هوية جيل الألفية الجديدة رقميَّة
أ. د. عبد الجبار الرفاعي
2026-01-22 04:40
هوية جيل الألفية الجديدة هوية رقمية ولدت في فضاء الاتصال الفوري، وتوالت ولاداتها في بيئة الذكاء الاصطناعي، كأنها تتدفق من شلال لا ينقطع. إنها هوية لا تشبه الهويات الوراثية التي تكرست في الانتماءات الدينية والطائفية والإثنية، ولا تنسجم مع القوالب الصلبة التي ورثناها.
الهوية الرقمية في حالة صيرورة متواصلة، يعاد تشكلها باستمرار ولا تستقر على صورة ثابتة، ولا تستكين عند محطة واحدة، ولا تنتمي إلى حالة أبدية. إنها هوية تتجدد في كل منعطف، وتولد من جديد مع كل تحول في العالم الرقمي، لذلك لا يتناغم الجيل الجديد مع الهويات التقليدية، ولا ينتمي إليها انتماء دائمًا، ولا يجد ذاته في ثقافاتها الساكنة وفضائها المغلق.
يحدث تناشز حاد يتفاقم يومًا بعد آخر، بين نظام التعليم الموروث الذي صُمّم لزمن مضى، وهوية هذا الجيل في فضاء الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الجديدة، والمتشكلة على إيقاع التحولات الرقمية المتسارعة. تبدو المدرسة وكأنها ما زالت تدرّس لجيل لم يعد موجودًا، وتعيد إنتاج أنماط تفكير لا تتفاعل مع عقل المتعلم الجديد، لا يتفاعل معها، لأنها لا تشبه عصره، ولا تستجيب لاحتياجاته.
عصر الذكاء الاصطناعي، على الرغم من شدة تحوله وسرعة إيقاعه، لا يغلق الأفق، بل يفتح نوافذ ضوء واسعة لاكتشاف الذات، وإعادة بناء الهوية، واستئناف تشكيل المعنى في حياة الإنسان. إنه عصر التحديات القصوى، لكنه أيضًا عصر الفرص الاستثنائية التي تستفيق فيها طاقات العقل، وتنمو فيها القابلية على مغادرة النسخ المكررة للهوية، والانفتاح على أفق لا نهائي من التكوين والتطور. كينونة الإنسان الوجودية ليست معطًى جاهزًا، ولا حالة نهائية، بل هي محصلة لصلاته الوجودية، بما يحيط به، وما يتفاعل معه في الداخل والخارج.
الإنسان كائن متحول لا يثبت على حال، ولا تستقر تجاربه على وتيرة واحدة. إنه في حالة صيرورة متواصلة، تتناوب فيها لحظات الصعود والهبوط، والانبساط والانقباض، والوضوح والالتباس. كل صلة من صلاته الوجودية تستمد معناها واستمرارها من مصدر داخلي للطاقة، كما لو أن لكل صلة بطارية خفية تغذيها بالقوة على البقاء.
لكن هذه البطارية ليست أبدية، فإذا ما استنفدت حتى فرغت تمامًا، ولم يجد الإنسان وسيلة لإعادة شحنها، تنقلب الصلات إلى عبء. عوض أن تمنحه المعنى تبدأ بامتصاص ما تبقى لديه من طاقة ومعنى، فيشعر بالفراغ، ويغمره الضجر، ويبدأ الملل في الاتساع بنفسه، حتى يتضخم أحيانا إلى حدود السأم والاكتئاب. عندما تغدو الصلة مفرغة من الدفء وفاقدة للمعنى، تتولد الحاجة إلى التحرر منها، والبحث عن صلة بديلة أكثر قدرة على إنعاش الروح، واستدعاء المعنى، وفتح أفق جديد للحضور في العالم.
الإنسان لا يطيق أن يعيش في سياق صلات وجودية مهشمة، تستنزف وجوده بدل أن تغذيه، ولذلك يبقى في حالة بحث دائم عن صلات تنعش روحه، وتستجيب لتوقه الدفين إلى المعنى والامتلاء والسكينة.
في عالم تتسارع فيه وتيرة تحولات الذكاء الاصطناعي وتتعمق تداعياته في كل زاوية من زوايا الحياة، لم تعد الخبرات التقليدية والتكوين الأكاديمي المعروف قبل الذكاء الاصطناعي قادرين على مواكبة إيقاع هذا التحول الجارف.
في الغالب يصبح هذا التكوين عائقًا يحجب الإنسان عن اكتشاف الفرص الجديدة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، ويكبله بأنماط تفكير تقليدية تعجز عن استيعاب لغة هذا العصر. الجيل الجديد، بما يمتلكه من مرونة فكرية واستعداد للتفاعل مع البيئة الرقمية منذ بداية حياته، هو الأكثر قابلية للانخراط الخلّاق في الواقع الذي أنتجه الذكاء الاصطناعي، وتعلم لغته، وبناء مهارات تتناغم مع إيقاعه المتسارع، وإعادة تشكيل الذات البشرية على نحو يجعلها قادرة على العيش في زمنها، بدلًا من أن تظل عالقة في أنقاض زمن مضى.
جيل الألفية الجديدة ينجز ما عجزنا عن إنجازه، ويعيد الاعتبار لأحلام خنقها العمى الأيديولوجي، وأطفأتها صراعات عبثية، وأجهضتها انتماءات مغلقة، وأسرتها قوالب التفكير الأحادي.
هذا الجيل أكثر ثقة بنفسه، وأشد جرأة على تحطيم القيود، إنه جيل لا يتهيب الحرية، وأشد توقًا إلى أن ينتج هويته كما يتناغم مع الواقع الجديد الذي يعيش فيه، لا كما يراد لها أن تكون في سياق أيديولوجي مغلق. إنه جيل ولد خارج أسوار أيديولوجيات آبائه، لا يسكن أنفاق الماضي، ولا يحمل خرائط وهمية، ولا يرى العالم من نافذة مظلمة.
جيل يستشرف عالمًا لا يشبه عالمنا، ويصوغ وجوده بلغة لا نتقنها، ويرسم أحلامه في فضاء يتسع لابتكارها، ويؤمن بحق الآخر في أن يكون مختلفًا. لا مستقبل لوطن يقصي هذا الجيل، ولا معنى لأي مشروع تنموي إن لم يكن الجيل الجديد شريكًا أساسيًا في التخطيط له، ورسم ملامحه، وتحقيقه. المستقبل وديعة في أحلام هذا الجيل، والحياة لا تستأنف مسيرتها بأحلام صنعتها أيديولوجيات الماضي، ولا تنهض على ذاكرة مثقلة بالخذلان.
العصر الرقمي لا يعيشه مَن يتأخر عن مواكبة تحولاته المتعجلة، ولا يتفاعل معه مَن يفتقد البصيرة بأخلاقيات التكنولوجيا وديناميتها، ولا يملك أدوات إعادة تعريف الذات والعالم، وهذه المهارات أقدر أن يمتلكها الجيل الجديد ويستثمرها أسرع من آبائه. عصر هذا الجيل لا يتسع للتفكير الكسول، ولا يطيق التلكؤ في محطات الانتظار، ولا يمنح فرصته لمن لا يستحقها.
الرهان اليوم على وعي يدرك رهانات العصر، وحسّ ابتكاري، وروح قادرة على التكيف مع عالم يتغير كل لحظة، وتتسارع فيه إيقاعات الزمن، وتتفاقم تحولاته. وحده الجيل الجديد، بما يتدفق فيه من حيوية، وما يتوهج به من طاقة، وما يتنبه له من أسئلة متنوعة، منبثقة من تحديات العصر الرقمي، مؤهل للحضور الفعال في هذا العالم، لا بصفة عابر أو شاهد، بل بوصفه صانعًا للغد، وفاعلًا في كتابة قصة الإنسان الجديدة.
وسائل التواصل في العصر الرقمي لا تكتفي بإعادة تعريف الاتصال بين الناس، بل تنتج معاييرها القيمية الخاصة، وتصوغ نمطًا جديدًا من العلاقات الاجتماعية، يتوالد في فضاء رقمي يفرض لغته وقيمه وسلوكياته، ويعيد تشكيل تمثلات الإنسان للعالم، وصورته عن ذاته والآخر.
وعي الآباء بهذه التحولات، وتفهمهم لما تحدثه هذه الوسائل من تبدلات عميقة في وعي الأبناء، وأنماط تعبيرهم، وأساليب تواصلهم، وتوقعاتهم من الحياة، لم يعد ترفًا معرفيًا، بل ضرورة لا يمكن إرجاؤها. العلاقة بين جيل الآباء وجيل الأبناء باتت مهددة بالانفصال، ما لم تبن على إدراك عميق بالتحولات الرقمية، وما تفرضه من إعادة صياغة للهويات والمفاهيم، ومن اتساع المسافات النفسية والاجتماعية بين الجيلين. لم تعد العلاقة ممكنة بالصورة التقليدية التي سادت في زمن لم يكن فيه العالم الرقمي قد ولد بعد.
أبناء اليوم يولدون في بيئة رقمية تحكمها لغة ورموز وشيفرات لم يألفها الآباء، وتتشكل فيها التمثلات على نحو مغاير لما خبرته الأجيال السابقة. إن أية محاولة لاستنساخ أنماط التربية القديمة، أو استعادة أساليب التواصل الماضية، تصطدم بجدار الزمن الجديد، وتزيد من فجوة الصمت والتنافر بين الجيلين. العلاقة التربوية اليوم تحتاج إلى تجديد في الرؤية، وإلى إصغاء لما يتشكل في وعي الأبناء من خلال بيئتهم الرقمية، لا بإنكارها أو مقاومة واقعهم، بل بفهمه، والدخول إليه بلغة حوارية تستلهم حاجاتهم العاطفية والنفسية والمعرفية، وتعيد بناء الجسور، لا على أنقاض الماضي، بل في ضوء التحول العميق في عالم بات يعيد تشكيل كينونة الإنسان الوجودية باستمرار.