الأحزاب الحرة تقضي على الاستبداد

رؤى من أفكار الإمام الشيرازي

شبكة النبأ

2026-05-25 01:27

(اللسان يقول أي شيء يشاء، لكن الواقع هو الذي يصدّق أو يكذّب ما يقوله اللسان)

الإمام الشيرازي

إن جميع أنوع التقدم وفي كل الحقول والمجالات، لا يمكن أن تتحقق من دون الحريات، ولهذا ركز الإسلام على هذا الركن الحيوي للتطور، وجاءت التعاليم والأحكام محفزة ومشجعة على فهم الإنسان لحرياته وحقوقه، ولكن في حقيقة الأمر تخلى المسلمون عن حرياتهم، وتسلّط عليهم حكام لا يرغبون ولا يفكرون بحماية الحريات، بل على العكس من ذلك يقمعون الناس حتى يسيطرون عليهم ليحموا عروشهم بكل السبل الممكنة.

فهناك حريات أساسية سنها رسول الله صلى الله عليه وآله، وثبتها وعمل بها وأشاعها سواء على المستوى النظري أو العملي، حيث طبق أهل البيت عليهم السلام هذه الحريات الأساسية في سيرتهم وشجعوا عليها وعملوا بها، وحثوا الجميع على الالتزام والعمل بها أيضا، ولكن لم يعمل المسلمون بهذه السنن فتأخروا فيما عمل بها غير المسلمين فتقدموا.

الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيم الموسوم بـ (رسالة عاشوراء 1):

(إن المسلمين اليوم، نسوا الحريات الأساسية التي أمر بها الإسلام العظيم، وسنّها الرسول الكريم صلى الله عليه وآله، وسار عليها الأئمة المعصومون عليهم السلام، ولذلك تأخروا تأخراً فاحشاً، بينما أخذ غير المسلمين بها، فتقدّموا تقدماً باهراً وإن لم يأخذوا بالعقائد الصحيحة).

وتوجد أمثلة كثيرة على ذلك ومنها ما ذكر في التاريخ بأن المسلمين في عهد الإمام السجاد عليه السلام، توجهوا إلى أداء فريضة الحج بعدد كبير جدا بلغ في ذلك الوقت أكثر من أربعة ملايين حاج في عرفات، مع أن المعوقات التي تقف أمامهم وتمنعهم كانت كثيرة، ولكن هناك إصرار على أداء هذا الركن المهم من الإسلام.

من المصاعب والمعوقات مثلا، وسائل النقل البطيئة التي كانت تستخدم الإبل وغيرها من الحيوانات لكي تكون وسيلة توصيل إلى بيت الله الحرام، ولكن هذا الأمر وسواه من المصاعب لم يقف أمام إصرار المسلمين على أداء الحج الذي كان يمثل ولا يزال ركنا مهما وأصيلا من أركان وفرائض الإسلام.

أعداد الحجاج في عهد الإمام السجاد

حيث يقدم الإمام الشيرازي مثالا فيقول: (مثال على التزام المسلمين في السابق: جاء في التاريخ بأن في زمان الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام وقف من المسلمين بعرفات أربعة ملايين ونصف مليون حاج، وذلك رغم بدائية وسائل النقل في ذلك الزمان وصعوبة التنقلات، حيث لم يكن لديهم شيء من الوسائل الحديثة، ولكن كان لهم ما أمر به الإسلام من التعاون والتعاطف، والتعارف والتكاتف، وما يسمّى بالأخلاق الاجتماعية).

والدليل الذي يؤكد تأخر المسلمين وتقاعسهم عن مثل هذه الفرائض الأساسية، يتضح للباحثين من خلال المقارنة في أعداد الحجاج بين الماضي والحاضر، فاليوم مع جميع التسهيلات والتطور الهائل في النقل والمواصلات وحتى في الجوانب اللوجستية المتنوعة، نجد أن أعدد الحجاج قد لا يتجاوز مليوني حاج، وهذا يمثل خللا كبير وفارقا هائلا بين ماضي المسلمين وحاضرهم فيما يخص أداء فريضة الحج، وهو ركن عظيم في الإسلام.  

السؤال المهم الذي تفرضه الوقائع والحقائق حاليا، هو لماذا هذا التراجع في أعداد الحجاج، مع أن التسهيلات والتطورات والتقدم تقتضي مضاعفة أعداد الحجاج، لكن الذي حدث بالعكس تماما، وهناك دعاء يومي يتلوه المسلمون يخص الحج، والدعاء إلى الله تعالى لكي يرزق المسلمين فرصة الوصول إلى بيت الله الحرام وأداء طقوس الحج عملا بالأحكام الشرعية.

يقول الإمام الشيرازي:

(ولكن بعد مرور أربعة عشر قرناً على ظهور الإسلام، ومع كثرة المسلمين، وتوفّر وسائل النقل الحديثة، نرى أنّه لا يحج من المسلمين حتى مليونين، فلماذا هذا التقهقر الكبير اليوم؟ مع أن الإسلام يصر على الحج، ويذكّر الناس به باستمرار، وذلك حتى في دعاء كل يوم من أيام الصيام الذي يقرأه كل المسلمين فإنه يقول: وارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام).

وحين نبحث عن الإجابة الشافية لهذا النقص الكبير في الحجاج مع توفر جميع الإمكانات اللوجستية والمواصلات وسواها، نلاحظ أن الخط البياني يهبط فيما يتعلق بأعداد حجاج بيت الله الحرام، فما هو السبب في ذلك؟

إن حكام الدول الإسلامية وحكام المسلمين عموما هم الذين يضعون العراقيل والمعوقات لكي لا يتمكن جميع المسلمين من أداء هذه الشعيرة الكبرى، فيختلقون الحجج، ويبتكرون المعرقلات المختلفة اليوم لكي يمنعوا المسلمين من أداء الحج مع أنه من المفترض أن يتم ذلك بشكل سلس وسهل ولا يجعل الحاج يعاني من حواجز لا تعد ولا تحصى.

حيث يؤكد الإمام الشيرازي على:

(إن الجواب هو: إن حكام المسلمين ـ وعلى خلاف الإسلام ـ حرموا شعوبهم من الحريات الأساسية التي أمر بها الإسلام، وصرّح بها القرآن، فقد جعلوا للحج مشاكل وشروطاً يعجز الكثير من المسلمين على أثرها من السفر إلى الحج، وذلك رغم أن كل حكومة من حكوماتهم تدّعي الإسلامية بادعاءات عريضة وبألسنة طويلة).

القضاء على أنظمة الاستبداد

ادعاءات الحكومات بتمسكها بالحج وتسهيل أمور الحجاج لا أساس له من الصحة، بل ما يجري هو العكس تماما، إضعافا للإسلام والمسلمين، لأن الحج مصرح شرعيا بحسب الأحكام التي وضعها الإسلام، وهذا ما عتاد عليه المسلمون منذ عهد الرسول صلى الله عليه وآله، لذلك فإن هناك فارقا كبير بين ما يقوله لسان الحاكم وما يحدث في الواقع.

فما يجري في الواقع يكذب ما يقوله الحكام، لأنهم يقولون شيئا ويفعلون عكسه تماما، مع أن الحج لا يحتاج إلى توضيحات شرعية أو سواها، فهذا ركن قائم في الإسلام منذ قرون متعاقبة، ولا يحتاج إلى أي إثبات من أي نوع كان.

حيث يقول الإمام الشيرازي: 

(فإذا كان هذا هو حال المسلمين مع حكّامهم بالنسبة إلى الحج، الذي هو أمر عبادي وهو مصرّح به في الكتاب والسنة، ومستمر من زمان رسول الله صلى الله عليه وآله إلى هذا اليوم، فكيف يكون حالهم مع غير الحج من الأمور سياسية وغيرها؟).

أما الكلام عن سبل تغيير هذا الواقع المؤسف، والبحث عن الحلول، فإن ذلك يتمثل بمساعدة المسلمين على تحصيل حرياتهم الأساسية التي أوضحها وكفلها الإسلام، وذلك من خلال حملات الوعي التي يحتاجها المسلمون والتي تتعلق بفهمهم للحريات الأساسية التي يجب أن لا يتنازلوا عنها بل يتمسكوا بها بقوة هائلة.

كما يقول الإمام الشيرازي رحمه الله:

(إن معالجة هذا الواقع السيّئ وارجاع الحريات الأساسية إلى المسلمين يتطلّب قبل كل شيء الوعي الجماهيري العام للحريّات الأساسية في الإسلام، كما يتطلّب وعي ثقافة التعددية الحزبية، ونشر ثقافة الأحزاب الحرة، والصحافة الحرة، والمؤسسات الدستورية، التي تحاسب النظام الحاكم على كل صغيرة وكبيرة وتسدّ عليه طريق الاستبداد في الرأي، والدكتاتورية في الحكم).

بالطبع هذا النوع من التغيير السياسي والحاجة إلى الوعي لا يمكن أن تتحقق عند المسلمين مالم يتم القضاء على أنظمة الاستبداد، وهذه لا يمكن الخلاص منها ما لم يتم تأسيس الأحزاب السياسية الحرة، القادرة على تصحيح المسارات في السياسة وفي غيرها، فالأحزاب الحرة لها القدرة التامة على رفض الأنظمة المستبدة ومنع الدكتاتوريات من الوصول إلى الحكم، وهذا ما يمكن الوصول إليه عبر التخطيط الصحيح والوعي الذي يجب أن يتحلى به جميع المسلمين.

ذات صلة

مناسك الحج.. إصرار ايماني في ظل الحرّ ولهيب الحربالمنبر الحسيني والصمود امام زوبعة القفزة الرقميةالإزاحة الجيلية المؤجلة: هل يعيد العراق تدوير أزماته؟البطالة المقنّعة في القطاع العام وتأثيرها على الاستدامة المالية للدولةتطوّر البحث في الكلمة القرآنيّة