لماذا نصبح أفضل في الأربعين: ثم نترك أجمل ما فينا على طريق كربلاء؟
شبكة النبأ
2026-08-02 03:14
في كل عام، يتكرر المشهد نفسه بطريقة تكاد تُربك المراقب. رجلٌ أنهكه التعب يقف على جانب الطريق، وما إن يلمح زائرًا تبدو عليه علامات الإرهاق حتى يهرع إليه حاملاً قدح ماء بارد، وكأنه يعرفه منذ سنوات. شابٌ يقضي الليل كله واقفًا عند موكب صغير، لا ينتظر كلمة شكر، ولا صورة تخلّد حضوره، ولا مكسبًا يُضاف إلى رصيده. امرأة مسنّة تجمع ما استطاعت من مال طوال أشهر، ثم تنفقه في أيام معدودة، وهي تشعر بأنها الرابحة لا الخاسرة.
لا أحد يسأل الآخر عن اسمه، أو مدينته، أو قوميته، أو مكانته الاجتماعية. يكفي أن يكون إنسانًا يسير في هذا الطريق حتى يجد من يخدمه بمحبة صادقة.
المشهد يتكرر كل عام، لكن السؤال الذي يستحق التأمل لا يتعلق بالمشهد نفسه، وإنما بما بعده: لماذا نستطيع أن نكون بهذه الإنسانية في الأربعين، ثم نعجز عن الاحتفاظ بهذه الروح في بقية أيام السنة؟
ربما تكمن قيمة الأربعين الحقيقية في أنها لا تكشف شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) فحسب، وإنما تكشف أيضًا الشخصية التي يستطيع الإنسان أن يكون عليها عندما يتحرر من أنانيته.
فالإنسان في حياته اليومية يخوض سباقًا طويلًا مع المصالح والمنافسة والضغوط، حتى يعتاد أن يقيس الأشياء بما سيحصل عليه منها. أما في الأربعين، فإن هذا الميزان يتغير بصورة لافتة؛ إذ يصبح العطاء هدفًا بحد ذاته، وتتحول الخدمة إلى متعة، ويغدو التواضع لغة مشتركة بين الجميع.
ولعل هذه الحالة تذكرنا بقول الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ سورة الحشر: 9.
هذه الآية لا تصف جماعة عاشت في زمن مضى فقط، وإنما ترسم نموذجًا أخلاقيًا يتجدد كلما انتصر الإنسان على ذاته.
في طريق الأربعين، لا يصبح الإيثار فكرة تُلقى في محاضرة، وإنما سلوكًا يُمارس مئات الآلاف من المرات كل يوم. هناك من يؤخر راحته ليمنحها لغيره، ومن يبتسم وهو مرهق، ومن يقدّم أفضل ما لديه لشخص قد لا يلتقيه مرة أخرى. هذه ليست تفاصيل صغيرة، وإنما مؤشرات على قدرة الإنسان على إعادة تشكيل أولوياته عندما يجد قضية تمنحه معنى أكبر من ذاته.
المفارقة أن الشخص نفسه الذي يفتح بيته للغرباء في الأربعين، قد يدخل بعد أسابيع في نزاع طويل مع جاره بسبب موقف بسيط، أو ينسى في عمله قيم الأمانة والإتقان واحترام الآخرين.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالأربعين لم تكن يومًا مشروعًا لصناعة أخلاق مؤقتة، وإنما مدرسة لإنتاج إنسان مختلف. لو بقينا نمارس الصدق أسبوعًا واحدًا فقط، فلن يصبح الصدق قيمة راسخة. ولو احترمنا الآخرين أيام الزيارة وحدها، فلن يتحول الاحترام إلى ثقافة مجتمع.
القيمة لا تُقاس بلحظة التأثر، وإنما بقدرتها على الاستمرار. ولذلك تبدو الحاجة اليوم إلى سؤال أكثر جرأة من الأسئلة التقليدية:
هل نذهب إلى الأربعين لنتغير، أم لنعيش تجربة جميلة ثم نعود كما كنا؟ هذا السؤال لا يحمل تشكيكًا بالشعيرة، وإنما يدعو إلى اكتشاف رسالتها الأعمق.
الإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن مشروعًا عاطفيًا عابرًا، وإنما مشروع إصلاح للإنسان. ولهذا بقيت نهضته حيّة لأنها خاطبت الضمير قبل أن تخاطب المشاعر.
وحين قال: "إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا... وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي"، فإن كلمة الإصلاح لم تكن تعني إصلاح السلطة وحدها، وإنما إصلاح الإنسان الذي يصنع السلطة والمجتمع معًا. المجتمعات لا تتغير لأن مواطنيها حضروا مناسبة عظيمة، وإنما لأنها نجحت في تحويل القيم التي تعلموها إلى سلوك يومي. فلو انتقلت روح الخدمة من المواكب إلى الدوائر الحكومية، لتغير وجه الإدارة. ولو انتقل احترام الزائر إلى احترام المواطن في الشارع، لتغير وجه المدينة. ولو انتقل الإيثار من طريق كربلاء إلى سوق العمل والمدرسة والجامعة والأسرة، لتغيرت صورة المجتمع بأكمله.
الأمم لا تنهض بكثرة الشعارات، وإنما حين تتحول القيم إلى عادات، والعادات إلى ثقافة، والثقافة إلى أسلوب حياة. وربما لهذا السبب لا يحتاج العراق إلى موسم جديد من الأخلاق بقدر حاجته إلى استمرار الأخلاق التي تظهر في هذا الموسم.
في الأربعين نكتشف أن الإنسان العراقي قادر على أن يكون كريمًا، ومنظمًا، ومتسامحًا، وصبورًا، ومتعاونًا بصورة تثير إعجاب العالم. فلماذا نسمح لهذه الصورة أن تغيب بعد انتهاء الزيارة؟ السؤال لا يتعلق بالأربعين وحدها، وإنما بمستقبل المجتمع كله.
فالنهضة تبدأ عندما يقتنع الإنسان أن القيم ليست مناسبة موسمية، ولا ثوبًا يرتديه في أيام محددة، وإنما هوية يعيش بها كل يوم.
وحين يحدث ذلك، لن تكون الأربعين محطة زمنية ننتظرها كل عام، وإنما ستصبح طريقة ننظر بها إلى الحياة، وإلى الناس، وإلى الوطن.
وربما يكون أعظم ما يمكن أن نقدمه للإمام الحسين (عليه السلام)، أن نُبقي أخلاق الطريق حيّة بعد أن نغادر الطريق، وأن تتحول الخدمة إلى ثقافة، والإيثار إلى ممارسة، والعدل إلى سلوك، والرحمة إلى لغة يومية. فالأوطان لا تتغير بكثرة من يمشون نحو كربلاء فقط، وإنما بكثرة من يعودون منها وهم أكثر إنصافًا، وأكثر صدقًا، وأكثر وفاءً للإنسان.