ماذا بعد زيارة الأربعين؟

جواد العطار

2026-08-02 03:03

لم يشهد أي تجمع بشري في العالم ما تشهده مدينة كربلاء المقدسة في كل عام من تدفق لموجات بشرية مليونية تتزايد عامًا بعد عام، مخالفة جميع التوقعات والتحذيرات، ومتحدية مختلف الظروف الجوية، من حرارة تموزية تقترب من نصف درجة الغليان ورطوبة مرهقة.

ورغم التحذيرات التي تطلقها الجهات الصحية المختصة بعدم التعرض لأشعة الشمس المباشرة، لم يتوقف المسير نحو مرقدي الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) طوال الأيام الماضية، شيوخًا وشبابًا، نساءً وأطفالًا، يقطعون آلاف الكيلومترات سيرًا على الأقدام تجاه قبلة الأحرار في كربلاء المقدسة، قادمين من داخل العراق وخارجه، برًا وبحرًا وجوًا، حتى تبلغ أعداد الزائرين عشرات الملايين مع ذروة الزيارة في العشرين من شهر صفر.

ورغم أن العراق يحظى بشرف احتضان واستضافة هذا الحدث الإيماني الكبير، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا بعد الزيارة؟ وهل تنتهي رسالة الأربعين بانتهاء يوم العشرين من صفر؟ وأين أثر الأجواء الروحانية في الإصلاح الذي قامت من أجله نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)؟

إننا بحاجة دائمًا إلى خطوات مهمة، منها:

- توحيد الخطاب الديني الموجه إلى الزائرين بمختلف انتماءاتهم ومشاربهم وتوجهاتهم، من داخل العراق وخارجه، مع التركيز على قيم الإصلاح في الفرد والمجتمع والدولة، استلهامًا لمبادئ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

- تعزيز القيم الفكرية والأخلاقية بالتوازي مع تطور الخدمات المقدمة للزائرين من مأكل ومشرب ومبيت، عبر تكثيف الندوات والورش الفكرية والخطب التوعوية، فهي الأثر الأعمق والأبقى، وترسيخ قيم التسامح ونبذ العنف والإصلاح في الحياة العامة، انطلاقًا من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).

- التنسيق بين مختلف الهيئات والمؤسسات الدينية والثقافية لإيجاد وسائل تضمن استمرار رسالة الزيارة على مدار العام، عبر الخطباء والمرشدين والبرامج التوعوية، وصولًا إلى موسم الأربعين المقبل.

لقد نجح العراق في إدارة الجانب التنظيمي الأهم من هذا الحدث الاستثنائي والكبير، كما في كل عام، عبر حشد الطاقات والإمكانات لاستيعاب الموجات المليونية اليومية. كما نجح العراقيون في عكس صورة مشرقة عن بلدهم بما قدموه من كرم الضيافة وحسن الاستقبال والتنظيم طوال أيام الزيارة التي بدأت أواخر شهر محرم الحرام الماضي، في إنجاز وطني وإنساني كبير سيبقى شاهدًا على قدرة الشعب العراقي، بمختلف أطيافه، على صناعة واحدة من أعظم صور التكافل والإيثار في العالم، وسيكتبه التاريخ بأحرف من نور.

ذات صلة

المذهب الكلامي في خطابات الإمام الحسين (ع).. دراسة تطبيقيةلماذا نصبح أفضل في الأربعين: ثم نترك أجمل ما فينا على طريق كربلاء؟المرأة في زيارة الأربعين والمسير مع ظلال زينبملائكة الرحمة في كربلاء: مفرزة أم الحمام أنموذجاً لخدمة ملايين الزائرينالثورة الحسينيَّة في الشعر المبكر