الحج: فرصة التعارف العالمي
محمد علي جواد تقي
2026-05-24 05:13
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. سورة الحجرات- الآية:13
بينما كان الحجيج يتدافعون لاستلام الحجر الأسود المبارك خلال الطواف حول الكعبة المشرفة، أراد هشام بن عبد الملك؛ الحاكم الأموي في حينه استلام الحجر، ظناً منه أن الحجر سيكون بين يديه سريعاً، لكن فوجئ بالتجاهل الغريب من جمهور الحجيج القادمين من مختلف البقاع الإسلامية، فتنحّى جانباً مع عدد من الشاميين جاؤوا لأداء مناسك الحج، وبينا هو كذلك، وإذا بالإمام زين العابدين يطوف مع الناس دون مرافقين او حاشية، وما أن وصل الى الحجر الأسود واراد تناوله انشق له الناس صفين على الفور إجلالاً لهيبته –تقول المصادر التاريخية-، ولا علينا بتفاصيل القصة التي تمخضت عن قصيدة عصماء لامعة في تاريخ الشعر العربي، ارتجلها الفرزدق بعد أن ادعى هشام عدم معرفته بالإمام في جوابه على أحد الشاميين بمن يكون الرجل؟! إنما العبرة التي نستفيدها اليوم في أهمية التعارف بين المسلمين خلال موسم الحج، وكيف أن المسلمين من مختلف القوميات والألوان والأعراق كانوا على معرفة تامة بمكانة الإمام زين العابدين، و ربما بمعرفة تامة ايضاً بذاك الحاكم الأموي فتجاهلوه.
الحكام والخشية من روح الدين وليس الدين نفسه
لا يأبه الحكام منذ رحيل رسول الله عن دار الدنيا، من أداء الفرائض الدينية، وقراءة وحفظ القرآن الكريم، ولكنهم يتخوفون من توقف الانسان المسلم عند آية قرآنية تتحدث عن الإصلاح الاجتماعي والسياسي من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو آيات تتحدث عن نظام اقتصادي عادل يقسم فرص العمل والإثراء بالتساوي بين الناس، ويحارب الفساد والاستئثار بأموال المسلمين كما كان يفعل الصحابي الجليل؛ أبي ذر الغفاري في الشام عندما كان يتلو الآية القرآنية عند أسوار قصر معاوية بالشام: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}، فقال له معاوية أليست ثمة آيات أخرى في القرآن؟! قال: بلى؛ ولكن هذه الآية تخصك أكثر!
وكذا الحال بالنسبة لفريضة الحج التي هي {أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}، لأداء الفريضة، بيد أن الحجيج يبقون أيام أخرى في مكة المكرمة والمدينة المنورة وفق برامج التفويج الحالية حيث يبقى الحاج حوالي عشرين يوماً ، او حوالي ثلاثة أسابيع في رحلة الحج قبل العودة الى بلاده، وهذه الفترة تتيح له الالتقاء بأخيه المسلم من افريقيا، او آسيا، أو القوقاز، أو الخليج، أو من شبه القارة الهندية، كل واحد من هؤلاء يحمل هموماً في صدره يبحث عمّن يفضي بها اليه، بحثاً عن البديل والحل، او التعرف على تجارب الآخرين في التعامل مع الأزمات.
وهذا تحديداً ما تخشاه بعض الانظمة السياسية –إن لم نقل جميعها- فهي تريد أن يمر كل شيء من خلالها وفق رؤية كل نظام سياسي للأمور، فثمة رؤية ثورية، وأخرى ليبرالية، وأخرى برغماتية، بينما رؤية الحجيج القادمين من مختلف بقاع العالم هي رؤية واحدة مستقاة من روح الدين وقيمه الأخلاقية الداعية الى التكافل والتعاون وأن يكون "المسلم مرآة أخيه المؤمن"، وأن يكون المؤمنون "كالجسد الواحد"، وأن تعلو عندهم مشاعر المسؤولية إزاء اخوانهم المسلمين فوق كل المشاعر.
المسلمون جميعاً يحفظون هذه الاحاديث عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، لكن المشكلة في الغفلة عن مصاديقها على ارض الواقع، وبسبب شحّة المعلومات من جهة، والتضليل من جهة اخرى، يقعون في مطبّات كبيرة تجعلهم بعيدين ليس عن اخوانهم المسلمين وما يعيشونه من أزمات ومحن فقط، وإنما بعيدين عن قيمهم الدينية والأخلاقية التي علمهم إياها نبيهم الكريم.
في عام 2006 عندما وفقنا الله –تعالى- لأداء فريضة الحج، ولدى وصولنا منطقة مِنى للمبيت فيها بعد إجراء مناسك النحر، والحلق، ورمي الجمرات، فوجئنا بوجود مكان خيام الحجاج العراقيين أقصى نقطة في مِنى، بحيث تتجاوز الحدود الشرعية المرسومة على الأرض لمنطقة منى، بمعنى أننا كنا نجتمع ونجلس تحت الخيمة نهاراً، وفي المساء نذهب الى مهاجعنا خارج الخيم لنكون داخل الحد الشرعي في منظر لا يخلو من إذلال واضح للحاج العراقي الذي عليه أن ينام في طريق السيارات الخدمية وبين المارة، وعندما سألنا عن السبب قالوا: إنها من تَرِكات النظام الصدامي البائد، ولا شك أن الوضع اختلف بعد تلك السنوات.
آثار هذا الاجراء التعسفي والظالم ينقله أحد الاصدقاء ممن وفقوا لأداء مناسك الحج في تسعينات القرن الماضي –قبل سقوط نظام صدام- استوقفه حاج من اندونيسيا يتكلم العربية بصعوبة عندما عرفه أنه من العراق (عراقي) قال على الفور: "الله ينصر صدام حسين"! في إشارة منه الى المواجهة بين العراق واميركا خلال فترة العقوبات الاقتصادية، فهو يدعو الى الطاغية صدام ولم يسأل الاخ العراقي عن أوضاع الشعب العراقي وماذا حلّ به جراء عقوبات صدام وليس من عقوبات المنظمة الدولية ودول العالم، والموت الجماعي بسبب الامراض وسوء التغذية.
وحتى الفترة التي كنت فيها في الديار المقدسة التقيت أحد الحجاج وكان من الاردن، في ساعة أداء مناسك رمي الجمرات يوم العاشر من ذي الحجة، وهو نفس الوقت الذي تم تنفيذ حكم الاعداء بصدام، فعلّق بالقول: "إنه حكم القوي على الضعيف"! يعني ليس في الأمر حقاً ولا باطل، كما سبقه في ذلك من قال نفس العبارة قبل اربعة عشر قرناً بعد هزيمة أصحاب الجمل أمام أمير المؤمنين، عليه السلام، بأنكم انتصرتم لقوتكم العسكرية –مضمون الكلام- فجاء الجواب الصاعق والمفحم من الصحابي الجليل؛ عمار بن ياسر بأن "والله لو قاتلتمونا حتى سعفات هجر لعلمنا أننا على حق وأنتم على باطل".
اليوم؛ وكل يوم تُعد المسؤولية ثقيلة جداً على عاتق المؤسسة الدينية وكل انسان مسلم يحمل الوعي والثقافة الاسلامية في الديار المقدسة لاغتنام فرصة الاجتماع البشري لمسلمي العالم، لبلورة نقاط الالتقاء، والتركيز على نقاط القوة لدى الامة، ومن ثم الخروج بمواقف موحدة إزاء قضايا مصيرية نتخبط فيها اليوم رغم التحديات والتهديدات الخطيرة التي وصلت اليوم حتى الى لقمة العيش بسبب وصول شظايا الحروب والأزمات السياسية الى مصادر الطاقة والموارد المالية.
إن قادة الحروب في عالم اليوم يتعكزون على مفردة غريبة خلال أعمالهم العدوانية بأن "هذا هو الذي يسعد الشعوب ويجعلها أكثر أمناً ورخاءً". ونحن نشهد أن هذه الوعود الكاذبة، والاماني الزائفة تأتي على حساب آلاف الجثث من الاطفال والنساء، وسلب الأمن والاستقرار من شعوب عدّة في المنطقة، والاستخفاف بمشاعرهم ومصائرهم.