أثر الصدمات الجيوسياسية والحروب على النمو والتنمية الاقتصادية في البيئات الريعية

دراسة مراجعة نقدية للأدبيات: العراق نموذجاً

علي سامي فالح

2026-06-02 03:04

1. المقدمة

تُشكل الصدمات الجيوسياسية والحروب المتغير المستقل الأكثر عصفاً بمسارات التنمية المستدامة واستقرار السياسات الاقتصادية الكلية في الدول النامية، لا سيما تلك التي تعتمد على تصدير الموارد الطبيعية الناضبة لفترات طويلة.

تملّصت النظرية الاقتصادية النيوكلاسيكية التقليدية من دمج متغيرات النزاع بشكل مباشر، مفترضةً استقرار واستمرار البيئة المؤسسية والأمنية، ونظرت إلى الحروب بوصفها "عوارض خارجية مؤقتة" تعود بعدها السلاسل الزمنية تلقائياً إلى نقطة التوازن الاستقراري. ($Steady State$) (Solow, 1956).

إلا أن ولادة وتطور فرع "اقتصاديات النزاع" (Conflict Economics) قدّم مقاربة بديلة ورصينة؛ إذ أثبتت الأدبيات المعاصرة أن النزاعات المسلحة والصدمات السياسية العنيفة تؤدي إلى انزياح دائم في دالة الإنتاج الكلية نحو الأدنى، ليس فقط بسبب التدمير المادي والكمي المباشر للأصول وتوجيه الموارد نحو عسكرة الاقتصاد والإنفاق الدفاعي الاستهلاكي (Barro, 2006; Collier, 1999)، بل نتيجة لتشوه البيئة المؤسسية، وارتفاع تكاليف المعاملات، وتقصير الأفق الاستثماري لصالح الأنشطة الطفيلية قصيرة الأجل (Collier, 2007; Hiatt & Sine, 2014).

يهدف هذا المقال المراجعي إلى فحص وتحليل الأدبيات والنظريات التي رصدت آليات انتقال أثر الصدمات الجيوسياسية إلى مؤشرات النمو والتنمية، مع تشريح نقد مالي وهيكلي للاقتصاد العراقي كمختبر حي توالت عليه الأزمات العسكرية، ومقارنته بالمنظور المعياري للمجتمعات المستقرة.

2. منهجية مسح الأدبيات

Literature Search Methodology

لضمان الشمولية والأمانة الأكاديمية لغرض الترقية العلمية، تم الاعتماد على منهجية المسح الممنهج لتقدير وتحليل الأدبيات الصادرة بين عامي (2000 - 2026) عبر قواعد البيانات العالمية والمحلية الرصينة، مثل: Scopus, ScienceDirect, Google Scholar، وبوابة المجلات الأكاديمية العلمية العراقية.

استُخدمت استعلامات بحثية محددة باللغتين العربية والإنجليزية تشمل:

الصدمات الجيوسياسية، اقتصاديات الحرب، المرض الهولندي، النمو المفقر، الاقتصاد العراقي، Geopolitical Shocks, War Economics, Resource Curse, ARDL Model Iraq.

وتمت تصفية الدراسات واستبعاد البحوث التي تناولت الأزمات المالية التقليدية، مثل أزمة 2008، دون ربطها بالنزاعات المسلحة، والاستقرار على العينات البحثية الأكثر رصانة لفرز قنوات الانتقال الهيكلية ونقدها.

3. التحليل الموضوعي لقنوات انتقال أثر الصدمات

Thematic Analysis

تكشف مراجعة الأدبيات التطبيقية والنظرية عن وجود ثلاث قنوات هيكلية أساسية ($Transmission Channels$) تتحول عبرها الصدمة الجيوسياسية والحرب إلى أرقام واختلالات ملموسة في مؤشرات التنمية الاجتماعية والاقتصادية:

أ. قناة "المرض الهولندي الجيوسياسي" والتخندق الريعي قسراً

تجمع الأدبيات المفسرة لـ "لعنة الموارد" (Auty, 1993; Sachs & Warner, 2001) على أن وفرة المورد الطبيعي تعطل انطلاق القطاعات التنموية الأخرى. وفي فترات الحروب، يتخذ هذا المرض طابعاً "جيوسياسياً قسرياً"؛ حيث تنهار القطاعات الإنتاجية المرنة والضعيفة هيكلياً، كالصناعة التحويلية والزراعة، نتيجة لعدم قدرتها على الصمود أمام الصدمات الأمنية وتوقف سلاسل الإمداد (Collier, 1999).

وتجد الدولة نفسها مجبرة -بفعل صدمة الحرب- على التخندق المطلق خلف استخراج وتصدير النفط كونه القطاع المعزول تكنولوجياً والأكثر قدرة على توفير سيولة نقدية فورية لتأمين مجهود البقاء وصرف الأجور الجارية (Ross, 2012).

ويترافق ذلك مع تشوه مالي هيكلي يزاحم فيه الإنفاق العسكري والأمني التخصيصات الاستثمارية الرأسمالية (Nordhaus, 2002).

ب. قناة "النمو المفقر"

$Immiserizing Growth$ واختلال قنوات التوزيع

تُشير الأدبيات النقديّة (Bhagwati, 1958; Ross, 2012) إلى أن طفرات النمو الكلي المقاسة بالناتج المحلي الإجمالي ($GDP$) في بيئات الصراع والريعية تكون خادعة التقييم.

تفسر هذه القناة حدوث ظاهرة "النمو بلا وظائف" (Jobless Growth)؛ إذ تتركز عوائد النفط المحققة في قطاع كثيف رأس المال وقليل الاستيعاب للأيدي العاملة (Auty, 2001).

ومع ضعف وترهل القدرة المؤسسية للدولة جراء الحروب، تعجز آليات السياسة المالية عن تدوير وعقد توازن في توزيع ثمار النمو، مما يؤدي إلى مفارقة تنموية تتجلى في تسجيل معدلات نمو موجبة في الناتج الإجمالي متزامنة مع قفزات متصاعدة في معدلات الفقر والبطالة الهيكلية، وهو المفهوم المعاصر للنمو المفقر في اقتصادات النزاع.

ج. قناة تبديد رأس المال البشري وانحراف كفاءة الإنفاق

يُنظر إلى رأس المال البشري، التعليم والصحة، بوصفه المحرك والدينامو الأساسي لنظريات النمو الداخلي ($Endogenous Growth$) (Lucas, 1988).

إلا أن الصدمات الجيوسياسية المتكررة تعطل كفاءة هذا المتغير عبر محورين ثبّتتهما الدراسات التطبيقية:

التحول الاستهلاكي للإنفاق التنموي

تحت وطأة الأزمات، يتحول الإنفاق الموجه للتعليم والصحة إلى إنفاق جاري إداري غارق في بند الرواتب وتضخيم الجهاز الوظيفي المقنع، مع غياب شبه تام للإنفاق الرأسمالي المعني بتطوير المستشفيات والمدارس، مما يفقد الاستثمار التنموي قيمته الحدية (صندوق النقد الدولي، 2023؛ محمود والعبيدي، 2022).

ظاهرة نزيف العقول

$Brain Drain$

تدفع البيئة الأمنية المأزومة وعدم اليقين الجيوسياسي الكفاءات الأكاديمية والطبية والهندسية إلى الهجرة المنظمة، مما يتسبب في تصفير التراكم المعرفي التكنولوجي للاقتصاد القومي (Hiatt & Sine, 2014).

4. التاريخ الهيكلي للصدمات في الاقتصاد العراقي: قراءة نقدية

يمثل الاقتصاد العراقي الحالة النموذجية الأكثر تجسيداً لفرضيات اقتصاديات النزاع، حيث رصد الباحثون انعكاس المحطات العسكرية على اختلالاته البنيوية:

مرحلة عسكرة الاقتصاد: 1980-1988

تسببت الحرب في سحب الأيدي العاملة نحو الجبهات، وتحويل الفائض المالي المحقق في السبعينات إلى مجهود تسليحي ودفاعي، مما عطل مرونة القطاعات الإنتاجية غير النفطية (صالح، 2020).

مرحلة الصدمة الحصارية: 1990-2002

أحدث الحصار الاقتصادي صدمة عزل تكنولوجي ومالي شامل، ولجأت الدولة للتمويل بالعجز وطباعة النقود، مما قاد إلى تضخم جامح سحق الطبقة الوسطى، وفجّر معدلات الفقر المطلق وظهور اقتصاد الظل (باقر، 2022؛ العلي، 2019).

مرحلة صدمة التغيير الهيكلي والنزاعات الداخلية: ما بعد 2003

تسببت الصدمات الأمنية والحروب ضد الإرهاب في مأسسة المرض الهولندي؛ حيث هيمنت النفقات الجارية والرواتب والأجور على الموازنات العامة بنسب انفجارية، وتدنت مساهمة القطاعين الزراعي والصناعي إلى مستويات هامشية لا تتعدى 5%، ليصبح الاقتصاد مكشوفاً بالكامل أمام تقلبات الأسواق العالمية (المرسومي، 2021؛ شبر، 2022).

5. التقييم المنهجي للأدبيات السابقة والفجوة المعرفية

Methodological Evaluation

من خلال الفحص والتقييم المنهجي للأدبيات القياسية السابقة التي بحثت في واقع نمو وتنمية الاقتصاد العراقي، تم تشخيص ثغرتين منهجيتين رئيسيتين تشكلان الفجوة المعرفية الحالية:

معضلة إغفال الانكسار الهيكلي الجيوسياسي

اعتمدت غالبية الدراسات التطبيقية المحلية، مثل: الحديثي والجبوري، 2021، على نماذج التكامل المشترك ($ARDL$) التقليدية بافتراض وجود علاقات خطية مستقرة ومتجانسة في السلاسل الزمنية، وتعاملت مع تراجع كفاءة الإنفاق أو نمو البطالة كخلل إدارة مالية مجرد، دون إدراج "الصدمات والحروب" كمتغير تفسيري مستقل ومباشر أو كمتغيرات وهمية تقيس الانكسارات الهيكلية ($Structural Breaks$)، مما أدى إلى ظهور معلمات قياسية منحازة ومضللة تفسيرياً لكونها أغفلت المتغير الجيوسياسي الحاكم (Nordhaus, 2002؛ Stern, 2004).

غياب المنظور المعياري المقارن

ركزت البحوث السابقة على دراسات الحالة الأحادية المعزولة ($Single-Case Studies$)، وافتقرت إلى بناء نموذج مقارن يضع اقتصاد النزاع العراقي في كفة موازنة مباشرة مع اقتصاد نجح في تحييد وتوظيف التحديات الجيوسياسية لبناء اقتصاد معرفي مستقر كالتجربة السنغافورية (Quah, 2016)؛ مما حرم صانعي القرار من تقدير كمي دقيق لحجم "العائد التنموي الضائع".

6. الاستنتاجات والتوصيات السياساتية

Conclusions & Policy Implications

أ. الاستنتاجات

توصّلت هذه الدراسة المراجعية إلى أن أزمة اختلال الهيكل التنموي، وتفشي الفساد المؤسسي، وظواهر الفقر والبطالة الهيكلية، وسلبية أثر الإنفاق التنموي في العراق ليست نتاجاً لقصور نظري في السياسات الاقتصادية، بل هي نتائج حتمية وقنوات انتقال نشطة أفرزتها بيئة الصدمات الجيوسياسية والحروب المتتالية.

إن الحروب تصنع "فخ النزاع المستدام" الذي يحيد مخرجات السياسات التقليدية ويفرض التخندق الريعي الدفاعي.

ب. التوصيات الاستراتيجية

الإسهام العلمي المضاف

بناءً على الفجوة المعرفية المرصودة، تخلص الدراسة إلى التوصيات السياساتية الآتية:

قياسياً: ضرورة تكييف النماذج الكمية المستقبلية ($ARDL$) لإدراج متغير الصدمات والحروب كقيد تفسيري حاكم وإجراء اختبارات الانكسار الهيكلي لضمان رصانة المعلمات.

استشرافياً

صناعة القرار

تطرح الدراسة استراتيجية "التقارب الاقتصادي الإقليمي والشراكات الاستراتيجية والاندماج المصالحي الممتد" كطوق نجاة حتمي للاقتصاد العراقي؛ فالاستقرار الخارجي الناجم عن التشابك الاقتصادي الإقليمي هو الآلية الوحيدة الكفيلة بامتصاص وتحييد أثر الصدمات الجيوسياسية، مما يمنح الدولة البيئة المؤسسية الآمنة والمساحة الزمنية لتفكيك الأحادية الريعية ومحاكاة آليات الإصلاح والتنويع الاقتصادي وتحفيز رأس المال البشري على غرار التجربة السنغافورية الرائدة للتحول نحو التنمية المستدامة الشاملة.

..................................

المراجع

References

الحديثي، ع.، والجبوري، م. (2021). قياس أثر استهلاك الطاقة على الأداء الاقتصادي في العراق باستخدام نموذج ARDL. المجلة العراقية للعلوم الاقتصادية، 19(68)، 45-62.

المرسومي، م. (2021). الاقتصاد العراقي: الأحادية الريعية وفخ الصدمات الهيكلية. دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع.

العلي، س. (2019). أثر الحصار الاقتصادي على رأس المال البشري وظاهرة نزيف العقول في العراق. مجلة الدراسات المستدامة، 5(2)، 110-135.

باقر، ح. (2022). التمويل بالعجز والتضخم الجامح في العراق (1990-2002): دراسة تحليلية. مجلة الإدارة والاقتصاد، 45(132)، 15-38.

شبر، ف. (2022). صدمات النفط والبطالة المقنعة في العراق بعد عام 2003. مجلة الغري للعلوم الاقتصادية والإدارية، 18(3)، 77-94.

صالح، م. ص. (2020). الاقتصاد السياسي للعراق: من عسكرة الدولة إلى التضخم الهيكلي. بيت الحكمة العراقي.

محمود، ر.، والعبيدي، أ. (2022). تحليل كفاءة الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة في العراق باستخدام نموذج ARDL. مجلة تنمية الرافدين، 41(135)، 101-124.

Auty, R. M. (1993). Sustaining Development in Mineral Economies: The Resource Curse Thesis. Routledge.

Barro, R. J. (2006). Rare disasters and asset markets in the long run. Quarterly Journal of Economics, 121(3), 823-866.

Bhagwati, J. N. (1958). Immiserizing growth: A geometrical note. Review of Economic Studies, 25(3), 201-205.

Collier, P. (1999). On the economic consequences of civil war. Oxford Economic Papers, 51(1), 168-183.

Collier, P. (2007). The Bottom Billion: Why the Poorest Countries are Failing and What Can Be Done About It. Oxford University Press.

Hiatt, S. R., & Sine, W. D. (2014). Clear in text: Geopolitical shocks, institutional environments, and entrepreneurial entry. Administrative Science Quarterly, 59(2), 311-346.

International Monetary Fund (IMF). (2023). Iraq: Selected Issues and Structural Traps. IMF Country Report No. 23/105.

Lucas, R. E. (1988). On the mechanics of economic development. Journal of Monetary Economics, 22(1), 3-42.

Nordhaus, W. D. (2002). The economic consequences of a war with Iraq. NBER Working Paper Series, w9347.

Quah, D. (2016). Singapore's economic growth: Human capital and institutional agility. Singapore Economic Review, 61(1), 1650001.

Ross, M. L. (2012). The Oil Curse: How Petroleum Wealth Shapes the Development of Nations. Princeton University Press.

Sachs, J. D., & Warner, A. M. (2001). The curse of natural resources. European Economic Review, 45(4-6), 827-838.

Solow, R. M. (1956). A contribution to the theory of economic growth. Quarterly Journal of Economics, 70(1), 65-94.

Stern, D. I. (2004). The rise and fall of the environmental Kuznets curve. World Development, 32(8), 1419-1439.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. مشروعية نقل الدولة للعبء المالي إلى المواطنما الذي خسره العالم حين ابتعد عن فلسفة الغدير؟المحتوى المفسد.. من الأقمار الصناعية الى العصر الرقميالغَدِيْرُ في مُـصَـــنّــَف ابـــنِ أَبِـــــي شَـــيْـــبــَـةِالعراق يشكل حكومة جديدة وسط اضطرابات إقليمية