انقسام شنغهاي: ما وراء قفزات سعر الفضة؟
Fifreedomtoday
2026-01-22 04:02
الذهب قد يكون عملة الملوك، لكن الفضة اليوم أصبحت وقود المستقبل.. وسلاحاً في معركة جيوسياسية صامتة. في غضون 19 يوماً فقط من عام 2026، شهدنا قفزة بنسبة 33% في أسعار الفضة لتلامس حاجز الـ 94 دولاراً للأونصة. رقم مذهل، أليس كذلك؟ لكن السعر الظاهر على الشاشات ليس هو القصة الحقيقية. القصة الحقيقية تكمن فيما يمكن تسميته «انقسام شنغهاي» (The Shanghai Fracture). بينما يرى العالم الفضة بسعر 94 دولاراً، يدفع المشترون في الصين «علاوة سعرية» (Premium) تصل إلى 11 دولاراً إضافية، ليشتروا الأونصة بـ 105 دولارات. هذه الفجوة السعرية هي الأضخم منذ عام 2011، وهي ليست مجرد خلل في السوق.. بل هي إعلان صريح بأن قواعد اللعبة قد تغيرت.
لماذا ينكسر سوق الفضة الآن؟ ولماذا يجب أن تنتبه؟ إليك القراءة المتعمقة للأسباب الأربعة:
فخ العرض الهيكلي (The Supply Trap): كثيرون يعتقدون أن ارتفاع السعر يعني زيادة الإنتاج تلقائياً. في الفضة، هذه القاعدة لا تعمل. لماذا؟ لأن 75% من الفضة المستخرجة هي مجرد «منتج ثانوي» (Byproduct) لمناجم النحاس والرصاص. لا يمكنك ببساطة «فتح الصنبور» لضخ المزيد. نحن نعيش عجزاً هيكلياً في المعروض للعام الخامس على التوالي. الرياضيات هنا لا تكذب: الطلب يلتهم العرض، والمناجم لا تستطيع اللحاق بالركب.
جوع التكنولوجيا.. ولا يوجد «خطة بديلة»: الفضة هي العنصر الأكثر توصيلًا للكهرباء على وجه الأرض. في عالم يتحول للكهرباء والذكاء الاصطناعي، الفضة ليست خياراً، بل ضرورة.
الطاقة الشمسية: تبتلع وحدها 197 مليون أونصة سنوياً.
السيارات الكهربائية (EVs): تستهلك ضعف كمية الفضة التي تحتاجها سيارات الاحتراق الداخلي.
الذكاء الاصطناعي (AI): مراكز البيانات العملاقة تضيف طبقة جديدة وشرسة من الطلب لم تكن في الحسبان.
سور الصين العظيم.. من الفضة: الصين لا تكتفي بالإنتاج، بل تهيمن على التكرير بنسبة 70%. ويبدو أن بكين قررت أن «الكفاية قد حانت». فرضت الصين قيوداً صارمة على التصدير، وحصرت الإمدادات في 44 شركة حكومية فقط. الرسالة واضحة: الفضة التي ننتجها، ستبقى هنا لخدمة هيمنتنا في الطاقة الشمسية والسيارات الكهربائية. الصين تحول الفضة من سلعة تجارية إلى مخزون استراتيجي للأمن القومي.
نزيف المخزونات الغربية: الأسواق تكره الفراغ، ورأس المال يبحث عن الربح. التجار الغربيون لاحظوا «علاوة شنغهاي»، وبدأوا في إفراغ الخزائن الغربية لشحن المعدن إلى الشرق للاستفادة من فرق السعر. النتيجة؟ المخزونات «المرئية» في الغرب تتبخر، ومعدلات تأجير الفضة (Lease rates) تقفز فوق 8%. السوق الغربي يجف، والفضة تهاجر شرقاً.
الخلاصة: إعادة تصنيف الأصول ما نراه اليوم يشبه تماماً ما حدث مع «العناصر الأرضية النادرة» (Rare Earths) قبل سنوات. يتم الآن إعادة تصنيف الفضة: هي لم تعد مجرد سلعة للمضاربة في البورصات، بل «أصل استراتيجي». إذا كنت تعتقد أن الأسابيع الأولى من 2026 كانت متقلبة، فاستعد لما هو قادم. هذا النقص ليس مؤقتاً، إنه هيكلي. ونحن فقط في بداية القصة.
في عالم تتآكل فيه الثقة، وتشتعل فيه حرب الموارد.. الأصول الحقيقية هي التي تتحدث.