي بالإجابة، بل يستطيع التخطيط، واستخدام الأدوات، والتفاعل مع بيئات رقمية، وتنفيذ خطوات متتابعة بإشراف بشري محدود. وكلما زادت استقلالية الوكيل، زادت صعوبة التدخل البشري في الوقت المناسب. وهذا يفتح الباب أمام فوائد كبيرة في الإنتاجية والبحث والخدمات، لكنه يفتح أيضًا بابًا واسعًا لأخطاء مركبة لا تظهر في خطوة واحدة، بل تتراكم عبر سلسلة من القرارات الصغيرة.

الطريق إلى 2030.. مستقبل مفتوح بين التباطؤ والتسارع

لا يقدم التقرير توقعًا واحدًا لمسار الذكاء الاصطناعي حتى عام 2030، بل يؤكد أن المستقبل لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات. فقد يتباطأ التقدم بسبب اختناقات في الطاقة أو البيانات أو الحوسبة. وقد يستمر بالوتيرة الحالية مدفوعًا بالاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والنماذج الجديدة. وقد يتسارع بصورة أكبر إذا بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي نفسها في تسريع أبحاث الذكاء الاصطناعي، أي إذا أصبحت أداة رئيسة لتطوير أجيال أقوى من ذاتها.

هذا الاحتمال الأخير يثير اهتمامًا وقلقًا خاصين، لأنه قد يجعل دورة التطوير أسرع من قدرة المؤسسات على الفهم والتقييم. فإذا ساعدت الأنظمة الحالية في تحسين النماذج المقبلة، فقد يتقلص الزمن الفاصل بين جيل وآخر. وعندها لن يكون التحدي فقط في قوة النموذج، بل في سرعة تحوله. فالقوانين والمؤسسات والمعايير المهنية والأطر الأخلاقية تحتاج إلى وقت كي تتبلور، بينما قد تتحرك التقنية في دورات أسرع بكثير.

ومع ذلك، يحذر التقرير من القطع بمسار واحد. فالتاريخ التقني مليء بمراحل تسارع مفاجئ وأخرى من التباطؤ غير المتوقع. قد تظهر حدود تقنية تعوق التطور، وقد تفرض التكلفة الاقتصادية أو الطاقة أو الندرة في البيانات عالية الجودة قيودًا على النمو. لكن المؤكد أن الشركات الكبرى تراهن على استمرار التحسن، بدليل الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الحاسوبية. لذلك لا يستطيع صانع القرار أن يبني سياسته على افتراض الركود، ولا يستطيع أيضًا أن يتصرف كما لو أن التسارع الحاد أمر محسوم. المطلوب هو إدارة عدم اليقين.

خريطة المخاطر.. ثلاث فئات رئيسة

يقسم التقرير مخاطر الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة إلى ثلاث فئات كبرى: مخاطر الاستخدام الخبيث، ومخاطر الأعطال، والمخاطر النظامية. هذا التقسيم مهم لأنه يميز بين الضرر الذي ينتج عن فاعل سيئ يستخدم النظام عمدًا، والضرر الذي ينتج عن فشل أو خطأ في النظام، والضرر الذي ينتج عن الانتشار الواسع للتقنية داخل المجتمع والاقتصاد حتى لو لم يكن هناك سوء نية مباشر.

في فئة الاستخدام الخبيث، يتناول التقرير الاحتيال والابتزاز والمحتوى المزيف والتلاعب والهجمات السيبرانية والمخاطر البيولوجية والكيميائية. وفي فئة الأعطال، يركز على الموثوقية، وتلفيق المعلومات، والأكواد الخاطئة، وفشل الوكلاء، واحتمالات فقدان السيطرة مستقبلًا. أما المخاطر النظامية فتشمل سوق العمل، واستقلالية الإنسان، وتراجع المهارات، وتغير أنماط الاعتماد على المعرفة، وتراكم التأثيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

اللافت أن التقرير لا يتعامل مع هذه المخاطر باعتبارها متساوية في قوة الأدلة. بعضها موثق بالفعل، مثل استخدام الذكاء الاصطناعي في الاحتيال أو إنتاج محتوى غير رضائي أو المساعدة في هجمات سيبرانية. وبعضها لا يزال في دائرة الاحتمال الجاد، مثل فقدان السيطرة أو التسريع الذاتي لأبحاث الذكاء الاصطناعي. لكن التقرير يرى أن غياب الأدلة القاطعة لا يعني غياب الخطر، خصوصًا عندما تكون العواقب المحتملة كبيرة.

المحتوى المولد آليًا.. من الاحتيال إلى الابتزاز

أحد أكثر المخاطر وضوحًا في التقرير هو إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى مضلل أو ضار أو إجرامي. فالأدوات القادرة على توليد النصوص والصور والصوت والفيديو أصبحت متاحة على نطاق واسع، ويمكن استخدامها في الاحتيال المالي، وانتحال الهوية، والابتزاز، وتصنيع صور حميمة غير رضائية، وإنتاج رسائل احتيال أكثر إقناعًا. وتزداد الخطورة عندما تقترن هذه الأدوات بقدرات التخصيص، بحيث يستطيع الفاعل الخبيث إعداد رسالة أو صورة أو صوت موجه لشخص محدد أو جماعة محددة.

ومع أن التقرير يؤكد أن هذه الأضرار موثقة، فإنه يشير إلى أن البيانات المنهجية حول حجمها وانتشارها وشدتها لا تزال محدودة. وهذا بحد ذاته مشكلة سياسية وتنظيمية. فغياب البيانات الدقيقة يجعل تقدير المخاطر صعبًا، ويجعل تصميم التدخلات أكثر صعوبة. هل المشكلة في أدوات التوليد نفسها؟ أم في منصات النشر؟ أم في غياب آليات تحقق الهوية؟ أم في ضعف الوعي المجتمعي؟ الإجابة غالبًا مركبة، وتحتاج إلى تعاون بين المطورين والمنصات والجهات الأمنية والمجتمع المدني.

أما في مجال التأثير والتلاعب، فيشير التقرير إلى أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي يمكن، في البيئات التجريبية، أن يكون فعالًا مثل المحتوى البشري في تغيير معتقدات الناس. حتى الآن، لا يبدو الاستخدام الواقعي للتلاعب السياسي أو الاجتماعي واسع الانتشار بالقدر الذي يخشاه البعض، لكنه موثق وقابل للتوسع مع تحسن القدرات وانخفاض التكلفة. والخطر هنا لا يكمن فقط في الأخبار الزائفة، بل في إمكانية إنتاج حملات تأثير دقيقة، متعددة اللغات، ومصممة نفسيًا لاستهداف شرائح محددة.

الهجمات السيبرانية.. سباق بين المهاجمين والمدافعين

يرى التقرير أن الأمن السيبراني أصبح واحدًا من أكثر المجالات التي تظهر فيها مخاطر الذكاء الاصطناعي بصورة ملموسة. فالأنظمة المتقدمة تستطيع اكتشاف ثغرات برمجية، وكتابة أكواد خبيثة، ومساعدة المهاجمين في تحليل الأهداف، وتحسين رسائل التصيد، وتسريع بعض مراحل الهجوم. وفي إحدى المسابقات، تمكن وكيل ذكاء اصطناعي من تحديد 77 في المئة من الثغرات الموجودة في برمجية حقيقية، وهو مؤشر على أن هذه القدرات لم تعد نظرية.

لكن الصورة ليست أحادية. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم المدافعين أيضًا، عبر كشف الثغرات، وتحليل السجلات، ورصد السلوكيات الشاذة، وتسريع الاستجابة للحوادث. لذلك يطرح التقرير سؤالًا محوريًا: من سيستفيد أكثر من الذكاء الاصطناعي في الفضاء السيبراني، المهاجمون أم المدافعون؟ حتى الآن لا توجد إجابة حاسمة. فقد تمنح هذه الأدوات المهاجمين الأقل مهارة قدرة أعلى، لكنها قد تمنح المؤسسات الدفاعية أدوات أقوى إذا استثمرت فيها جيدًا.

وتزداد المخاطر مع استخدام جهات إجرامية أو مرتبطة بدول لأنظمة الذكاء الاصطناعي في عملياتها. فالمشهد السيبراني لا يعرف حدودًا وطنية واضحة، والنظام الذي يطوَّر في دولة قد يستخدم في هجوم على دولة أخرى. وهذا يجعل الحوكمة السيبرانية للذكاء الاصطناعي ملفًا دوليًا بامتياز، لا يمكن لأي دولة التعامل معه بمعزل عن غيرها. كما أن ضعف قدرات بعض البلدان في الأمن السيبراني قد يجعلها نقاطًا رخوة في شبكة عالمية مترابطة.

المخاطر البيولوجية والكيميائية.. حين تصبح المعرفة الحساسة أكثر قربًا

من أخطر فصول التقرير ذلك المتعلق بإمكانات إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات البيولوجية والكيميائية. فالأنظمة العامة المتقدمة يمكن أن تقدم معلومات مفصلة حول مسببات الأمراض، أو خطوات مختبرية، أو طرق تصميم مواد خطرة. ويؤكد التقرير أن عددًا من المطورين أصدروا نماذج جديدة في عام 2025 مع آليات حماية إضافية، لأن اختبارات ما قبل النشر لم تستطع استبعاد إمكانية أن تساعد هذه النماذج المبتدئين في تطوير أسلحة بيولوجية أو كيميائية.

ومع ذلك، لا يقول التقرير إن الذكاء الاصطناعي وحده يكفي لإنتاج مثل هذه الأسلحة. فهناك عوائق مادية ومختبرية وتنظيمية، مثل الحصول على المواد، والخبرة العملية، والمعدات، وفحص طلبات تركيب الحمض النووي. لكن المشكلة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي قد يخفض بعض عتبات المعرفة، أو يساعد الفاعلين ذوي الخبرة المحدودة في تجاوز جزء من الفجوة. لذلك لا يكمن الخطر في إلغاء كل الحواجز، بل في جعل بعض الحواجز أقل صعوبة.

ويتناول التقرير تدابير تخفيف مثل استبعاد البيانات الحساسة من التدريب، وتدريب النماذج على رفض الاستعلامات الخطرة، وتقييد الوصول إلى الأدوات عالية الخطورة، وفحص طلبات تركيب الحمض النووي، وتعزيز مراقبة الأمراض المعدية. لكنه يقر بأن كثيرًا من هذه الآليات لم يختبر بعد بما يكفي، وأنها قد تكون أسهل إزالة في النماذج مفتوحة الأوزان. وهذا يعيدنا إلى فكرة الدفاع المتعدد الطبقات: لا يمكن الاعتماد على حاجز واحد، بل على منظومة كاملة تجمع بين الحماية التقنية، والرقابة المختبرية، والجاهزية الصحية، وتبادل المعلومات.

الأعطال والموثوقية.. الخطر لا يأتي دائمًا من سوء النية

ليست كل مخاطر الذكاء الاصطناعي نتيجة استخدام خبيث. فقد تسبب الأنظمة أضرارًا بسبب الخطأ، أو الضعف في الموثوقية، أو سوء الفهم، أو الاعتماد المفرط عليها. يذكر التقرير أمثلة واضحة: تلفيق معلومات، إنتاج أكواد معيبة، تقديم نصائح مضللة، أو الفشل في التعافي من أخطاء بسيطة أثناء سلسلة عمل طويلة. هذه الأخطاء قد تبدو محدودة في الاستخدامات اليومية، لكنها تصبح خطيرة في السياقات الحساسة مثل الصحة، والبنية التحتية، والتمويل، والقانون، والأمن.

وتزداد المشكلة مع وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالوكيل القادر على تنفيذ مهام مستقلة قد يرتكب خطأ في خطوة مبكرة، ثم يبني عليه خطوات لاحقة، قبل أن يكتشف الإنسان الخلل. وفي البيئات متعددة الوكلاء، حيث تتفاعل عدة أنظمة مع بعضها، يصبح تحديد المسؤولية أكثر تعقيدًا: من تسبب بالضرر؟ النموذج؟ المطور؟ المستخدم؟ الجهة التي نشرت النظام؟ النظام الآخر الذي تفاعل معه؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل قانونية ومؤسسية وأخلاقية.

أما “فقدان السيطرة”، فيتعامل معه التقرير بحذر. فالأنظمة الحالية لا تملك، بحسب التقرير، القدرات اللازمة لتجسيد سيناريوهات فقدان السيطرة الكاملة. لكنها تتحسن في مجالات قريبة من ذلك، مثل التشغيل المستقل، والتخطيط، واستخدام الأدوات، والتمييز بين بيئات الاختبار والنشر. والخطر المستقبلي يتمثل في أن تظهر أنظمة تستطيع العمل خارج نطاق السيطرة البشرية المباشرة، أو تخفي سلوكياتها، أو تستغل ضعف التقييمات، أو تتابع أهدافًا غير مقصودة. لذلك تبقى مواءمة الذكاء الاصطناعي، أي جعله يعمل بما يتوافق مع نوايا البشر وقيمهم، مشكلة علمية مفتوحة.

سوق العمل.. أتمتة معرفية بلا يقين اقتصادي

ينتقل التقرير من المخاطر التقنية إلى المخاطر النظامية، وفي مقدمتها سوق العمل. فالذكاء الاصطناعي للأغراض العامة مرشح لأتمتة طيف واسع من المهام الإدراكية، خاصة في المهن المعرفية: الكتابة، التحليل، البرمجة، البحث، الدعم الإداري، التصميم، الترجمة، وبعض المهام القانونية والتعليمية. لكن الاقتصاديين يختلفون حول حجم التأثير النهائي. هناك من يرى أن الوظائف التي ستفقد سيعوضها خلق وظائف جديدة، كما حدث في موجات تقنية سابقة. وهناك من يرى أن الأتمتة قد تكون هذه المرة أوسع وأسرع، ما قد يؤدي إلى ضغط على الأجور وفرص العمل، خصوصًا في المهن المبتدئة.

الأدلة المبكرة، كما يعرضها التقرير، لا تشير إلى أثر شامل واضح في التوظيف حتى الآن، لكنها تكشف بعض العلامات على انخفاض الطلب على العاملين في بداية حياتهم المهنية في بعض المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي، مثل الكتابة. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن الوظائف المبتدئة ليست مجرد مصدر دخل، بل هي بوابة اكتساب الخبرة. فإذا قامت الأنظمة بأداء المهام الأولى التي يتعلم منها الخريجون الجدد، فقد يواجه سوق العمل مشكلة في بناء أجيال مهنية جديدة.

ولا يقتصر الأثر على عدد الوظائف، بل يمتد إلى طبيعة العمل ذاته. قد يصبح العامل أكثر إنتاجية بفضل الذكاء الاصطناعي، لكنه قد يصبح أيضًا أكثر مراقبة، أو أقل استقلالًا، أو مضطرًا للتنافس مع أدوات تخفض قيمة بعض المهارات. وقد تستفيد الشركات الكبرى أكثر من الصغيرة، والدول المتقدمة أكثر من الدول ذات البنية الرقمية الضعيفة، مما يعمق الفجوات القائمة. لذلك فإن سؤال العمل في عصر الذكاء الاصطناعي ليس سؤال بطالة فقط، بل سؤال توزيع للفرص والقوة والمهارات.

استقلالية الإنسان.. حين تصبح الأداة وسيطًا في التفكير والقرار

من أكثر محاور التقرير عمقًا محور تأثير الذكاء الاصطناعي في استقلالية الإنسان. فالخطر هنا لا يظهر في صورة حادث واحد، بل في تغير تدريجي في طريقة التفكير والاختيار. عندما يعتمد المستخدم باستمرار على الذكاء الاصطناعي في البحث، والكتابة، والتخطيط، واتخاذ القرار، قد تضعف بعض مهارات التفكير النقدي، أو يظهر ما يسمى “تحيز الأتمتة”، أي الميل إلى الثقة في مخرجات النظام لمجرد أنها صادرة عن آلة متقدمة.

هذا الخطر يزداد في التعليم. فالطفل أو الطالب الذي يتفاعل مبكرًا وبكثافة مع أدوات تولد له الإجابات قد يفقد فرصة بناء مهارات السؤال، والمحاولة، والخطأ، والتحليل، والربط. لا يعني ذلك رفض الذكاء الاصطناعي في التعليم، بل يعني أن إدخاله دون تصميم تربوي واعٍ قد يبدل وظيفة التعلم من بناء القدرة إلى استهلاك الجواب. وهذا من أكثر الملفات التي تحتاج إلى دراسات طويلة المدى؛ لأن آثارها لا تظهر فورًا.

كما يناقش التقرير تطبيقات “رفيق الذكاء الاصطناعي”، التي أصبح لها عشرات الملايين من المستخدمين. قد توفر هذه التطبيقات دعمًا عاطفيًا أو اجتماعيًا لبعض الأشخاص، لكنها قد ترتبط لدى نسبة صغيرة بأنماط من زيادة الشعور بالوحدة أو انخفاض المشاركة الاجتماعية. ولا تزال الأدلة محدودة، لكن التقرير ينبه إلى ضرورة فهم الآثار التراكمية لهذه العلاقات الرقمية، خصوصًا عندما تصبح بديلًا عن العلاقات الإنسانية أو مصدرًا مؤثرًا في القرارات الشخصية.

إدارة المخاطر.. بين الطوعية والتنظيم

يرى التقرير أن إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي تواجه تحديات تقنية ومؤسسية في آن واحد. تقنيًا، لا تزال آليات عمل النماذج الداخلية غير مفهومة تمامًا، وقد تظهر قدرات جديدة بصورة غير متوقعة. ومؤسسيًا، يملك المطورون حوافز للاحتفاظ بالمعلومات الحساسة سرًا، وقد تخلق المنافسة التجارية ضغطًا لتقديم السرعة على السلامة. وهذا يجعل الثقة وحدها غير كافية، كما يجعل التنظيم الصارم وحده غير كافٍ إذا لم يستند إلى فهم تقني متجدد.

من الأدوات التي يناقشها التقرير: نمذجة التهديدات، وتقييم القدرات، واختبارات السلامة، والإبلاغ عن الحوادث، وأطر السلامة الخاصة بالنماذج المتقدمة. وقد شهد عام 2025 توسعًا في نشر أطر السلامة من جانب الشركات، لكنها لا تزال إلى حد كبير طوعية، مع بدء بعض الأنظمة القانونية في تحويل بعض الممارسات إلى متطلبات رسمية. غير أن التباين بين الشركات كبير، سواء في تعريف المخاطر، أو عتبات الإيقاف، أو مستوى الشفافية، أو طريقة التحقق.

وتزداد الحاجة إلى التنسيق الدولي، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي عابرة للحدود. النموذج قد يطوَّر في دولة، وينشر في أخرى، ويسبب أثرًا في ثالثة. لكن التنسيق الدولي ليس سهلًا؛ لأنه قد يصطدم بالسيادة الوطنية، واختلاف القيم، وتفاوت القدرة المؤسسية، والمنافسة الاقتصادية. لذلك يطرح التقرير معادلة دقيقة: لا بد من تعاون دولي حيث تكون المخاطر عابرة للحدود، لكن مع ترك مساحة للدول كي تكيف الأطر مع سياقاتها الثقافية والاقتصادية والمؤسسية.

الحماية التقنية والنماذج مفتوحة الأوزان

يؤكد التقرير أن آليات الحماية التقنية تتحسن، لكنها لا تزال محدودة. فالهجمات التي تستهدف استخراج مخرجات ضارة أصبحت أصعب، لكن المستخدمين قد ينجحون أحيانًا في تجاوز الحماية عبر إعادة صياغة الطلب، أو تقسيمه إلى خطوات أصغر، أو استخدام هجمات حقن الموجهات. ولذلك يدعو التقرير إلى نهج “الدفاع المتعمق”، أي وضع طبقات متعددة من الحماية بدل الاعتماد على حاجز واحد.

وتشمل هذه الطبقات التدريب المناوئ، والاختبارات الحمراء، ومراقبة الاستخدام، وتفسير النماذج، والتحقق الرسمي، ورصد السلوكيات الشاذة، وتقييد بعض القدرات، وإدخال الإنسان في دائرة القرار في البيئات الحساسة. لكن بعض هذه الأدوات ما زال في مرحلة البحث أو الاستخدام المحدود، ولا توجد أفضل ممارسات مستقرة بعد. كما أن فعالية الحماية تختلف بين النماذج والسياقات واللغات والمستخدمين.

أما النماذج مفتوحة الأوزان فتطرح معادلة أكثر تعقيدًا. فهي توفر فوائد بحثية وتجارية كبيرة، خصوصًا للجامعات، والشركات الصغيرة، والدول الأقل امتلاكًا للموارد. لكنها بمجرد نشرها لا يمكن سحبها فعليًا، ويمكن إزالة وسائل الحماية منها بسهولة أكبر، ويمكن استخدامها خارج البيئات الخاضعة للمراقبة. وهذا يعني أن قرار فتح نموذج متقدم ليس قرارًا تقنيًا فقط، بل قرار ذو أثر مجتمعي طويل المدى. ويطرح التقرير أيضًا خطر سرقة أوزان النماذج المغلقة، لأن هذه الأوزان تمثل قيمة هائلة، وقد تتيح للجهات الخبيثة تشغيل نماذج قوية دون قيود المطورين الشرعيين.

القدرة المجتمعية على الصمود.. الطبقة الأخيرة من السلامة

لا يفترض التقرير أن كل المخاطر يمكن منعها مسبقًا. لذلك يولي أهمية لفكرة “القدرة المجتمعية على الصمود”، أي قدرة المجتمعات والمؤسسات على مقاومة الصدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، واستيعابها، والتعافي منها، والتكيف معها. هذه الفكرة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال: كيف نمنع كل ضرر؟ إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نبني مجتمعات ومؤسسات لا تنهار عندما يقع الضرر؟

تشمل أمثلة الصمود: فحص طلبات تركيب الحمض النووي للحد من المخاطر البيولوجية، وبروتوكولات الاستجابة للحوادث السيبرانية، وبرامج التثقيف الإعلامي لمواجهة المحتوى المولد آليًا، وأطر الإنسان في دائرة القرار لمواجهة أخطاء الموثوقية والتحكم، وتعزيز البنية التحتية الحيوية، وبناء قدرات مؤسسية للتعامل مع تهديدات جديدة. بعض هذه الأدوات ناضج نسبيًا، مثل الاستجابة السيبرانية، وبعضها لا يزال في بداياته، مثل كشف المحتوى المولد آليًا بدقة عالية عبر اللغات والسياقات.

لكن التقرير ينبه إلى أن جهود الصمود لا تزال غير متساوية، وأن الاستثمار فيها أقل بكثير من الاستثمار في تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه. وهذا يخلق خللًا واضحًا: العالم يضخ مبالغ هائلة لتسريع القدرات، بينما تبقى استثمارات السلامة والجاهزية والتقييم أقل بكثير. وإذا استمر هذا الخلل، فقد تجد المجتمعات نفسها أمام أنظمة قوية جدًا، لكن مؤسساتها غير مهيأة بما يكفي للتعامل مع فشلها أو إساءة استخدامها.

خاتمة: الخطر الأكبر هو الغموض المتراكم

الخلاصة المركزية التي يخرج بها التقرير ليست أن هناك خطرًا واحدًا محددًا يجب أن يستحوذ على كل الاهتمام، بل أن الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة يتحرك في مجال واسع من عدم اليقين. القدرات تتحسن بسرعة، والأدلة على بعض المخاطر تزداد، وآليات إدارة المخاطر تتطور، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى كافٍ من النضج والثبات. وبين هذه العناصر الثلاثة - القدرات، والمخاطر، والحماية- تنشأ الفجوة التي يجب على العالم التعامل معها.

التقرير لا يدعو إلى إيقاف الذكاء الاصطناعي ولا إلى إطلاقه بلا قيود. بل يقدم صورة أكثر توازنًا: هذه التقنية تحمل فوائد كبيرة في الصحة والتعليم والبحث العلمي والخدمات العامة والإنتاجية، لكنها لن تحقق كامل إمكاناتها إذا تآكلت الثقة بها، أو إذا سببت أضرارًا واسعة، أو إذا تركت الفجوات الاجتماعية والمؤسسية تتسع. السلامة هنا ليست عائقًا أمام الابتكار، بل شرط من شروط استدامته.

إن تقرير 2026 يرسم ملامح عام تغيّر فيه الذكاء الاصطناعي من أداة مبهرة إلى بنية عالمية ذات آثار عميقة. أصبح السؤال أقل ارتباطًا بمدى ذكاء النماذج، وأكثر ارتباطًا بمدى جاهزية البشر والمؤسسات للتعامل معها. فالمستقبل لن تحدده النماذج وحدها، بل ستحدده قرارات المطورين، والحكومات، والشركات، والمدارس، والجامعات، والمستخدمين. وكلما كان الفهم المشترك أعمق، كانت فرصة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي أكبر، وفرصة تجنب أخطاره أو احتوائها أقوى.

ذات صلة

مركز الفرات ناقش.. دور ازدواجية السلطة في العراق في إشكاليات تشكيل الحكومةالأخبار سلاحًا: من يكتب الحقيقة قبل أن يقرأها العالم؟الدكتور أمثل محمد عباس لـ النبأ: العبودية غيّرت جلدها لكنها لم تغادر العالمحاضر ومستقبل المكتبات والكتب في عصر الذكاء الاصطناعيبَينَ مِنبَرَينِ