السخاء.. نور يضيء القلوب ويقرب إلى الله (تعالى)
صباح الصافي
2026-03-05 04:43
السَّخاء من أعظم الفضائل الأخلاقيَّة التي تزكِّي النَّفس البشريَّة، وتخلق في الإنسان توازنًا راسخًا بين مصلحته الذَّاتيَّة وواجباته اتِّجاه الآخرين. فهو انعكاسٌ حيٌّ لصفاء القلب وسمو الرُّوح، وتجسيد لقيم الرَّحمة والعدالة التي أرساها الدِّين الحنيف. ويتجلَّى السَّخاء في القدرة على العطاء الطَّوعي، والمبادرة بالخير، والاستجابة لاحتياجات النَّاس بروح منفتحة، فيصبح كلُّ فعل منه وسيلة لإحياء القلوب، وتقوية الرَّوابط الاجتماعيَّة، ورفع شأن المجتمع بأسره. ومن هذا المنظور، فإنَّ السَّخاء لا يقتصر أثره على الفرد؛ وإنَّما يمتد ليشكِّل جسرًا يربط بين الإنسان وربِّه (سبحانه)، ويعكس مدى وعيه وقدرته على مواجهة ميول النَّفس نحو البخل والأنانيَّة.
المحور الأوَّل: السَّخاء طريقُ الإيمان
لقد ارتبطت هذه الخصلة ارتباطًا وثيقًا بسيرة الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)؛ حيث مثَّلت مظهرًا من مظاهر كمالهم الإنساني وتجسيدًا عمليًّا لعلاقتهم بالله (تعالى). ومن هذا المنطلق، يُنظر إلى السَّخاء بوصفه علامة على القرب الإلهي، ومسارًا يقرِّب الإنسان من رضوان الله (سبحانه وتعالى) ورضا أوليائه المعصومين (عليهم السلام)، ويقوده إلى الفوز بالنَّعيم الأخروي. عن الرَّسول الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله): "إنَّ السَّخَاءَ شَجَرَةٌ مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ، لَهَا أَغْصَانٌ مُتَدَلِّيَةٌ فِى الدُّنْيَا؛ فَمَنْ كَانَ سَخِيّاً تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَسَاقَهُ ذَلِكَ الْغُصْنُ إلَى الْجَنَّةِ" (1). ويكشف هذا التَّصوير عن حقيقة مفادها أنَّ العطاء هو امتداد لمسار يبدأ في الدُّنيا وينتهي بالإنسان إلى الجنَّة، بما يحمله من معاني القرب والثَّواب الإلهي.
كما بيَّن الإمام الصَّادق (عليه السلام) البعد الإيماني للسَّخاء، فيقول: "السَّخاءُ مِن اخْلَاقِ الْأنْبِيَاءِ وَهُوَ عِمَادُ الْايْمَانِ وَلَا يَكُونُ المُؤمِنُ إلَّا سَخِيًّا وَلا يَكُونُ سَخِيًّا إلَّا ذُو يَقينٍ وَهِمَّة عَالِيَةٌ؛ لَأنَّ السَّخاءُ شُعاعُ نُورِ اليَقينِ، وَمَنْ عَرَفَ مَا قَصَدَ هانَ عَلَيْهِ مَا بَذَلَ" (2). فالبذل الحقيقي يصدر عن نفسٍ تمتلك رؤية واضحة للمقصد الإلهي، وهمَّة عالية تتجاوز حسابات النَّقص والخسارة، فإنَّ من أدرك الغاية التي يسير إليها، استهان بما يقدِّمه في سبيلها.
وعلى هذا الأساس، يظهر السَّخاء بوصفه إشراقًا من إشراقات نور اليقين في قلب الإنسان، وعلامة على وجود الإيمان وعلوّ الهمَّة؛ إذ يتحوَّل العطاء إلى فعلٍ صادر عن وعيٍ ومعرفة، لا عن اندفاعٍ عاطفي أو ظرفٍ عابر. وبذلك يتبوّأ السَّخاء مكانته بوصفه قيمةً مركزيَّة في الأخلاق الإسلاميَّة، ومسارًا عمليًّا للارتقاء والقرب من الله (عزَّ وجلَّ).
ومن اللافت للنظر إنَّ السَّخاء من الخصال التي تحظى بمحبَّة الله (تعالى)، حتَّى لو ظهرت من غير المؤمن، لما تنطوي عليه من دلالات إنسانيَّة تكشف عن صفاء الفطرة واستعداد النَّفس للانفتاح على الحقِّ. فهذه الخصلة، بما تحمله من معاني البذل وتجاوز الأنا، تملك قدرة خاصَّة على تهيئة الإنسان لتلقِّي الهداية، وإعادة توجيه مساره نحو الإيمان.
وتوضِّح الرِّوايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) هذا المعنى بجلاء. فقد رُوي عن الإمام عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، في خبرٍ طويل، قال: "ثلاثة نفر آلوا باللَّات والعزَّى ليقتلوا محمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله)، فذهب أمير المؤمنين (عليه السلام) وحده إليهم وقتل واحدًا منهم، وجاء بالآخرينِ، فقال النَّبي (صلَّى الله عليه وآله): قدَّم إليَّ أحد الرَّجلين، فقدَّمه فقال: قل: لا إله إلَّا الله واشهد أنِّي رسول الله، فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحبُّ إليَّ من أن أقول هذه الكلمة، قال: يا عليُّ أخِّره واضرب عنقه (3).
ثمَّ قال: قدِّم الآخر، فقال: قل: لا إله إلَّا الله واشهد أنِّي رسول الله، قال: ألحقني بصاحبي، قال: يا عليُّ أخِّره واضرب عنقه، فأخره، وقام أمير المؤمنين (عليه السلام) ليضرب عنقه، فنزل جبرئيل (عليه السلام) على النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) فقال: يامحمَّد إنَّ ربَّك يقرئك السلام، ويقول: لا تقتله، فإنَّه حسن الخُلُق، سخيٌّ في قومه، فقال النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): يا علي أمسك، فإنَّ هذا رسول ربٍّي (عزَّ وجلَّ) يخبرني أنَّه حسن الخُلُق سخيٌّ في قومه، فقال المشرك تحت السَّيف: هذا رسول ربِّك يخبرك؟
قال: نعم، قال: والله ما ملكت درهمًا مع أخ لي قطّ، ولا قطبت وجهي في الحرب، فأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّك رسول الله، فقال رسول اللّه (صلَّى الله عليه وآله): هذا ممَّن جرَّه حسن خُلُقه وسخاؤه إلى جنَّات النَّعيم" (4).
ويكشف هذا الموقف عن منزلة الأخلاق في الميزان الإلهي؛ فإنَّ صفة السَّخاء، مقترنة بحسن الخلق، كانت سببًا في رفع القتل عنه، وفتحت له باب المراجعة والوعي بالحقيقة. وقد عبَّر الرَّجل نفسه عن ذلك حين أقرَّ بسلوكه القائم على البذل والشَّجاعة وعدم التَّضييق على الآخرين؛ الأمر الذي قاده إلى الاعتراف بصدق الرِّسالة المحمَّديَّة، والنُّطق بالشَّهادتين في لحظة فاصلة بين الحياة والموت.
ويختم الرَّسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) هذا الحدث بتقرير قاعدة أخلاقيَّة عميقة الدلالة، حين وصف هذا الرَّجل بأنَّه ممَّن قاده حسن خلقه وسخاؤه إلى جنَّات النَّعيم. ويشير هذا التَّعبير إلى أنَّ الأخلاق، وفي مقدِّمتها السَّخاء مسارات فطريَّة تقود الإنسان إلى الإيمان، وتمهِّد له طريق النَّجاة الأخرويَّة، حتَّى وإن بدأ مسيره بعيدًا عن دائرة العقيدة. ومن هنا تظهر مكانة السَّخاء بوصفه فضيلة ذات أثر تكويني في توجيه الإنسان نحو الحقِّ، ومفتاحًا من مفاتيح الهداية الإلهيَّة.
المحور الثَّاني: تعريف السَّخاء لغةً واصطلاحًا
السَّخاء لغةً: "الجود. والسَّخي. الجواد، والجمع أسخياء... وامرأة سخيَّة من نسوة سخيات وسخايا... ويقال: إنَّ السَّخاء مأخوذ من السخو، وهو الموضع الذي يوسع تحت القدر ليتمكَّن الوقود؛ لأنَّ الصَّدر أيضًا يتَّسع للعطية... والسخواء: الأرض السَّهلة الواسعة، والجمع السخاوي والسخاوى؛ مثل الصحاري والصحارى" (5).
وأمَّا اصطلاحًا فقد جاءت تعاريف عدَّة للسخاء؛ منها:
1. "ملكة بذل المال لمستحقه بقدر ما ينبغي ابتداءً" (6).
2. "هيئة للإنسان داعية إلى بذل المقتنيات، حصل معه البذل أو لم يحصل، وذلك خلق، ويقابله الشح" (7).
3. "سهولة الإنفاق، وتجنُّب اكتساب ما لا يحمد من الصَّنائع المذمومة؛ كالحجامة، وأكل ما لا يحلّ، مأخوذ من الأرض السّخاويَّة؛ وهي الرخوة اللينة" (8).
وتُظهر المعاني اللغويَّة والتَّعاريف الاصطلاحيَّة المتقدِّمة أنَّ مفهوم السَّخاء يتمتع بثراء دلالي واتِّساع مفهومي، يعكس حضوره العميق في الوعي اللغوي والأخلاقي. فالتَّعريف اللغوي يركِّز على أصل المادة ودلالتها الحسيَّة، ولا سيَّما معنى السَّعة، سواء في الصَّدر أو في المكان، وهو ما يقدِّم أساسًا تصوّريًا مهمًا لفهم السَّخاء بوصفه حالة نفسيَّة قبل أن يكون سلوكًا مادّيًا. فالرَّبط بين السَّخاء واتِّساع الموضع تحت القدر أو سعة الأرض السَّهلة يشير ضمنًا إلى أنَّ العطاء لا يصدر إلَّا عن نفسٍ متحرِّرة من الضِّيق والانقباض.
أمَّا التَّعاريف الاصطلاحيَّة، فتتفق في جوهرها على أنَّ السَّخاء هو خُلُق راسخ وهيئة نفسيَّة مستقرَّة. فالتَّعريف الأوَّل يبيِّن البعد المعياري للسَّخاء من خلال تقييده بـ"المستحق" و"القدر المناسب"، ما يدل على أنَّ السَّخاء في التَّصور الإسلامي يرتبط بالحكمة وضبط الفعل، ولا يرتبط بالتَّبذير والإسراف. وهذا ينسجم مع الرُّؤية التي توازن بين العطاء وحفظ النِّظام الاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكِّد التَّعريف الثَّاني هذا المعنى بشكل أوضح، ويجعل السَّخاء "هيئة" أو "ملكة" داعية إلى البذل، سواء تحقَّق الفعل خارجيًّا أم لم يتحقَّق، وبذلك ينقل التَّركيز من الفعل الظَّاهر إلى الاستعداد الباطني. كما يميِّز هذا التَّعريف بدقَّة بين السَّخاء والجود والبخل والشح، ما يضفي بعدًا تحليليًّا يساعد على ضبط المصطلحات ومنع التَّداخل بينها.
أمَّا التَّعريف الثَّالث، فيوسِّع دائرة السَّخاء لتشمل الجانب السُّلوكي والأخلاقي العام؛ ولا يقتصر على سهولة الإنفاق؛ وإنَّما يربطه أيضًا بتجنُّب المكاسب المذمومة والطُّرق غير المشروعة في تحصيل المال. وهذا الرَّبط يكشف عن تصور شمولي للسَّخاء، يجمع بين طهارة الكسب وحسن البذل، ويؤكِّد أنَّ العطاء لا يكتسب قيمته إلَّا إذا صدر عن مال مشروع ونفسٍ لينة، وهو ما يدعمه الاشتقاق اللغوي من "الأرض السَّخاوية" بما تحمله من دلالة الليونة والاستعداد للإنبات.
وبناءً على ذلك، يمكن القول: إنَّ هذه التَّعاريف، على اختلاف منطلقاتها، تتكامل في رسم صورة شاملة للسَّخاء بوصفه خُلُقًا مركَّبًا يجمع بين السعة النَّفسيَّة، والاستعداد الباطني، والفعل المنضبط بالحكمة، والممارسة الأخلاقيَّة المرتبطة بطهارة الكسب. وهذا التَّكامل يعكس النَّظرة الإسلاميَّة للسَّخاء باعتباره قيمة أخلاقيَّة واعية، لا مجرَّد اندفاع عاطفي أو سلوك اقتصادي منفصل عن البعد الإيماني.
أمَّا بالرُّجوع إلى النُّصوص الشَّريفة للكشف عن حقيقة السَّخاء في صورته الأسمى، فإننا نجد مجموعة من الرِّوايات الشَّريفة التي ترسم ملامح هذا الخُلُق بعيدًا عن الفهم السَّطحي أو الممارسات غير المنضبطة. فالسَّخاء، في الرُّؤية الإسلاميَّة، ليس اندفاعًا غير محسوب في الإنفاق، ولا تفريطًا في المال تحت عنوان العطاء؛ وإنَّما هو سلوك واعٍ تحكمه القيم الشَّرعيَّة والضَّوابط العقليَّة.
فقد ورد عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) قوله: "أَفْضَلُ السَّخَاءِ أَنْ تَكُونَ بِمَالِكَ مُتَبَرِّعًا وَعَنْ مَالِ غَيْرِكَ مُتَوَرِّعاً" (9). وهو نصّ يضع معيارًا دقيقًا للسَّخاء الحقِّ، ويربطه بحرية البذل فيما يملكه الإنسان، مقرونًا بالتَّحفُّظ الكامل اتِّجاه حقوق الآخرين وأموالهم. ويكشف هذا التَّحديد عن أنَّ السَّخاء الحقيقي يقوم على الجمع بين العطاء الواعي والنَّزاهة، فلا يتحقَّق مع التَّعدِّي أو التَّهاون في حقوق الآخرين.
وفي المجال نفسه، يوضِّح الإمام الصَّادق (عليه السلام) أنَّ السَّخاء لا يُختزل في كثرة الإنفاق، ولا يُقاس بحجم المال المصروف؛ ولكن يُقاس بمدى انسجام العطاء مع الحقِّ، فيقول: "لَيسَ السَّخِيُّ المُبَذِّرَ الذي يُنفِقُ مالَهُ في غَيرِ حَقِّهِ، ولكنَّهُ الذي يُؤَدِّي إلى اللهِ (عزَّ وجلَّ) ما فَرَضَ علَيهِ في مالِهِ مِنَ الزَّكاةِ وغَيرِها" (10). وعلى هذا الأساس، فإنَّ السَّخاء يظهر أوَّلًا في أداء ما فرضه الله (تعالى) في المال، كالزَّكاة وسائر الحقوق الواجبة، ثمَّ فيما يتبع ذلك من إنفاق مشروع ينسجم مع مقاصد الشَّريعة.
ويؤكِّد الإمام الصَّادق (عليه السلام) هذا المعنى في رواية أخرى، حين يعرِّف السَّخي الكريم، فيقول: "السَّخِيُّ الكريمُ الذي يُنفِقُ مالَهُ في حَقٍّ" (11). وهو تعريف موجز؛ لكنه بالغ الدلالة، ويربط الكرم والسَّخاء بميزان العدالة والغاية المشروعة.
ومن هذه النُّصوص، يتَّضح أنَّ السَّخاء في صورته الأكمل هو نتاج وعيٍ يجمع بين سلامة المقصد، وصحة المسار، والتزام الحقِّ، بعيدًا عن مظاهر الإسراف أو الاستعراض، ليغدو بذلك قيمة راسخة تعبِّر عن نضج الإيمان واستقامة السُّلوك.
المحور الثَّالث: الفرق بين السَّخاء والكرم
بين السَّخاء والكرم قواسم مشتركة وفروقات، "أمَّا المشتركات تكمن في البذل؛ إذ إنَّ الكرم يعني إفادة ما ينبغي دون انتظار مقابل؛ فمن يعطي المال لتحقيق منفعة شخصيَّة أو لتجنُّب الذَّم، لا يُعد كريمًا" (12)، "والسَّخاء كذلك بذل؛ ولكنه يتميَّز بأنَّه بذل ابتدائي دون طلب مسبق، كما يشمل السَّخاء أيضًا مقدِّمات العطاء، مثل تلبية الدَّعوة، وتشجيع الآخرين على قبول عطاياه"(13).
ويتجلَّى الفرق بين السَّخاء والكرم بشكلٍ واضح عند التَّأمل في تصنيف النَّبي (صلَّى الله عليه وآله) للنَّاس وفق سلوكهم اتِّجاه الذَّات والغير، حيث يقول: "الرِّجالُ أربعةٌ: سَخِيٌّ، وكَريمٌ، وبَخيلٌ، ولَئيمٌ. فالسَّخِيُّ: الّذي يأكُلُ ويُعطي، والكريمُ: الَّذي لا يأكُلُ ويُعطي، والبخيلُ: الّذي يأكلُ ولا يُعطي، واللَّئيمُ: الَّذي لا يأكُلُ ولا يُعطي"(14).
ويشير النَّبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في هذا التَّقسيم إلى مزيج من الصِّفات المرتبطة بالعطاء والانتفاع. فالسَّخي هو الذي يجمع بين الانتفاع لنفسه والعطاء للآخرين، فيأكل ويعطي، وهو بذلك يجسِّد التَّوازن بين حقِّ النَّفس وحقِّ الغير، ويعكس مستوى عاليًا من المبادرة والوفرة في التَّعامل مع الموارد. أمَّا الكريم، فيعطي للآخرين على حساب نفسه، فلا ينتفع بما يملك، ويقدِّم منفعة الآخرين على راحته، ممَّا يعكس تضحيةً عميقة؛ لكنَّه قد يقصر في الاعتناء بحقوق الذَّات. في المقابل، يمثِّل البخيل من يأخذ لنفسه دون أن يمنح غيره شيئًا، فيجمع بين الاستحواذ وحجب العطاء، بينما يجمع اللئيم بين الامتناع عن الانتفاع بالذَّات والامتناع عن إفادة الآخرين، فيكون أبعد ما يكون عن كلٍّ من الكرم والسَّخاء.
المحور الرَّابع: عوامل الحصول على هذا الخلق
السَّخاء من الفضائل التي يسعى الإنسان إلى تحصيلها، ويمكن الحصول عليه عن طريق مجموعة من العوامل النَّظريَّة والعمليَّة. ومن أبرز هذه العوامل:
1. التَّدبر في الثَّواب العظيم
بمعنى أن يعي الإنسان قيمة ما ينتظره من جزاء أسمى عند الله (تعالى) نتيجة أعماله الصَّالحة، وأن يدرك أنَّ هذه الجائزة تتجاوز حدود الدُّنيا لتصل إلى مقام القرب الإلهي، وتأمين النَّجاة في الآخرة. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (15).
فالآية تربط بين العمل الصَّالح والنَّتيجة بشكل مباشر، موضحةً أنَّ كلَّ بذرة خير يزرعها الإنسان تعود عليه أجرها عند الله (سبحانه)، سواء في صورة ثواب، أو كرامة في مقامه الأخروي. وهذا الفهم يجعل الأعمال الصَّالحة أكثر حضورًا في النَّفس، ويحفِّز الإنسان على الإخلاص والمثابرة؛ لأنَّه يدرك أنَّ ما يقدِّمه من خير هو استثمار في ذاته، ومسار يوصله إلى رضا الله (تعالى)، والقرب منه، والنَّجاة في الآخرة.
رُوي أنَّ الامام جعفر بن محمَّد الصَّادق (عليهما السلام) قال لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ وَيُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ؟ "
فَقَالَ: بَلَى، جُعِلْتُ فِدَاكَ.
فَقَالَ لَهُ: "عَلَيْكَ بِالسَّخَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) خَلَقَ خَلْقاً لِرَحْمَتِهِ، فَجَعَلَهُمْ لِلْمَعْرُوفِ أَهْلًا، وَلِلْخَيْرِ مَوْضِعًا، وَلِلنَّاسِ وَجْهًا، يَسْعَى إِلَيْهِمْ لِكَيْ يَحْيَوْنَ بِهِمْ كَمَا يُحْيِي الْمَطَرُ الْأَرْضَ الْجَدْبَةَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْآمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (16).
ويظهر من هذا الحديث أنَّ السَّخاء يتجاوز كونه فعلًا ماديًا، ليصبح قوَّة فعَّالة في المجتمع، تُحيي القلوب وتوثِّق العلاقات الإنسانيَّة على أسسٍ من الرَّحمة والعدل، كما يحيي المطر الأرض البور.
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بن جعفر (عليهما السَّلام) أنهُ قَالَ: "السَّخِيُّ الْحَسَنُ الْخُلُقِ فِي كَنَفِ اللَّهِ لَا يَتَخَلَّى اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا وَلَا وَصِيًّا إِلَّا سَخِيًّا، وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الصَّالِحِينَ إِلَّا سَخِيًّا، وَمَا زَالَ أَبِي يُوصِينِي بِالسَّخَاءِ حَتَّى مَضَى، وَقَالَ: مَنْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ الزَّكَاةَ تَامَّةً فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعِهَا، لَمْ يُسْأَلْ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَ مَالَكَ" (17). ما يدل على أنَّ السَّخاء الحقيقي قائم على الحقِّ والعدالة، وليس مجرَّد عطاء ظاهر.
2. مجاهدة النَّفس
إنَّ الميل إلى الاحتفاظ بالمال أو الامتناع عن إفادته للآخرين غالبًا ما ينبع من وساوس الشَّيطان التي تهدف إلى إحباط الخير وعرقلة الفعل الصَّالح. وفي هذا السِّياق، تُعدُّ مجاهدة النَّفس تدريبًا متواصلًا للرُّوح على التَّحرر من قيود الأنانيَّة والغرور، وإكسابها عادة العطاء الطَّوعي والكرم، بما يرسِّخ نضج الإنسان ويقرِّبه إلى مراتب القرب الإلهي.
إنَّ الانتصار على البخل والسَّيطرة على الميول الذاتيَّة يُحوّل القيم الأخلاقيَّة من مجرَّد مفاهيم نظريَّة إلى ممارسات حياتيَّة فعليَّة. وعليه، يصبح السَّخاء نمط حياة متكاملًا، يجمع بين رغبة خالصى في الخير، ووعيٍ عميق بمسؤوليَّة الفرد اتِّجاه الآخرين، وامتثال عملي للفضائل، ليؤثِّر بذلك إيجابًا على حياة الفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.
المحور الخامس: الفرق بين سخاء أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم
عند مراجعة التَّاريخ، نجد أنَّ البعض اشتهروا بالسَّخاء أو الكرم، مثل معن بن زائدة وحاتم الطَّائي، فما هو الفرق بين سخائهم وسخاء المعصومين (صلوات الله عليهم)؟
الجواب: هناك أكثر من فرق؛ ولكن نشير إلى ثلاثة منها:
الأوَّل: السَّخاء ابتداءً
إنَّ سخاء أولئك يتمثَّل في عمليَّة معاوضة؛ يأتي السَّائل المحتاج طالبًا العطاء فيُعطى، أمَّا منهاج المعصومين (صلوات الله عليهم) في السَّخاء، فهو ما قاله الإمام عليُّ المرتضى (عليه السلام): "السَّخَاءُ مَا كَانَ ابْتِدَاءً، فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَحَيَاءٌ وتَذَمُّمٌ" (18).
وينسب للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام):
نَحْنُ أُنَاسٌ نَوَالُنَا خُضْلٌ * يَرْتَعُ فِيهِ الرَّجَاءُ وَالْأَمَلُ
تَجُودُ قَبْلَ السُّؤَالِ أَنْفُسُنَا * خَوْفاً عَلَى مَاءِ وَجْهِ مَنْ يَسَلُ
لَوْ عَلِمَ الْبَحْرُ فَضْلَ نَائِلِنَا * لَغَاضَ مِنْ بَعْدِ فَيْضِهِ خَجِلٌ (19).
وممَّا روي في أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه كان يقول لمن يأتيه: "اكتب حاجتك على الأرض فإنِّي أكره أن أرى ذلَّ السُّؤال في وجهك" (20).
فكانوا (عليهم السلام) في أغلب الأحيان، يجيبون السَّائل ويعطونه قبل أن يذكر حاجته، و"لا يخفى على اللبيب أنَّ السَّائل إذا كان ذا عزةٍ وكرامةٍ لا يهون عليه أن يبذل ماء وجهه إلَّا إذا اضطر لذلك، ووجد ذا دين أو مروءةٍ أو حسب فينهض إليه يعرض حاجته فتتعثر قدماه لأذيال الحياء، وتتردَّد خطاه فيقوم بدافع الفقر، والضَّائقة، ويحجم بدافع العزَّة والإباء ثمَّ لا يجد بدًّا من يعرب عن حاجته، وهو يحسُّ أنَّه باع ماء وجهه، ولا يدري ماذا سيشتري به؟..." (21).
هذا ما يخطر ببال السَّائل، وأمَّا من يتوجَّه إلى آل الرَّسول محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) فإنَّه لا يعود إلَّا مُكرَّمًا، بمالٍ موفور، وحاجة مقضيَّة، وكرامة محفوظة.
ثانيًا: تحويل الفقير السَّائل إلى غنيٍّ عامل
فما من فقير أو سائل أو محتاج قصد آل محمَّد (صلوات الله عليهم) إلَّا ورجع وقد قضيت حاجته، دون أن يشكو الفقر بعدها؛ جاء رجل إلى الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، فقال له:
لم يبقَ لي شيءٌ يُباعُ بِدرهَمٍ * يَكفيكَ رؤيةً منظَري عن مخبَري
إلَّا بقايا ماءَ وجهٍ صنتُهُ * ألَّا يُباعَ وقدْ وجدتكَ مشتري
فدعا الإمام (عليه السلام) خادمه، وقال له: ما مقدار ما عندك؟
قال: إثنا عشر ألف درهم، قال ادفعها إلى هذا الرَّجل، وأنا منه خجل، قال: لم يتبقَ للنفقة شيءٌ. قال: ادفعها إليه، وأحسن ظنَّك بالله (تعالى)، ثمَّ دعا للرَّجل، ودفع إليه المال، واعتذر قائلًا: لم نعطك حقَّك؛ بل أعطيناك بقدر الموجود، ثمَّ أنشد (عليه السلام):
عاجلْتنَا فأتاكَ وابلُ برِّنا * طلّا ولو أمهَلتَنا لم نقصُرِ
فخذِ القليلَ وكنْ كانّكَ لم تَبِعْ * ما صنَتهُ وكأننّا لم نَشترِ" (22).
وروي: "أنَّه قصد رجل الحسن بن علي (عليهما السلام)، فقال: "يا أمير المؤمنين بالذي أنعم عليك بهذه النِّعمة التي لم تنلها منه بشفيع منك إليه؛ بل إنعامًا منه عليك إلَّا ما أنصفتني من خصمي، فإنَّه غشوم ظلوم لا يوقر الشيخ الكبير، ولا يرحم الطفل الصغير، وكان (عليه السلام) متكئًا فاستوى جالسًا، وقال له: من خصمك حتَّى انتصف لك منه؟
فقال له: الفقر، فأطرق ساعة، ثمَّ رفع رأسه إلى خادمه، وقال له: أحضر ما عندك من موجود، فأحضر خمسة آلاف درهم، فقال: ادفعها إليه، ثمَّ قال له: بحقِّ هذه الأقسام التي قسمت بها عليَّ متى أتاك خصمك جائرًا إلَّا ما أتيتني منه متظلمًا" (23).
وممَّا روي: "خَرَجَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (عليهما السلام) وَعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ حُجَّاجاً فَفَاتَهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَجَاعُوا وَعَطِشُوا فَمَرُّوا بِعَجُوزٍ فِي خِبَاءٍ لَهَا.
فَقَالُوا: هَلْ مِنْ شَرَابٍ؟
فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَأَنَاخُوا بِهَا وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا شُوَيْهَةٌ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَتْ احْلُبُوهَا وَامْتَذِقُوا لَبَنَهَا فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا لَهَا: هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ قَالَتْ: لَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاةُ فَلْيَذْبَحَنَّهَا أَحَدُكُمْ حَتَّى أُهَيِّئَ لَكُمْ شَيْئاً تَأْكُلُونَ، فَقَامَ إِلَيْهَا أَحَدُهُمْ فَذَبَحَهَا وَكَشَطَهَا، ثُمَّ هَيَّأَتْ لَهُمْ طَعَاماً، فَأَكَلُوا، ثُمَّ أَقَامُوا حَتَّى أَبْرَدُوا فَلَمَّا ارْتَحَلُوا، قَالُوا لَهَا: نَحْنُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ نُرِيدُ هَذَا الْوَجْهَ فَإِذَا رَجَعْنَا سَالِمِينَ فَأَلِمِّي بِنَا فَإِنَّا صَانِعُونَ إِلَيْكَ خَيْرًا.
ثُمَّ ارْتَحَلُوا، وَأَقْبَلَ زَوْجُهَا، وَأَخْبَرَتْهُ عَنِ الْقَوْمِ وَالشَّاةِ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ، وَقَالَ: وَيْحَكِ أَتَذْبَحِينَ شَاتِي لِأَقْوَامٍ لَا تَعْرِفِينَهُمْ، ثُمَّ تَقُولِينَ: نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ أَلْجَأَتْهُمُ الْحَاجَةُ إِلَى دُخُولِ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَاهَا، وَجَعَلَا يَنْقُلَانِ الْبَعْرَ إِلَيْهَا، وَيَبِيعَانِهِ، وَيَعِيشَانِ مِنْهُ، فَمَرَّتِ الْعَجُوزُ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا الْحَسَنُ (عليه السلام) عَلَى بَابِ دَارِهِ جَالِسٌ، فَعَرَفَ الْعَجُوزَ وَهِيَ لَهُ مُنْكِرَةٌ، فَبَعَثَ غُلَامَهُ، فَرَدَّهَا، فَقَالَ: لَهَا يَا أَمَةَ اللهِ أَتَعْرِفِينَنِي؟
قَالَتْ: لَا. قَالَ: أَنَا ضَيْفُكِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَتِ الْعَجُوزُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَسْتُ أَعْرِفُكَ. فَقَالَ: فَإِنْ لَمْ تَعْرِفِينِي فَأَنَا أَعْرِفُكِ فَأَمَرَ الْحَسَنُ (عليه السلام)، فَاشْتَرَى لَهَا مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ أَلْفَ شَاةٍ، وَأَمَرَ لَهَا بِأَلْفِ دِينَارٍ وَبَعَثَ بِهَا مَعَ غُلَامِهِ إِلَى أَخِيهِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام)، فَقَالَ: بِكَمْ وَصَلَكِ أَخِيَ الْحَسَنُ، فَقَالَتْ: بِأَلْفِ شَاةٍ وَأَلْفِ دِينَارٍ، فَأَمَرَ لَهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ غُلَامٍ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ جَعْفَرٍ (عليه السلام)، فَقَالَ: بِكَمْ وَصَلَكِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ (عليهما السلام)، فَقَالَتْ: بِأَلْفَيْ دِينَارٍ وَأَلْفَيْ شَاةٍ فَأَمَرَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ وَأَلْفَيْ شَاةٍ، وَقَالَ: لَوْ بَدَأْتِ بِي لَأَتْعَبْتُهُمَا، فَرَجَعَتِ الْعَجُوزُ إِلَى زَوْجِهَا بِذَلِكَ" (24).
ثالثًا: ارتباط السَّخاء بالموعظة
لم يكن عطاؤهم (عليهم السلام) مالًا يُدفع فحسب؛ كان نورًا يُشعّ في القلوب. كانوا إذا بذلوا أعطوا اليدَ والقلبَ معًا؛ يسدُّون خَلّةَ المحتاج، ويُشيِّدون في روحه صرح الهداية. فكان المعروف عندهم رزقًا للجسد، وكلمةُ النُّصح زادًا للرُّوح، حتَّى يخرج السَّائل وقد امتلأت يداه خيرًا، وامتلأ قلبه بصيرةً وطمأنينة؛ عن الإمام الصَّادق (عليه السلام): "إِنَّ رَجُلًا مَرَّ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَرْشِدْنِي. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: دُونَكَ الْفِتْيَةَ الَّتِي تُرَى وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فِيهَا الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ وَعَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ، فَمَضَى الرَّجُلُ نَحْوَهُمْ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ. فَقَالَ لَهُ: الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ (عليهما السلام): يَا هَذَا إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ دَمٍ مُفْجِعٍ أَوْ دَيْنٍ مُقْرِحٍ أَوْ فَقْرٍ مُدْقِعٍ فَفِي أَيِّهَا تَسْأَلُ؟
فَقَالَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ، فَأَمَرَ لَهُ الْحَسَنُ (عليه السلام) بِخَمْسِينَ دِينَاراً، وَأَمَرَ لَهُ الْحُسَيْنُ (عليه السلام) بِتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِينَاراً، وَأَمَرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِينَاراً، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَمَرَّ بِعُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعْتَ فَقَالَ مَرَرْتُ بِكَ فَسَأَلْتُكَ فَأَمَرْتَ لِي بِمَا أَمَرْتَ وَلَمْ تَسْأَلْنِي فِيمَا أَسْأَلُ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْوَفْرَةِ (25) لَمَّا سَأَلْتُهُ قَالَ لِي يَا هَذَا فِيمَا تَسْأَلُ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ فَأَخْبَرْتُهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَأَعْطَانِي خَمْسِينَ دِينَاراً وَأَعْطَانِي الثَّانِي تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ دِينَاراً وَأَعْطَانِي الثَّالِثُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِينَاراً، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَمَنْ لَكَ بِمِثْلِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ أُولَئِكَ فَطَمُوا الْعِلْمَ فَطْماً وَحَازُوا الْخَيْرَ وَالْحِكْمَةَ..." (26).
وقصد أعرابي الإمام الحسين (عليه السلام) فسلم عليه وسأله حاجته، وقال: سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة
فاسألوها من أربعة، إمَّا عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح، فأمَّا العرب فشرفت بجدك، وأمَّا الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأمَّا القرآن ففي بيوتكم نزل، وأمَّا الوجه الصَّبيح فإنِّي سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: إذا أردتم أن تنظروا إليَّ، فانظروا إلى الحسن والحسين.
فقال له الحسين (عليه السلام): "ما حاجتك"؟
فكتبها الأعرابي على الأرض، فقال له الحسين (عليه السلام): "سمعت أبي عليًّا يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أجبت عن واحدة، فلك ثلث ما عندي، وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبت عن الثَّلاث فلك كلُّ ما عندي، وقد حملت إليَّ صرَّة من العراق".
فقال الأعرابي: سل ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله. -وهذه ملاطفة منه إزاء الموقف اللطيف من الإمام (عليه السلام) -
- فسأله- الإمام الحسين (عليه السلام): "أيُّ الأعمال أفضل"؟
الأعرابي: الإيمان بالله.
الإمام الحسين (عليه السلام): "ما نجاة العبد من الهلكة "
الأعرابي: الثِّقة بالله.
الإمام الحسين (عليه السلام): "ما يزين المرء"؟
الأعرابي: علم معه حلم.
الإمام الحسين (عليه السلام): "فإن أخطأه ذلك"؟
الأعرابي: مال معه كرم.
الإمام الحسين (عليه السلام): "فإن أخطأه ذلك"؟
الأعرابي: فقر معه صبر.
الإمام الحسين (عليه السلام): "فإن أخطأه ذلك"؟
الأعرابي: صاعقة تنزل من السَّماء فتحرقه.
فضحك الإمام (عليه السلام)، ورمى إليه بالصرَّة" (27).
وفي ختام هذه الرِّحلة مع السَّخاء، يتبيَّن لنا أنَّه ليس خُلُقًا عابرًا، ولا سلوكًا موسميًّا يرتبط بظرفٍ أو مناسبة؛ وإنَّما هو نورٌ إذا استقرَّ في القلب أضاء طريق الإنسان كلَّه. إنَّه انتقالٌ من ضيق الأنا إلى سَعة العطاء، ومن حسابات الخسارة الدنيويَّة إلى يقين الرِّبح الأخروي، ومن التَّعلُّق بالمادَّة إلى الارتباط بالله (تعالى).
كما أنَّ التأمُّل في سيرة أهل البيت (عليهم السلام) يُعلِّمنا أنَّ السَّخاء في أسمى مراتبه ليس مجرَّد استجابة لسؤال؛ بل مبادرة تحفظ ماء الوجه، وتُغني الفقير، وتربِّي الرُّوح، وتربط العطاء بالموعظة، فيخرج المحتاج وقد شُفيت حاجته الماديَّة، واستنار قلبه بنور الهداية. هناك يتحوَّل العطاء إلى رسالة، والمال إلى وسيلة إصلاح، والسَّخاء إلى مشروع بناء إنساني متكامل.
إنَّ عالمنا اليوم، بكلِّ ما فيه من تنافسٍ ماديٍّ وضغطٍ نفسيٍّ، أحوج ما يكون إلى إحياء هذا الخُلُق؛ باعتباره ثقافة مجتمعيَّة تُشيع الطَّمأنينة، وتزيد التَّراحم، وتردم الفجوات بين القلوب. فالسَّخيُّ يمنح الآخرين شعورًا بالأمان، ويمنح نفسه سكينةً لا تُشترى.
فلنجاهد أنفسنا على هذا الطَّريق، ولنُربِّ أبناءنا على حبِّ البذل، ولنستحضر دائمًا أنَّ ما نُخرجه من أيدينا لا يضيع، ويعود إلينا مضاعفًا عند الله (سبحانه)، وأنَّ كلَّ عطاءٍ صادقٍ هو خطوة نحو الجنَّة، وغصنٌ نتعلَّق به من شجرةٍ أصلها في السَّماء. وهكذا يبقى السَّخاء نورًا يضيء القلوب، وجسرًا يعبر بنا إلى رضوان الله (عزَّ وجلَّ)، ووسيلةً نصنع بها إنسانًا أقرب إلى ربِّه (تعالى)، وأرحم بخلقه، وأسمى في عطائه.