ملائكة الرحمة في كربلاء: مفرزة أم الحمام أنموذجاً لخدمة ملايين الزائرين
أوس ستار الغانمي
2026-08-02 03:11
في مواسم الزيارات المليونية، حيث تتدفق الحشود البشرية الهائلة نحو كربلاء المقدسة، تبرز مشاهد التلاحم الإنساني والتفاني المنقطع النظير. وسط زحام الخطوات ولهفة القلوب، يقف جيش من ذوي الرداء الأبيض، يصلون الليل بالنهار لضمان سلامة وصحة الزائرين. لا تقتصر مهمة هؤلاء على تقديم العلاج، إنما تمتد لتشمل الدعم النفسي والتوجيه والإرشاد، ليكونوا بحق صمام الأمان الصحي لهذه الجموع. في هذا التقرير، نسلط الضوء على جهود الكوادر الطبية والتطوعية من خلال نافذة مفرزة "أم الحمام" الطبية، لنرصد عن كثب آليات العمل، التحديات، وحجم التفاني الميداني.
المسؤولية كواجب مقدس
إن خدمة ملايين الزائرين ليست مجرد وظيفة روتينية، بل هي التزام أخلاقي وروحي قبل كل شيء. يصف المعاون الطبي عارف حبيب عريبي، أحد المساهمين في هذا الجهد الإنساني، طبيعة هذه المسؤولية قائلاً بكلمات مقتضبة تحمل معاني عميقة: "مسؤوليتنا في خدمة ملايين الزائرين هي في المقام الأول واجب مكلفين به. نحن نبحث دائماً عن تقديم أحسن خدمة للزائر". ويؤكد عريبي أن الهدف الرئيسي من التواجد في هذه المفارز هو "خدمة زوار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) بأحسن صورة وبكل ما أوتينا من استطاعة"، مشيراً إلى أن الدافع الإنساني والرغبة في الخدمة تدفعه لتوظيف خبرته الواسعة لخدمة الزائرين حتى وإن كان خارج نطاق وظيفته الرسمية.
التحديات الميدانية والتعامل مع الحالات الحرجة
داخل أروقة مفرزة "أم الحمام" التابعة لقطاع الحسينية، لا تتوقف الحركة لحظة واحدة. يوضح الممرض الماهر الأقدم عصام عبد الحسين مهدي طبيعة الحالات المتنوعة التي ترد إليهم، مبيناً أنها لا تقتصر على الإرهاق العادي، بل تشمل إصابات متعددة تحدث داخل المواكب، مثل الجروح الناتجة عن التعامل مع أدوات الطبخ والسكاكين، وحالات الحروق، فضلاً عن الحوادث التي قد تقع في الشوارع المكتظة.
يولي الكادر الطبي أهمية استثنائية لكبار السن. وعن ذلك يضيف: "كبار السن لا يختلفون في قدرهم عن بقية الزوار، لكنهم يحظون بعناية أكبر ورعاية خاصة وتوجيهات مكثفة. الغالبية منهم يعانون من أمراض مزمنة كـ (السكري، الضغط، وهشاشة العظام)، ووضعهم الصحي يختلف كلياً عن الشباب. لذلك، نتأنى معهم جداً؛ نسأل المريض عن تاريخه الصحي، نقيس السكر والضغط، ونفهم احتياجاته الدقيقة قبل إعطاء أي دواء، خصوصاً أن الزائر غالباً ما يكمل مسيره معتمداً على قوة تحمله الذاتي". وتتركز معظم هذه الحالات الحرجة في ساعات الليل الباردة.
أما عن التحديات المتمثلة في ضغط العمل وانفعال بعض الزائرين نتيجة الإرهاق الشديد، فيؤكد عصام بصدر رحب: "لا توجد معاناة حقيقية. يجب أن نتحمل الزائر المتعب، فنحن نجلس في مكان تتوفر فيه وسائل الراحة والتبريد. أحياناً ينفعل الزائر أو يطلب أدوية محددة بالاسم قد لا تتوفر، فنقدم له البدائل الطبية. نحن نمتص كل غضبهم وانفعالاتهم بتفهم وترحيب تام، سواء كانوا زواراً محليين من بغداد والمحافظات أو زواراً إيرانيين وأجانب. هذا الاحتواء يعكس المظهر الحقيقي والمشرف للخدمة في كربلاء".
تنظيم العمل: نظام الشفتات وتوزيع المهام
لضمان استمرارية الخدمة على مدار الساعة، تعتمد المفرزة نظاماً دقيقاً في توزيع أوقات العمل. تتنوع ساعات العمل بين الدوام الرسمي المعتاد للكادر الأساسي ولتنظيم الجهد الميداني المكثف في المفرزة، يوضح أن العمل مقسم إلى ثلاثة "شفتات" رئيسية تشمل كادراً متكاملاً من الممرضين والممرضات:
_ الشفت الصباحي: يمتد من الساعة 7:00 صباحاً حتى 4:00 عصراً.
_ الشفت المسائي (الوسط): من الساعة 4:00 عصراً حتى 12:00 منتصف الليل. ويتميز هذا الوقت بتعزيز الكوادر الطبية نظراً لكثافة الزوار، حيث يبدأ المسير الفعلي بعد انكسار حرارة الجو، وتحديداً بعد فترة الفتور التي يشهدها الشارع بين الساعتين الثانية والرابعة ظهراً.
_ الشفت الليلي (الأخير): يبدأ من الساعة 1:00 بعد منتصف الليل ويستمر حتى ساعات الصباح الأولى.
وفيما يخص الكوادر العاملة، هناك تناغم تام بين الكوادر الحكومية الرسمية والمتطوعين.
إلا أن الإدارة الطبية تضع حدوداً واضحة للمسؤوليات؛ حيث تُناط المهام الطبية الحساسة (مثل إعطاء العلاج، الخياطة، والتعامل مع الجروح العميقة) بالكادر الصحي المتكامل فقط، بينما يقتصر دور المتطوعين (سواء من غير الخريجين أو الذين لم يتم تعيينهم بعد) على المهام الساندة كالمساعدة في قياس الضغط والسكر وتوجيه المرضى وتنظيم دخولهم.
بروتوكولات التدخل السريع والتثقيف الصحي
يتبع الكادر الطبي في المفرزة إجراءات وبروتوكولات صارمة للتعامل مع الحالات الطارئة، وتتوزع هذه الإجراءات على عدة محاور حسب ما وضحت إيمان محمد نوري، معاون طبي ومسؤولة تعزيز صحة:
_ حالات الإغماء والتدخل السريع: يتم التأكد فوراً من عملية التنفس للمريض، يعقبها فحص سريع لمستويات الضغط والسكر في الدم. إذا كان المريض واعياً ويعاني من هبوط عام، تُعطى له المغذيات الطبية للتعويض. أما في الحالات المتقدمة التي لا تستجيب للإسعافات الأولية، فيتم إحالة المريض فوراً إلى المستشفيات المركزية.
_ علاج ارتفاع الضغط: يتم التعامل بحذر مع الحالات الناتجة عن الإرهاق أو تناول بعض المشروبات المسببة لارتفاع الضغط (مثل اللبن المالح الموزع في الطرقات)، حيث يتم الفحص الفوري وصرف العلاج المهدئ والمناسب.
_ أولوية التثقيف الصحي: لا يقتصر العمل على صرف الأدوية؛ بل يعتبر الكادر أن "التوعية والتثقيف الصحي" هما حجر الأساس. يتم تقديم إرشادات صارمة للزائرين بتجنب الإرهاق المفرط، تقليل فترات المشي المستمر، تجنب التعرض لأشعة الشمس المباشرة، والابتعاد التام عن الأطعمة المالحة والدهنية التي ترهق الجسم أثناء المسير.
الضغط النفسي وصناعة الأمل
لا تقتصر تحديات المفارز الطبية على الجانب الجسدي، بل يرافقها ضغط نفسي كبير نتيجة التعامل المستمر مع آلاف الحالات المتعبة والمريضة. وعن كيفية احتواء هذا الضغط، تتحدث المتطوعة نور علي نايف بشفافية قائلة: "إن طبيعة العمل مع الأعداد الكبيرة من الزائرين تتطلب صبراً وتركيزاً عاليين. قد نتعرض أحياناً لضغط نفسي نتيجة كثرة الحالات والمسؤوليات الملقاة على عاتقنا. أتعامل مع هذا الضغط من خلال التحدث المتبادل مع زميلاتي في المفرزة، فالدعم النفسي بيننا يخفف الكثير من التوتر. كما أحرص على اقتناص فترات راحة قصيرة كلما أتيحت الفرصة لاستعادة النشاط". وتضيف نوى بصوت يملؤه اليقين: "أشعر براحة نفسية كبيرة عندما أتذكر أن ما نقدمه هو خدمة إنسانية خالصة لزائري الإمام الحسين (عليه السلام). هذا الانتماء يمنحني دافعاً قوياً للاستمرار رغم كل التعب والضغوط، ويجعلني أكثر قدرة على مواجهة مختلف المواقف بهدوء وابتسامة لا تفارق الوجه".
وفي زاوية أخرى من المفرزة، يبرز الأثر العاطفي النبيل لهذا العمل المتعب. حيث تؤكد المعاونة الطبي بنين مظهر سلمان، التي تعمل لخدمة الزائرين، أن الكلمة الطيبة تمثل المكافأة الأكبر لهم. وحين سُئلت عن أثر كلمة "شكراً" التي ينطق بها الزائر المتعافي قبل خروجه من المفرزة، أجابت بعفوية صادقة: "نحن في الأساس أتينا وتواجدنا هنا لخدمتهم حصراً. كلمة الشكر تترك أثراً عظيماً في نفوسنا، وتغمرنا بشعور عميق من الفرح ينسينا كل التعب والجهد الذي بذلناه".
إن مفرزة "أم الحمام"، بكل كفاءاتها المتمثلة في الكوادر التمريضية المتمرسة والطلاب الجامعيين والمتطوعين، ليست سوى قطرة في بحر العطاء الذي تشهده كربلاء. هؤلاء الأبطال المجهولون يعكسون الصورة الأنقى للتفاني الإنساني، مجسدين أرقى معاني الخدمة الطبية المحفوفة بروحانية المكان وعظمة المناسبة.