نظرية الحكم الإسلامي في فكر الإمام الشيرازي

علي الموسوي

2026-03-26 04:18

نظريَّة الحكم الإسلامي إحدى أكثر الدَّوائر حساسيَّة وتعقيدًا في المنظومة المعرفيَّة لمشروع سماحة المرجع الدِّيني السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (قدِّس سرَّه)، وتشكِّل هذه الدَّائرة الإطار المنظَّم الذي يربط الفقه بالسِّياسة؛ إذ تتداخل المرجعيات التَّشريعيَّة مع آليات التَّدبير السُّلطوي في صياغة نموذج الحكم. وتنبع خطورة هذه المنطقة من كونها تمثِّل نقطة الاختبار الحقيقيَّة لقدرة الفقه الإسلامي على الانتقال من حيِّز التَّنظير إلى مجال التَّفعيل ضمن الواقع الاجتماعي والسِّياسي المتحوِّل.

 وقد أظهرت التَّجارب الإسلاميَّة المعاصرة اتِّجاهينِ متباينينِ في معالجة هذه العلاقة؛ فقد اتَّجه بعضُها إلى الفصل بين الفقه والسِّياسة تحت مبررات "الواقع السِّياسي"، بما أدَّى إلى إقصاء المرجعيَّة الشَّرعيَّة عن ميدان صناعة القرار، في حين سلكت تجارب أخرى مسارًا اختزاليًّا، فحوَّلت الفقه إلى منظومة شعارات عامَّة تفتقر إلى البناء النَّظري المنهجي، الأمر الذي أفقدها القدرة على إنتاج نموذج حكم متماسك وقابل للتَّطبيق.

 أمَّا في إطار المشروع الفكري للإمام الشيرازي، فإنَّنا نواجه دراسة مغايرة تقوم على إعادة تأسيس العلاقة بين الفقه والسِّياسة ضمن رؤية تكامليَّة، تنطلق من النَّص الشَّرعي بوصفه مصدرًا جوهريًا، دون أن تنغلق عليه، وتسعى إلى تفعيله ضمن شروط الواقع، استنادًا إلى منهجيَّة استنباطيَّة تستحضر المقاصد العامَّة للشَّريعة وتستوعب المتغيِّرات الزَّمانيَّة والمكانيَّة. وفي هذا المجال، يمكن فهم محاولته بوصفها سعيًا لبناء "نظرية حكم إسلامي" ذات أبعاد معرفيَّة، تتجاوز الطَّابع الوعظي إلى مستوى التَّنظير القابل للتَّطبيق.

 وتتأسَّس هذه المعالجة على جملة من المرتكزات القرآنيَّة التي تؤكِّد على مبدأ الحاكميَّة الإلهيَّة بوصفها إطارًا مرجعيًّا، كما في قول الله (تعالى): (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(1)، غير أنَّ هذه الحاكميَّة لا تُفهم بمعزل عن البعد الإنساني في الاستخلاف، حيث يقول (سبحانه): (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (2)، ممَّا يدل على أنَّ إدارة الشَّأن العام موكولة إلى الإنسان ضمن ضوابط الوحي. كما يبرز مبدأ الشُّورى بوصفها آليَّة تنظيميَّة لإدارة السُّلطة، في قوله (عزَّ وجلَّ): (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (3)، وهو ما يمنح البعد السِّياسي في الإسلام طابعًا تشاركيًا مبنيًّا على التَّداول والرَّأي العام، لا على الاستبداد والانفراد.

 وتتأكَّد هذه الرُّؤية في النُّصوص الرِّوائيَّة، حيث ورد عن النَّبيِّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسْؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ" (4)، وهو نص يؤسِّس لمفهوم المسؤوليَّة العامَّة في إدارة السُّلطة، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر (رضوان الله عليه): "إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ وظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ، وإِنَّه لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ، ولَا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلَاةِ الأُمُورِ"(5)، وهو ما يكشف عن أنَّ الغاية المركزيَّة للحكم في الرُّؤية الإسلاميَّة هي تحقيق العدالة بوصفها قيمة عليا.

 وفي ضوء هذه المرتكزات، تتبلور معالم النَّظريَّة السياسيَّة في مشروع الإمام الشيرازي عن طريق شبكة من المؤلفات التي تعكس سعيًا منهجيًّا لتفكيك أجزاء الدَّولة الحديثة وإعادة تركيبها ضمن أفق إسلامي؛ ففي كتاب "حكومة الأكثريَّة" تظهر محاولة تأصيل مفهوم المشاركة الشَّعبيَّة ضمن الإطار الشَّرعي، بينما يعالج في "الشُّورى في الإسلام" البعد المؤسسي للتَّداول السِّياسي، ويقدِّم في "الدَّولة الإسلاميَّة: رؤى وآفاق" تصورًا لإطار الدَّولة ووظائفها.

 أمَّا في "حكم الإسلام: مبادئ قيامه، ماهيته، أهدافه" و"هذا هو النِّظام الإسلامي"، فيسعى إلى تحديد الخصائص الجوهريَّة للنِّظام السِّياسي الإسلامي، من حيث مصادره، وغاياته، وآلياته، في حين يتناول في "الحزب في النَّظريَّة الإسلاميَّة" إشكاليَّة التَّعدديَّة السِّياسيَّة ضمن المنظور الشَّرعي، محاولًا التَّوفيق بين وحدة الأمَّة وتنوع الاتِّجاهات الفكريَّة. كما تتَّسع رؤيته لتشمل البعد الوحدوي العابر للحدود، كما يظهر في "إلى حكومة ألف مليون مسلم" و"وصولًا إلى حكومة إسلاميَّة واحدة" و"لا للحدود الجغرافيَّة"، حيث يطرح تصورًا يتجاوز الدَّولة نحو كيان إسلامي جامع.

 ولا تقف هذه النَّظريَّة عند حدود التَّنظير المجرَّد، وتمتد إلى الواقع السِّياسي الملموس، كما في "العراق بعد حزب البعث" و"مستقبل العراق بين الدُّعاء والعمل"، حيث يحاول تطبيق مبادئه النَّظريَّة على سياقات سياسيَّة محدَّدة، في محاولة لاختبار صلاحية النموذج المقترح في مواجهة التَّحديات الواقعيَّة. ونظرًا لأهميَّة هذه القواعد ومكانتها، سنسعى إلى عرضها بصورة موجزة، على الرَّغم من أنَّ استيعابها على نحوٍ وافٍ يتطلَّب دراساتٍ أعمق عبر محاور متعدِّدة. 

المحور الأوَّل: الشُّورى بوصفها الأساس

 يتَّخذ مفهوم الشُّورى في المشروع الفكري للإمام الشيرازي موقعًا محوريًّا ضمن المنظومة النَّظريَّة للنِّظام السِّياسي الإسلامي؛ حيث تُطرح الشُّورى بوصفها مبدأً دستوريًا حاكمًا، يضطلع بوظيفة تنظيم العلاقة بين السُّلطة والأُمَّة، ويؤسِّس لشرعيَّة الممارسة السياسيَّة ضمن إطار الشَّريعة. وهذه الخطوة تنتقل بالخطاب من مستوى الوعظ إلى مستوى البناء، بما يتيح تحويل الشُّورى من مفهوم إلى آلية عمليَّة قابلة للتَّفعيل في الواقع السِّياسي.

 إنَّ هذا التَّحول المنهجي في فهم الشُّورى يجد جذوره في النَّص القرآني، في قوله (تعالى): (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)(6)، وهو تعبير يفيد الثَّبات والاستمراريَّة، لا الظَّرفية والاختيار. كما يتعزَّز هذا المعنى بقوله (سبحانه): (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)(7)، حيث يُخاطَب النَّبيُّ الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، وهو المؤيَّد بالوحي، بضرورة إدخال الأمَّة في عمليَّة اتِّخاذ القرار، بما يكشف عن أنَّ الشُّورى مبدأ مقصود لذاته في تنظيم الشَّأن العام.

 وفي ضوء ذلك، يعيد الإمام الشيرازي صياغة مفهوم الشُّورى بوصفه آليَّة تنظيميَّة تضمن المشاركة الفعليَّة للأمَّة في صناعة القرار السِّياسي، لا مجرَّد استشارة شكليَّة تُستدعى لإضفاء المشروعيَّة على قرارات مسبقة. فالشُّورى، ضمن هذا التَّصور، تؤدِّي وظيفة مزدوجة: فهي من جهة أداة للحدِّ من الاستبداد عبر توزيع السُّلطة ومنع احتكارها، ومن جهةٍ أخرى إطار يفعِّل طاقات المجتمع، ويجعل من الإرادة العامَّة عنصرًا فاعلًا في توجيه السِّياسات العامَّة.

 وتتلاقى هذه الرُّؤية مع ما ورد في أحاديث المعصومين (عليهم السلام)؛ فهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكِّد على مركزيَّة الرَّأي العام المنضبط، في قوله: "مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِه هَلَكَ، ومَنْ شَاوَرَ الرِّجَالَ شَارَكَهَا فِي عُقُولِهَا"(8)، وهو نص يكشف عن أنَّ الاستبداد انحراف ينتهي إلى فشل النِّظام السِّياسي. 

 ومن هذا التَّأصيل، يقدِّم الإمام الشيرازي قراءة سياسيَّة للنُّصوص الشَّريفة، تتجاوز الفهم التَّجزيئي إلى بناء رؤية كليَّة تربط بين مبدأ الشُّورى وإطار الدَّولة الحديثة، وتصبح الشُّورى أساسًا لإعادة تفسير مفاهيم مثل السُّلطة، والشَّرعيَّة، والمشاركة، ضمن إطار إسلامي. فهو يسعى إلى تفكيك عناصر الدَّولة الحديثة وإعادة تركيبها على أساس شرعي، يضمن انسجامها مع القيم الإسلاميَّة.

ولذلك، لا يتَّخذ موقفًا رافضًا من فكرة المؤسَّسات السِّياسيَّة أو الآليات الانتخابيَّة؛ وإنَّما يعمل على تأصيلها فقهيًا، عن طريق إدراجها ضمن منظومة الشُّورى، بوصفها أدوات إجرائيَّة لتنظيم الإرادة العامَّة. فالانتخابات، في هذا التَّصور وسيلة يمكن إدماجها ضمن الإطار الشَّرعي لتحقيق مقاصد الشُّورى، شريطة أن تُضبط بالقيم الإسلاميَّة وتخضع للمرجعيَّة الفقهيَّة.

المحور الثَّاني: حكومة الأكثريَّة

 تناول الإمام الشيرازي مفهوم "حكومة الأكثريَّة" لإعادة إدماج أحد أبرز المفاهيم السِّياسيَّة الحديثة ضمن الحقل الفقهي، عبر دراسة تسعى إلى تفكيك هذا المفهوم وإعادة بنائه على أصول عقلائيَّة وشرعيَّة منضبطة. وتبرز أهميَّة هذه المعالجة من حيث مضمونها، ومن حيث موقعها داخل الفكر الحوزوي، الذي درج –في كثير من أطروحاته التقليديَّة– على التَّعامل مع مفهوم الأكثريَّة بوصفه منتجًا وافدًا من التَّجربة الغربيَّة، لا يمتلك امتدادًا واضحًا في الأصول الفقهيَّة الإسلاميَّة.

 غير أنَّ السيِّد الشيرازي يتجاوز هذا الحاجز المعرفي من خلال استحضار القاعدة العقلائيَّة التي تقوم عليها فكرة ترجيح رأي الأكثريَّة، بوصفها آلية تنظيميَّة لضبط القرار الجماعي في موارد التَّعدد والاختلاف، حيث يتعذَّر الوصول إلى إجماع شامل. وهذه القاعدة، في نظره تنسجم مع ما استقر عليه العقلاء في مختلف المجتمعات من اعتماد الأغلبيَّة معيارًا عمليًّا لحسم النِّزاعات وتوجيه الإرادة العامَّة، ما دامت هذه الآليَّة لا تصطدم بالثَّوابت القطعيَّة للشَّريعة. 

 وفي هذا الإطار، تتجسَّد محاولة السيد الشيرازي في الجمع بين الشَّرعيَّة الدِّينيَّة والشَّرعية الجماهيريَّة، بحيث لا تنحصر السُّلطة في فقيه واحد، ولا تُترك إرادة الأمَّة من دون إطار ضابط، وإنَّما تُدار العمليَّة السياسيَّة وفق آليات عقلائية مقننة تراعي المقاصد الشَّرعيَّة وتحقِّق العدالة.

 ويُظهر تحليله للواقع العملي أيضًا عمق هذا الطرح. فقد أشار (قدِّس سرُّه) إلى واقع العراق السياسي والاجتماعي، مؤكّدًا أنَّ أبرز المشكلات تكمن في انعدام الوعي السِّياسي لدى الشعب، وسيطرة الأقليات على الأكثرية، قائلًا:

"لقد طالعت الكثير عن ماضي العراق وحاضره، فوجدت أنَّ فيه مشاكل قد تكون مشتركة في كلِّ البلاد الإسلاميَّة وقد تكون خاصَّة به تبعاً لتركيبة الشَّعب أو لجغرافيَّة منطقته، أو لتاريخه المليء بالأحداث السَّاخنة والمتميزة، إلَّا أنَّ حقيقة الأمر هي أنَّ هناك مشكلتينِ رئيسيتينِ موجودتانِ في العراق، أولاهما: انعدام الوعي في ميادين السِّياسة والحقوق وفهم الحياة، وهذا الانعدام جعل الكثير من أبناء الشَّعب لايعرف ما يدور حوله من مكائد ومؤامرات استعماريَّة.. وثانيهما: سيطرة الأقليَّة على الأكثريَّة. فالمشكلة لا تقتصر علـى سلب الحقـوق ومصادرة تضحيات الأكثريَّة؛ بل تتعداه إلى أنَّ المستفيد مـن هـذه التَّضحيات هم أناس بعيدون عن الجهاد والتَّضحية..."(9).

 ويُظهر من كلامه أنَّ طرح "حكومة الأكثريَّة" استجابة لواقع ملموس، حيث يعالج تضييق المشاركة السياسيَّة وسوء توزيع السُّلطة، ويقدم آلية تنظيميَّة لإعادة الحقوق إلى الأغلبيَّة ضمن إطار الشَّريعة. ومن هذا المنطلق، يُمكن اعتبار مشروع حكومة الأكثريَّة لدى المجدد الشيرازي محاولة متقدمة لربط النَّظريَّة الفقهيَّة بالواقع السياسي، بما يضمن تحقيق العدالة والمشاركة الفاعلة، ويحول الأغلبيَّة من مفهوم عددي جامد إلى أداة فعَّالة لضبط القرار العام بما يتوافق مع القيم الإسلاميَّة.

المحور الثَّالث: مفهوم الدَّولة الإسلاميَّة بين النَّظريَّة والواقع

 تتبلور في كتابي "الدَّولة الإسلاميَّة: رؤى وآفاق" و"حكم الإسلام: مبادئ قيامه، ماهيته، أهدافه" ملامح نظريَّة سياسيَّة متكاملة تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الدَّولة في الإطار الإسلامي، باعتبارها منظومة وظيفيَّة ذات غايات تستند إلى مرجعية الشَّريعة وتستهدف تحقيق مقاصدها في الواقع الاجتماعي. ومن هذا الطرح، ينتقل الإمام الشيرازي من التَّنظير إلى محاولة بناء نموذج تطبيقي يوازن بين المثال الإسلامي ومتطلبات الدَّولة الحديثة.

 فالدَّولة الإسلاميَّة، في هذا التَّصور تُفهم بوصفها إطارًا تنظيميًا يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعيَّة، وصيانة الحريات العامَّة، وضمان الكرامة الإنسانيَّة ضمن ضوابط الشَّريعة. وهذا الفهم يجد امتداده في النَّص القرآني، حيث يؤكِّد (تعالى): (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(10)، بما يدل على أن الإيمان لا يُنتج بالإجبار، وأن وظيفة الدَّولة تهيئة البيئة التي تمكِّن الإنسان من اختيار الحقِّ. كما يزداد هذا البعد وضوحًا بقوله (سبحانه): (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)(11)، وهو توجيه يحدِّد الغاية المركزيَّة لكلِّ نظام حكم في الإسلام.

 وتتأكَّد هذه الرُّؤية في الرِّوايات الشَّريفة؛ ويبرز قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ"(12)، وهو نصٌّ يؤسِّس لمبدأ المساواة، ويكشف عن أن الدَّولة في الإسلام معنيَّة برعاية الإنسان بما هو إنسان، لا بوصفه منتميًا فحسب. كما يظهر في عهده لمالك الأشتر تأكيده على ضرورة صيانة الحقوق، وضبط السُّلطة بالعدل، بما يعكس تصورًا متقدمًا لوظيفة الدَّولة يتجاوز منطق الهيمنة إلى منطق الرِّعاية.

 وتتكامل الرُّؤية السِّياسيَّة للمرجع الشيرازي مع معالجاته الفقهيَّة في موسوعته "الفقه: الحريات" و"الفقه: القانون"؛ حيث يسعى إلى بناء إطار تشريعي يضمن التَّوازن بين حرية الفرد ومتطلبات النِّظام العام، ويحدِّد حدود تدخل السُّلطة في حياة المجتمع. فالحريات، في منظوره حقٌّ أصيل يقرِّره الشَّرع، في حين يكون دور الدَّولة تنظيم هذه الحريات بما يمنع التَّعدي ويحقِّق الانسجام الاجتماعي. فيُعاد تعريف الدَّولة بوصفها أداة لتحقيق مقاصد الشَّريعة، لا غاية في ذاتها. 

 وبذلك، تتحوَّل السِّياسة من كونها ساحة صراع على السُّلطة إلى مجال لتحقيق القيم، ويصبح الحكم وسيلة لتحقيق العدالة، لا أداة للهيمنة، ويغدو القانون وسيلة لتنظيم الحياة، لا أداة للضبط القسري. وهذا التَّحول في فهم وظيفة الدَّولة يعكس عمق المشروع الذي دعا إليه الإمام الشيرازي، الذي يسعى إلى تقديم بديل نظري وعملي، يدمج بين الأصالة الشَّرعيَّة والفاعليَّة الواقعيَّة، في إطار رؤية إسلاميَّة شاملة تستوعب الإنسان والمجتمع والدَّولة ضمن نسق واحد متكامل.

المحور الرَّابع: الحزب والعمل الجماعي

 في كتاب "الحزب في النَّظريَّة الإسلاميَّة" تناول المجدِّد الشيرازي لمفهوم الحزب والعمل الجماعي لإعادة إدماج أحد أبرز مكونات الحياة السياسيَّة الحديثة ضمن النَّسق الفقهي الإسلامي، وذلك عبر معالجة تحليليَّة تتجاوز الموقف التَّقليدي الذي غالبًا ما ينظر إلى التَّعدديَّة الحزبيَّة بوصفها عامل تفتيت لوحدة الأُمَّة، أو مظهرًا من مظاهر الصراع غير المشروع. وهذه القراءة تفتح أفقًا نظريًا جديدًا داخل الفكر الفقهي، يسعى إلى تنظيم الظَّاهرة الحزبيَّة بدل إقصائها.

 فبدلًا من الانطلاق من فرضيَّة الرَّفض، يعمد الإمام الشيرازي إلى تفكيك مفهوم "الحزب" بوصفه إطارًا تنظيميًّا للعمل الجماعي، ثمَّ يعيد بناؤه ضمن ضوابط شرعيَّة تستند إلى مقاصد الشَّريعة ومبادئها العامَّة. وفي هذا السِّياق، يُنظر إلى التَّعدديَّة الحزبيَّة باعتبارها تنوعًا وظيفيًّا يمكن أن يسهم في إثراء الحياة السياسيَّة، شريطة أن تُضبط بقيم الحقِّ والعدالة، وأن تظلَّ مندرجة ضمن الإطار العام لمصلحة الأمَّة.

 ويجد هذا التَّوجه ما يؤيده في النَّص القرآني، حيث يشير القرآن الكريم إلى مبدأ التَّعدد ضمن وحدة القيم، كما في قوله (تعالى): (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(13)، وهو تعبير يفيد مشروعيَّة وجود جماعات منظَّمة تعمل في ميادين مختلفة لتحقيق الغايات المشتركة. كما يُفهم من قوله (سبحانه): (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(14) أنَّ العمل الجماعي المنظَّم يمثِّل قيمة إيجابيَّة إذا انطلق من أهداف مشروعة والتزم بالضَّوابط الأخلاقيَّة.

 وتؤكِّد الرِّوايات الشَّريفة هذا المعنى من خلال التَّركيز على أهميَّة التَّنظيم والتَّكامل في العمل، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "الزَموا السَّوادَ الأَعظَمَ؛ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الجَماعَةِ، وإيّاكُم وَالفُرقَةَ؛ فَإِنَّ الشّاذَّ مِنَ النّاسِ لِلشَّيطانِ، كَما أنَّ الشّاذَّ مِنَ الغَنَمِ للِذِّئبِ"(15)، في إشارة إلى ضرورة الارتباط بالجماعة المنظمة التي تسير ضمن الحقِّ، كما يظهر في سيرته العمليَّة اعتماده على النُّخب والكوادر في إدارة شؤون الدَّولة، بما يعكس إدراكًا مبكرًا لأهميَّة العمل المؤسسي.

 وانطلاقًا من هذا التَّأصيل، يطرح الإمام الشيرازي إمكانيَّة قيام تعدديَّة حزبيَّة منضبطة، تقوم على التَّنافس في خدمة الصَّالح العام، لا على الصّراع الهدَّام أو السَّعي إلى الهيمنة. فالأحزاب، ضمن هذا التَّصور، تسهم في بلورة الرَّأي العام، وتنظيم المشاركة السياسيِّة، وتقديم البرامج والرُّؤى المختلفة ضمن إطار الشَّريعة.

المحور الخامس: الأمَّة العابرة للحدود

 يتجلَّى البعد الأممي في المشروع الفكري للإمام الشيرازي بوصفه امتدادًا طبيعيًا لرؤيته السياسيَّة والحضاريَّة، كما يظهر بوضوح في مؤلفاته "لا للحدود الجغرافية" و"وصولًا إلى حكومة إسلامية واحدة" و"إلى حكومة ألف مليون مسلم"؛ حيث يسعى إلى إعادة تعريف مفهوم الدَّولة الإسلاميَّة ضمن أفق يتجاوز الإطار الضيِّق، نحو تصور وحدوي أشمل يستند إلى الرَّابطة العقديَّة والثقافيَّة للأمَّة. ومن هذا الطرح، تُفهم الدَّولة بوصفها مرحلة انتقاليَّة ضمن مشروع تكاملي يهدف إلى تحقيق وحدة الأمَّة الإسلاميَّة على أسس تتَّفق مع الشَّريعة المقدَّسة.

 وهنا، يُعيد المرجع الشيرازي النَّظر في مشروعيَّة الحدود الجغرافيَّة بوصفها محددًا نهائيًا للهوية السياسيَّة، معتبرًا أنَّها نتاج تحولات تاريخيَّة وظروف استعماريَّة أسهمت في تفتيت الكيان الإسلامي، أكثر من كونها تعبيرًا عن ضرورة شرعيَّة أصيلة. ومن ثمَّ، فإنَّ تجاوز هذه الحدود لا يُطرح بوصفه موقفًا عاطفيًا أو حنينًا إلى الماضي؛ وإنَّما بوصفه مشروعًا ذات أبعاد استراتيجيَّة يستند إلى إعادة بناء الوعي الجمعي للأمَّة على أساس وحدتها في العقيدة والقيم.

 ويجد هذا التَّوجه أركانه في النَّص القرآني؛ حيث يقول الله (تعالى): (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)(16)، وهو نصٌّ يؤسِّس لوحدة الهوية الإسلاميَّة على أساس التَّوحيد، لا على أساس الانتماءات الجغرافيَّة أو القوميَّة. كما يشير قول الله (سبحانه): (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(17) إلى أن العلاقة بين أفراد الأمَّة تقوم على رابطة الإيمان، بما يتجاوز الحدود المصطنعة، ويؤسِّس لنوع من التَّضامن العابر للكيانات السياسيَّة.

وتتأكَّد هذه الرُّؤية في حديث الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "مَثَلُ المؤمنِينَ في تَوادِّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذا اشتَكى مِنهُ عُضوٌ تَداعى لَهُ سائرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمّى"(18)، وهو تصوير بليغ لوحدة الكيان الاجتماعي للأمَّة، كما يظهر في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) تأكيدهم المستمر على البعد الأممي للإسلام، بوصفه رسالة تتجاوز الحدود الضيِّقة إلى أفق إنساني واسع.

 غير أنَّ هذا الطَّرح الأممي، على الرَّغم من طابعه الشُّمولي، لا يُفهم عند الإمام الشيرازي بوصفه دعوة إلى إلغاء الواقع السِّياسي القائم عبر وسائل صداميَّة أو عسكريَّة؛ بل يُدرج ضمن مشروع إصلاحي تدريجي يقوم على مبدأ اللاعنف، ويعتمد آليات التَّغيير السِّلمي والتَّراكمي. فالوحدة، في هذا التَّصور تُبنى عبر تنمية الوعي، وتعزيز الرَّوابط الثقافيَّة، وتكامل المصالح بين المجتمعات الإسلاميَّة، بما يفضي تدريجيًا إلى تجاوز الحدود القائمة دون صدام.

المحور السَّادس: البعد الواقعي في معالجة الشَّأن العراقي

 لا ينحصر المشروع السِّياسي للمرجع الشيرازي في دائرة التَّنظير أو الطَّرح المثالي المنفصل عن معطيات الواقع؛ ويتجاوز ذلك إلى قراءة تطبيقيَّة تستهدف قراءة التَّحولات السياسيِّة والاجتماعيَّة ضمن سياقاتها التَّاريخيَّة، ومحاولة تقديم بدائل عمليَّة قابلة للتَّفعيل. ويتجلَّى هذا البعد بوضوح في مؤلفاته ذات الطَّابع الواقعي، مثل "العراق بعد حزب البعث" و"مستقبل العراق بين الدُّعاء والعمل"، حيث تتداخل الرُّؤية الفقهيَّة مع التَّحليل السِّياسي في محاولة لفهم طبيعة الأزمات واقتراح مسارات للخروج منها.

 وفي هذه المؤلفات، يعتمد الإمام الشيرازي منهجًا تحليليًّا يسعى إلى تفكيك الأزمة السياسيَّة في العراق، عن طريق رصد العوامل الدَّاخليَّة والخارجيَّة المؤثِّرة، واستحضار الخلفيات التاريخيَّة التي شاركت في تشكيل الواقع الرَّاهن. ومن ثمَّ، ينتقل من مرحلة التَّشخيص إلى مرحلة الاقتراح، عبر تقديم رؤى عمليَّة تتعلَّق بإعادة بناء النِّظام السِّياسي، ودعم المشاركة الشَّعبيَّة، وترسيخ مبادئ العدالة والاستقرار.

 ويعكس هذا التَّوجه وعيًا عميقًا بوظيفة الفقيه في المجال العام، ويمتد ليشمل الإسهام في توجيه المسار السِّياسي، لا سيَّما في اللحظات التَّاريخيَّة الحرجة التي تتطلَّب حضورًا فكريًّا قادرًا على الرَّبط بين المبادئ الشَّرعيَّة ومتطلبات الواقع. وهذا الفهم يتَّفق مع الهدي القرآني الذي يربط بين العلم والمسؤوليَّة، كما في قول الله (سبحانه وتعالى): (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(19)، ويُفهم منه أنَّ أهل العلم معنيون بالتَّدخل الإصلاحي في الشَّأن العام، لا الاكتفاء بالمراقبة.

 كما تؤيد الرِّوايات الشَّريفة هذا المعنى؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، ومَا أَخَذَ اللَّه عَلَى الْعُلَمَاءِ، أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ولَا سَغَبِ مَظْلُومٍ"(20)، وهو نصٌّ يؤسِّس لمسؤوليَّة العالم في مواجهة الاختلالات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، ويحمِّله دورًا فاعلًا في تحقيق التَّوازن والعدالة داخل المجتمع.

المحور السَّابع: العلاقة بين الفقه والشَّرعيَّة السياسيَّة

 مسألة مصدر الشَّرعيَّة السياسيَّة من أعقد الإشكاليات في الفكر الإسلامي المعاصر؛ لما تنطوي عليه من تداخل بين البعد العقدي والبعد المؤسسي، ولارتباطها المباشر بتحديد منبع السُّلطة وحدودها وآليات ممارستها. وقد تباينت الآراء في هذا المجال بين اتِّجاه يُرجع الشَّرعيَّة إلى النَّص وحده، وآخر يربطها بإرادة الأمَّة، وثالث يختزلها في معادلة القوَّة والقدرة على فرض الأمر الواقع. إلَّا أنَّ المشروع الفكري للإمام الشيرازي يقدِّم محاولة تركيبيَّة تسعى إلى تجاوز هذا التَّعارض الظاهري، عبر بناء تصور توافقي يدمج بين المرجعيَّة الشرعيَّة والمشاركة الشَّعبية ضمن إطار منضبط.

 ففي هذا التَّصور، تُفهم الشرعيَّة السياسيِّة باعتبارها نتاج تفاعل بين عنصرينِ متكاملينِ: الالتزام بالشَّريعة من جهةٍ، وقبول الأمَّة من جهةٍ أخرى. فالنَّص الشَّرعي يحدِّد الإطار المعياري الذي يجب أن تنتظم ضمنه السُّلطة، كما في قوله (تعالى): (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(21)، وهو نصٌّ يؤسِّس لمبدأ الحاكميَّة الإلهيَّة بوصفها المرجعيَّة العليا. غير أنَّ هذا الإطار لا يُفعّل في الواقع إلَّا من بواسطة الإنسان، الذي أُنيطت به مهمة الاستخلاف، كما في قوله (سبحانه): (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً)(22)، ممَّا يفتح المجال لدور الأمَّة في اختيار من يمارس السُّلطة ضمن هذا الإطار.

 ومن هذا المنطلق، لا يستمد الحاكم شرعيته من مجرَّد امتلاكه للقوَّة؛ لأنَّ القوَّة في ذاتها لا تُنتج مشروعيَّة؛ وقد تكون –إذا انفصلت عن القيم– مصدرًا للظُّلم والانحراف، كما لا تُستمد الشَّرعيَّة من الانتخاب بوصفه إجراءً شكليًّا مجرَّدًا عن المضمون القيمي؛ لأنَّ الإرادة الشَّعبيَّة إذا لم تُضبط بالمعايير الشَّرعيَّة قد تنحرف عن تحقيق العدالة. ولكن الشَّرعية، في هذا النموذج، تتأسَّس على تلازم بين "الالتزام" و"القبول": التزام الحاكم بالشَّريعة، وقبول الأمَّة به ضمن آليات الشُّورى.

 وبعبارة أخرى: يقدِّم الإمام الشيرازي نموذجًا للشرعيَّة السياسيَّة يقوم على التَّوازن بين الثَّابت والمتغيِّر؛ فالثَّابت يتمثَّل في المرجعيَّة النصيَّة التي تحدِّد القيم والغايات، والمتغيِّر يتمثَّل في آليات اختيار الحاكم وتنظيم السُّلطة، والتي تُترك لإرادة الأمَّة ضمن ضوابط الشُّورى. وبهذا، يتمُّ تجاوز الثُّنائيَّة الحادَّة بين "الشَّرعيَّة الدِّينيَّة" و"الشَّرعيَّة الشَّعبيَّة"، ليُصار إلى دمجهما في إطار واحد يضمن عدم انحراف السُّلطة عن القيم، وعدم انفصالها عن المجتمع.

المحور الثَّامن: السِّياسة أداة إصلاح لا صراع

 ويكشف هذا التَّصور عن انتقال نوعي من "السِّياسة كسلطة" إلى "السِّياسة كرسالة"، ويكون الهدف النِّهائي تحقيق مقاصد الشَّريعة في العدالة والكرامة والحرية. وهذا ما يمنح مشروع الإمام الشيرازي طابعه الحضاري، فهو يسعى إلى بناء نموذج متكامل يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمجتمع والدَّولة ضمن أفق إصلاحي طويل المدى.

 وهذا الفهم يجد جذوره في الرُّؤية القرآنيَّة التي تؤكِّد على مبدأ التَّدرج في التَّغيير، كما في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(23)، وتؤكِّد هذه الآية أنَّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من الدَّاخل، ويتطلَّب وعيًا جماهيريًا يتجاوز التَّلقي السّلبي إلى الفعل الواعي.

 ويؤكد الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام) على هذا المعنى بقوله: " كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ؛ فَإِنَّ ذلِكَ دَاعِيَةٌ"(24)، وهو توجيه يربط بين الفعل الإصلاحي والسُّلوك العملي، لا بالشِّعارات المجرَّدة.

 وانطلاقًا من هذا التَّأصيل، يُعاد تعريف السِّياسة بوصفها عمليَّة مركبة تتطلَّب توافر ثلاثة عناصر جوهريَّة: وعي جماهيري قادر على إدراك القضايا العَّامة، ومؤسَّسات فاعلة تنظِّم هذا الوعي وتحوله إلى برامج عمل، وقيادة أخلاقيَّة تضبط المسار وتمنع انحرافه نحو الاستبداد أو الفوضى. وغياب أي من هذه العناصر ينتهي إلى اختلال التَّوازن، إمَّا باتِّجاه الانفلات الشَّعبي أو التَّسلط السُّلطوي.

 وبذلك، تغدو السِّياسة في هذا المشروع أداة لبناء الإنسان قبل أن تكون وسيلة لإدارة السُّلطة، ومسارًا لإحياء القيم قبل أن تكون ميدانًا للتَّنافس، في رؤية تتجاوز الإطار الحزبي الضيِّق إلى مشروع حضاري شامل، يستوعب تعقيدات الواقع، ويعمل على توجيهها نحو غايات سامية.

 وخلاصة القول: تكشف القراءة التَّحليليَّة لمؤلفات الإمام الشيرازي (قدِّس سرُّه) ذات البعد السِّياسي عن مشروع فكري متماسك، ينهض بوصفه محاولة منهجيَّة لبناء نظرية حكم إسلامي متكاملة، تستند إلى تفاعل منضبط بين الأصول الفقهيَّة ومتطلبات الواقع السِّياسي. فهذا المشروع يعيد توظيفه المفاهيم ضمن رؤية تجمع بين الشُّورى بوصفها أصلًا، وترجيح الأكثرية كآلية تنظيميَّة، والتعدديَّة الحزبيَّة المنضبطة، إلى جانب البعد الأممي للوحدة الإسلاميَّة، مع الالتزام بالمقاصد الشرعيَّة بوصفها الإطار الحاكم.

 ومن هذا البناء النَّظري، تظهر محاولة جادَّة لتجاوز الثنائيَّة الإشكاليَّة التي طالما حكمت الفكر السياسي الإسلامي، والمتمثلة في الفصل بين "الدِّين" و"الدَّولة"؛ حيث يسعى مشروع المجدد الشيرازي إلى إعادة دمج هذينِ البعدينِ ضمن نسق معرفي واحد، يجعل من الشَّريعة مصدرًا للشرعيَّة، ومن الفقه أداة لتنظيم المجال العام.

 وبذلك، يغدو الفقه في رؤية المرجع الشيرازي إطارًا ناظمًا للفعل السياسي، ومصدرًا لإنتاج الشرعيَّة، وأداةً لصياغة المستقبل الإسلامي، في توازن دقيق بين الثَّبات النصِّي والمرونة التطبيقيَّة. فهو يعمل على استيعاب معطيات العصر ضمن منظومة إسلاميَّة قادرة على التَّفاعل مع التحديات المعاصرة من دون التَّفريط بهويتها.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

..............................................

 الهوامش:

1. سورة يوسف/ الآية: 40.

2. سورة البقرة/ الآية: 30.

3. سورة الشورى/ الآية: 38.

4. منية المريد: ص381.

5. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص433.

6. سورة الشورى/ الآية: 38.

7. سورة آل عمران/ الآية: 159.

8. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص500.

9. الأكثرية الشيعية في العراق: ص2.

10. سورة البقرة/ الآية: 256.

11. سورة النحل/ الآية: 90.

12. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص427.

13. سورة آل عمران/ الآية: 104.

14. سورة المائدة/ الآية: 2.

15. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص184.

16. سورة الأنبياء/ الآية: 92.

17. سورة الحجرات/ الآية: 10.

18. كنز العمّال: ص737.

19. سورة المائدة/ الآية: 63.

20. نهج البلاغة، (تحقيق: صبحي الصالح): ص50.

21. سورة يوسف/ الآية: 40.

22. سورة البقرة/ الآية: 30.

23. سورة الرعد/ الآية: 11.

24. الكافي (دار الحديث): ج3، ص202.

ذات صلة

التعاطي النموذجي مع الأموال العامةمشهد الحرب في 26 مارس.. الفرصة الضائعة أو العودة من حافة الهاويةلماذا يُعد اكتشاف الحقيقة أمراً مرهقاً للغاية؟شجاعة المواجهة وسياسة الردع‏تحارب الآخرون وخسرنا نحن