عندما يتحول المال العام إلى امتحان أخلاقي: لماذا يسقط قارون في كل عصر؟
علي إسحاق
2026-07-04 04:54
في كل مرة يهتز فيها الرأي العام بسبب ملف فساد جديد، يعود السؤال القديم بصيغة أكثر حدّة: كيف يتحول المال الذي خُلق لخدمة الناس إلى وسيلة لحرمانهم؟ وكيف ينجح بعض الأفراد في إقناع أنفسهم بأن المنصب فرصة للاغتناء لا أمانة للمحاسبة؟
القرآن الكريم لم يترك هذا السؤال بلا جواب. فقد قدّم نموذجًا مكثفًا في قصة قارون، الرجل الذي امتلك من الثروة ما جعل الناس يظنون أن النجاح يقاس بحجم ما يملكه الإنسان لا بطريقة حصوله عليه. يقول تعالى:
﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
لكن المشهد لم يتوقف عند لحظة الانبهار. فقد جاء صوت آخر أكثر عمقًا، صوت يذكّر بأن القيمة الحقيقية ليست في تراكم الثروة، بل في سلامة الطريق إليها:
﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ۚ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾
ثم جاءت النهاية التي تختصر فلسفة العدالة كلها:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ﴾
(القصص: 79–81)
قارون ليس شخصية تاريخية فقط
الخطأ الشائع أننا نقرأ قصة قارون بوصفها حكاية من الماضي، بينما هي في حقيقتها وصف متكرر لمرض اجتماعي يتجدد بأسماء مختلفة. فكل عصر يصنع قارونه الخاص: مسؤول يظن أن النفوذ يحميه، أو تاجر يعتقد أن المال يمنحه حق تجاوز القوانين، أو شبكة مصالح تتعامل مع المال العام كأنه ملكية خاصة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما يسرق الفاسد، بل عندما يتحول الفساد إلى أمر مألوف، وعندما يفقد الناس حساسيتهم الأخلاقية تجاهه. عندها يصبح السؤال: “كم سرق؟” بدلًا من “كيف سمحنا بهذا أصلًا؟”.
المال العام ليس رقمًا في الميزانية
حين يتحدث الناس عن الفساد، فإنهم غالبًا يتحدثون بلغة الأرقام. لكن الأرقام تخفي وراءها وجوهًا بشرية. فالمال العام ليس مجرد بنود في الموازنة، بل هو مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهّز، وطريق لم يُصلح، وفرصة عمل لم تُخلق.
ولهذا جاء القرآن بلغة الأمانة لا بلغة الملكية:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
(النساء: 58)
فالمنصب في الرؤية الإسلامية ليس امتيازًا شخصيًا، بل تكليف أخلاقي. ولذلك قال النبي محمد صلى الله عليه وآله:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»
(رواه البخاري ومسلم)
وقال أيضًا:
«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»
(رواه أبو داود)
الإدارة أم الغنيمة؟
المشكلة ليست في وجود السلطة، فالمجتمعات تحتاج إلى إدارة ومؤسسات وقيادات. المشكلة تبدأ عندما يُنظر إلى السلطة بوصفها “غنيمة” لا “خدمة”. وهنا تتجلى روعة كلمة الإمام علي عليه السلام:
«إنَّ عملك ليس لك بطُعمة، ولكنه في عنقك أمانة»
(نهج البلاغة)
إنها جملة تختصر فلسفة الحكم كلها. فالمسؤول ليس مالكًا لما يديره، بل مؤتمن عليه. ولذلك بلغ الإمام علي ذروة الحس الأخلاقي حين قال:
«والله لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملةٍ أسلبها جلبَ شعيرةٍ ما فعلت»
(نهج البلاغة، الخطبة 224)
هذا المستوى من الوعي هو ما يجعل الفساد ليس مجرد مخالفة قانونية، بل سقوطًا أخلاقيًا قبل أن يكون جريمة مالية.
دور المجتمع… الصمت شريك خفي
من السهل تحميل المسؤولية للفاسدين وحدهم، لكن الحقيقة أن المجتمع نفسه يشارك أحيانًا في إطالة عمر الفساد حين يبرره بالقرابة أو الحزب أو الطائفة أو المنفعة. وعندما يصبح الانتماء أهم من العدالة، يبدأ ميزان القيم بالاختلال.
ولهذا جاء المبدأ القرآني واضحًا:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
(الحجرات: 13)
فلا لقب يحمي من المحاسبة، ولا نسب يمنح حصانة أخلاقية.
الحسين والإصلاح
وعندما نتحدث عن مقاومة الانحراف، يصعب تجاوز موقف الإمام الحسين عليه السلام الذي حدّد هدف نهضته بكلمات قليلة وعميقة:
«إنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي»
(ورد في كتب المقاتل ومنها مقتل الخوارزمي)
الإصلاح هنا ليس شعارًا سياسيًا، بل استعادة لميزان العدالة حين يختل، وتذكير بأن المجتمع لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالنزاهة والضمير.
ويبقى السؤال
قد ينجح الفاسد سنوات، وقد يحيط نفسه بالحماية والنفوذ، وقد يبدو منتصرًا في لحظة ما. لكن التاريخ يحمل درسًا متكررًا: كل قوة تُبنى على ظلم الناس تحمل داخلها بذور سقوطها.
ولهذا يبقى النداء القرآني حاضرًا فوق ضجيج المصالح:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
(إبراهيم: 42)
فالمال يزول، والمناصب تتبدل، وتبقى في النهاية حقيقة واحدة: أن الإنسان سيُسأل عمّا فعل بحقوق الناس، لا عمّا جمعه من أرصدة. وربما لهذا السبب يسقط قارون في كل عصر، بينما يبقى صوت الحق، مهما بدا ضعيفًا، أطول عمرًا من كل ثروة مؤقتة.