رسالة عاشوراء وتقويض أركان الاستبداد
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-06-15 03:14
(لقد تدارك الإمام الحسين (عليه السلام) الإسلام، وكان ثمن تداركه هذا،
هو تقديم دمه الطاهر ثمنا لذلك) الإمام الشيرازي
تعود إلينا عاشوراء مجددا، فتنثال علينا رياحين الشهادة، وتنهض القيم العظيمة التي قدمتها رسالة عاشوراء للمسلمين وللبشرية كلها، فنستنشق عبق الكرامة، وتمتلئ صدورنا بعطر الإيمان، ونسترجع صرخة الإمام الحسين عليه السلام من بطون التاريخ، تلك الصرخة التي شكّلت أول وأقوى مطارق تقويض أركان الاستبداد والدكتاتورية.
تلك الدكتاتورية التي تلبّست بلباس الشيطان، وسعت بكل أساليب الزيف والاحتيال لتخريب الإسلام، وإبعادهم عن دينهم، وعن القرآن، وحاولت أن تشيّد بينهم وبين كتاب الله حواجز وجدران شاهقة، حتى لا يهتدون بهذا الكتاب، وكان كل ظنهم أنهم كسبوا كل شيء، لكن الإمام الحسين فوّت عليهم هذه الفرصة واستردّ الإسلام بنهضته، واستعاد القرآن وجعله قريبا من المسلمين، ونهضت رسالة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله في عاشوراء.
وهذا تحديدا هو الهدف الذي خطط له أبو عبد الله الحسين عليه السلام، وجعله عنوانا لكل الأهداف، ألا وهو تدارك الإسلام وإشهار رسالة عاشوراء من بعد مساعي التحريف التي قام بها الأمويون، فأحيى الإمام الحسين عليه السلام الإسلام، واستعاد المسلمون دينهم الحقيقي بثقافة ومبادئ عاشوراء من بعد موجات التخريب والتزوير والتشويه التي لم تستطع أن تمحو الإسلام من خلالها، بل حطّمت أركان الدكتاتورية والاستبداد.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (رسالة عاشوراء 1):
(إن رسالة عاشوراء هدفها إحياء الإسلام، وإرجاع القرآن إلى الحياة، وهذا هو ما كان يهدف إليه الإمام الحسين (عليه السلام) من نهضته وشهادته).
ولذلك لم تصمد حملات التزوير، ولم يستطع أعداء الإسلام أن ينجحوا في تضليل الناس، كما أنهم فشلوا فشلا ذريعا في عزل المسلمين عن كتاب الله، وهذا ما حدا بأهل البيت عليهم السلام أن يبادروا بإيمان وقوة وصدق بتقديم التضحية التي ترقى إلى قيمة القرآن، وإلى مكانة الرسالة النبوية، وما تستحقه من تضحيات لكي تبقى على أصالتها وكما بُعِثَ بها الرسول محمد صلى الله عليه وآله، وكان يوم عاشوراء هو التضحية الأعظم لاسترداد الإسلام.
نفحات محمدية تملأ قلوب المسلمين
حيث بدأت أركان الاستبداد والتزييف تتهاوى ركنا بعد آخر، أمام ضربات سيوف الحق والإيمان، حيث عاد النفحات المحمدية تملأ قلوب المسلمين، واندحر أصحاب الزيف والتخريب، وتهاوت أركان التضليل، ومن ثم تهاوت عروش الطغاة وراء بعضها بعضا، واندحرت جميع المحاولات البائسة التي سعت بكل ما تمتلك من خداع وزيف وإغراء لكي تعزل القرآن عن المسلمين، وتحقق النصر العظيم على رعاة التضليل والتخريب والاستبداد بتضحيات أهل البيت عليهم السلام، لاسيما ما قدمه الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء.
الإمام الشيرازي يقول في هذا الأمر:
(إن الإسلام الذي أنزله الله تعالى في كتابه، ونطق به قرآنه، وبلّغ رسوله (صلى الله عليه وآله)، وضحّى من أجله أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء يوم عاشوراء، هو الدين الكامل، والقانون الشامل، الذي باستطاعته في كل عصر وزمان أن يسعد الإنسان، والمجتمع البشري، ويضمن له التقدم والرقي).
وحينما انبثقت الرسالة النبوية، حدث ذلك التغيير الجذري في المجتمع، وتم نشر الحرية والاستشارية، مع مواصلة تقويض أركان الاستبداد بكل صوره، وهنا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله ووصيه أمير المؤمنين في ولايتهما أعظم وأفضل الصور في الحرية والاستشارية معا، وهذا هو الهدف الأسمى لأئمة أهل البيت عليهم السلام، حيث تعلم الناس منهم ما معنى الحرية وما كرامة الإنسان وكيف يجعل من السلطة خادمة للشعب وليس العكس.
لقد كانت العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية منتشرة بأبهى مضامينها في حكومة الرسول صلى الله عليه وآله، وتم تطبيقها كأهم وأعظم نموذج لإدارة السلطة بعيدا عن التهميش والإكراه، وكذا فعل الإمام علي عليه السلام الذي أشاع المساواة والعدل بين المسلمين، وكانت السلطة بالنسبة له هي العدل والإنصاف ودحر الغرور إلى الأبد.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله، ووصيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام)، فقد صوّرا أيام ولايتهما الظاهرية القليلة، عن الإسلام بأفضل صورة من صور الحرية والاستشارية، وتطبيق العدالة وأداء الحقوق الفردية والاجتماعية).
ولعل هذه الأهداف التي حاول أعداء الإسلام تدميرها، ما كان لها أن تُسترَد، وما كان لها أن تُستعاد لو عاشوراء، ولولا الدماء السخّية للإمام الحسين عليه السلام وذويه وصحبه الأكرمين، فقد قدم الإمام روحه (وهي أغلى ما يملك الإنسان) قربانا على مذبح الحرية، لكي يعيش المسلمون بكرامة وعدل وإنصاف، حين أخذت أركان الاستبداد تتهاوى ركنا بعد آخر.
الحرية والاستشارية والمؤسسات الدستورية
نعم كان الثمن غاليا لأنه يساوي النفس الزكية لسيد الشهداء عليه السلام، وكان تدارك الإسلام عظيما لأنه كان لله تعالى، ولم يكن نتيجة لرغبة نفسية أو هدفا دنيويا يلهث نحو السلطة وامتيازاتها، بل هو تدارك أنقذ الإسلام والمسلمين، واستعاد زمام الأمور من أيدي وعقول ومخططات أرباب الاستبداد وجبروتهم، فكان النصر المدوّي للإسلام الحقيقي.
لذا يقول الإمام الشيرازي:
(لقد كان الثمن غالياً جداً، والتدارك كان لله خالصاً محضاً، ولم يكن يشوبه هوى نفس، ولم تمتزج به مصلحة شخصية أبداً، وإنما كان لله تعالى وحده، حتّى ينقذ عباد الله من الجهالة ومن حيرة الضلالة).
من هنا، حين يأتي ذكر الحسين عليه السلام، وعندما نذكر عاشوراء، وحتى حين نسمع كلمة ولفظة كربلاء، سرعان ما يتبادر إلى عقولنا وأذهاننا، تلك التضحيات العظيمة التي قدمها أهل البيت عليهم السلام وبالأخص الإمام الحسين عليه السلام، الذي قضى من خلال عاشوراء على أركان الاستبداد، وصارت الحرية مطلبا عاما شاملا للجميع، مسلمون وغير مسلمين، وبدأت المناداة بالحرية، والاستشارية، والمؤسسات الدستورية.
باختصار لقد زرعت عاشوراء بذور الحرية والاستشارية في نفوس وقلوب المسلمين، وامتد ذلك إلى البشرية كلها، فأخذ تضمحل هياكل الاستبداد بعد فضحها عبر ثقافة عاشوراء، وما قدمه الحسين عليه السلام من تضحيات جسام هدّمت أركان الاستبداد، ورفعت كرامة الإنسان والإسلام عاليا، من خلال المناداة بالحقوق فردية أو جماعية، والعدالة وصولا إلى أعلى درجات وعلامات التقدم والتطور والازدهار.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(لهذا كلما يُذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، أو عاشوراء، أو كربلاء، يذكر إلى جانبه، ويتجسم حياله: الإسلام، القرآن، الحرية، الاستشارية، المؤسسات الدستورية، التعددية الحزبية، الأخوّة الإسلامية، الحقوق الإنسانية الفردية والاجتماعية، العدالة العامة والضمان الاجتماعي، التقدم والازدهار، الرقي والحياة الرغيدة، السعادة والهناء).
ولهذا أيضا حين ننطق اسم الإمام الحسين فهذا يعني فيما يعنيه: (الحرب ضد التجبّر والطغيان، وضد الدكتاتورية والاستبداد، وضد التوحش والبربرية، وضد التقهقر والرجعية، وضد الفقر والجهل، وضد الاستعمار، وضد الكبت والحرمان) كما يؤكد الإمام الشيرازي في كتابه نفسه.
وهكذا تم تقويض أركان الاستبداد، واستعاد المسلمون الإسلام الحقيقي، ورُفعت الحواجز بينهم وبين القرآن، وتم فضح رعاة التخريب والتضليل والتزوير والتزييف من بني أمية، واستردّ المسلمون حقيقة ما زرعه وبثّه فيهم الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وما أنبتهُ في قلوبهم ونفوسهم من نفحات الإيمان والعدل والسلام.