الدكتور عمار عبد الحسين لـ شبكة النبأ: المعلومة متاحة للجميع لكن الوصول إليها لا يعني فهمها
أوس ستار الغانمي
2026-09-10 04:16
في كل مرة يتغير فيها شكل المجتمع، يتغير معه سؤال التعليم: كيف نعلّم؟ ولمن؟ وبأي طريقة يمكن أن تتحول المعرفة من شيء يُحفظ إلى شيء يُفهم ويُناقش ويُنتج؟
هذا السؤال، الذي يبدو معاصراً، له جذور تمتد عميقاً في تاريخ الدولة العربية الإسلامية؛ حيث لم تكن مجالس العلم مجرد أماكن لتلقي المعرفة، وإنما فضاءات للحوار والمناظرة والإملاء والقراءة والبحث، تطورت فيها طرائق التدريس مع اتساع العلوم وتنوع حاجات المتعلمين.
ومن هذه الزاوية يأتي كتاب (التطور التاريخي لطرائق التدريس في الدولة العربية الإسلامية للمدة من 1–656هـ/622–1258م)، الذي شارك في تأليفه الدكتور عمار عبد الحسين الخفاجي، مدير مركز الاختبار الوطني ومسؤول شعبة تكنولوجيا المعلومات في كلية التربية بالجامعة العراقية، في محاولة لقراءة ذلك المسار التاريخي لا بوصفه صفحات من الماضي، وإنما بوصفه مرآة لأسئلة التعليم الراهنة.
فإذا كان طالب الأمس يتعلم في حلقة علم، ويتلقى عن معلمه، ويحاور ويناظر ويبحث، فإن طالب اليوم يدخل الصف حاملاً معه هاتفاً ومنصة رقمية ومحركات بحث وأدوات ذكاء اصطناعي تضع أمامه كماً هائلاً من المعلومات. هنا تتغير المعادلة: لم تعد المشكلة في الوصول إلى المعرفة، وإنما في القدرة على فهمها، وتمحيصها، وتحويلها إلى تفكير.
عندما نقرأ تاريخ التعليم في الدولة العربية الإسلامية، نجد أن طريقة التدريس كانت تتغير كلما تغير المجتمع وحاجاته؛ ما الذي يكشفه هذا الترابط عن علاقتنا اليوم بطرائق التدريس، وهل نطوّر الطريقة استجابةً لحاجات الطالب فعلاً أم استجابةً للنظام التعليمي نفسه؟
يكشف تاريخ التعليم أن طرائق التدريس كانت دائماً مرتبطة بحاجات المجتمع وتغيراته وهذا يعني أن الطريقة التعليمية لا ينبغي أن تكون ثابتة أو منفصلة عن الواقع فكل مرحلة تاريخية فرضت أساليب تتناسب مع طبيعة المعرفة وحاجات المتعلمين واليوم ينبغي أن يكون الطالب محور تطوير طرائق التدريس الحديثة ويجب أن نستجيب لقدراته واحتياجاته ومتطلبات عصره بصورة فعلية ولا ينبغي أن يكون تطوير الطريقة مجرد استجابة لإجراءات النظام التعليمي.
انتقل التعليم تاريخياً من الحفظ والمشافهة إلى الإملاء والقراءة والمناظرة والحوار والبحث؛ في رأيك، أين يقف التعليم العراقي اليوم على هذا المسار؟
يقف التعليم العراقي اليوم في مرحلة انتقالية بين الأساليب التقليدية والحديثة فما زال الحفظ والتلقين حاضرين في كثير من الممارسات التعليمية لكن هناك توجه متزايد نحو الحوار والمناقشة والبحث والتعلم النشط وتسعى بعض المؤسسات التعليمية إلى جعل الطالب أكثر مشاركة في العملية التعليمية إلا أن هذا التحول ما زال بحاجة إلى تطوير المناهج وتدريب المعلمين والهدف هو الوصول إلى تعليم يجعل الطالب باحثاً ومفكراً وليس حافظاً للمعلومات فقط.
المناظرة والحوار العلمي والبحث والاستقصاء ظهرت بوصفها أدوات تعليمية متقدمة في مراحل من العصر العباسي؛ ما الذي جعل تلك البيئة العلمية قادرة على إنتاج هذه الأساليب، وما الذي نفتقده اليوم لصناعة بيئة مشابهة؟
ساعدت البيئة العلمية في العصر العباسي على ظهور المناظرة والحوار والبحث وكان ازدهار العلوم ووجود العلماء والمكتبات ومجالس العلم من أهم عوامل ذلك التطور كما ساعد تشجيع المعرفة والترجمة والنقاش العلمي على بناء بيئة تعليمية نشطة أما اليوم فنحتاج إلى دعم البحث العلمي وتشجيع الحوار وحرية التفكير داخل المؤسسات ونحتاج كذلك إلى توفير المكتبات والمصادر الحديثة والبيئة المحفزة على الإبداع وبذلك يمكن بناء بيئة تعليمية قادرة على إنتاج المعرفة وليس نقلها فقط.
الكتاب يطرح المعلم بوصفه أكثر من ناقل للمعرفة: مربياً ومرشداً وموجهاً ونموذجاً سلوكياً؛ كيف يمكن أن يستعيد المعلم هذا الدور في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للطالب بضغطة واحدة؟
يستطيع المعلم استعادة دوره من خلال التركيز على بناء شخصية الطالب وتوجيهه فالمعلم اليوم لم يعد المصدر الوحيد للمعلومة بسبب توفر المعرفة بصورة واسعة لكن دوره أصبح أكثر أهمية في تعليم الطالب كيفية التفكير والتحليل والتحقق من المعلومات كما ينبغي أن يكون المعلم مربياً ومرشداً وقدوة في الأخلاق والانضباط والمسؤولية وعليه أن يشجع الحوار والمشاركة والبحث والاستقلالية في التعلم وبذلك يتحول المعلم من ناقل للمعرفة إلى صانع للوعي وبانٍ لشخصية الطالب.
إذا كان المتعلم في التصور التربوي الحديث محور العملية التعليمية، بينما كان التعليم التقليدي أكثر اعتماداً على المعلم، فما الحدود التي ينبغي أن تبقى للمعلم حتى يتحول الطالب إلى متعلم مستقل من دون أن يفقد التوجيه العلمي؟
ينبغي أن يحتفظ المعلم بدوره بوصفه موجهاً ومرشداً ومشرفاً على عملية التعلم وفي الوقت نفسه يمنح الطالب مساحة واسعة للبحث والاستكشاف والمشاركة فالاستقلالية لا تعني ترك الطالب دون توجيه أو متابعة علمية بل تعني تدريبه على الوصول إلى المعرفة وتحليلها واستخدامها بصورة صحيحة ويجب أن يتدخل المعلم عند الحاجة لتصحيح الأخطاء وتقديم الخبرة المناسبة وبذلك يتحقق التوازن بين استقلالية الطالب والتوجيه العلمي للمعلم.
من أكثر الأفكار اللافتة في الدراسة أن طريقة التدريس لا تنجح بمعزل عن خصائص المعلم وشخصيته ومهاراته؛ إلى أي حد يمكن لطريقة تعليمية ممتازة أن تفشل عندما يطبقها مدرس يفتقر إلى مهارات تنفيذها؟
يمكن للطريقة التعليمية الممتازة أن تفشل إذا لم يمتلك المدرس مهارات تطبيقها فالطريقة مهما كانت حديثة تحتاج إلى معلم قادر على فهم أهدافها وخطواتها كما يحتاج المدرس إلى مهارات التواصل وإدارة الصف وتحفيز الطلبة على المشاركة وقد يؤدي ضعف التدريب إلى استخدام الطريقة بصورة شكلية دون تحقيق أهدافها لذلك فإن تطوير طرائق التدريس يجب أن يترافق مع تطوير كفاءة المعلم المهنية فنجاح الطريقة يعتمد على التفاعل بين جودة الطريقة وقدرة المدرس على تنفيذها.
التعليم في العصر العباسي جمع بين العلوم الدينية والعقلية والتطبيقية، وارتبط بالتخصص العلمي والمكتبات والمؤسسات التعليمية؛ ماذا يخبرنا هذا التنوع عن العلاقة بين اتساع المعرفة وتطور طرائق التدريس؟
يدل تنوع العلوم في العصر العباسي على العلاقة الوثيقة بين اتساع المعرفة وتطور التعليم فكلما اتسعت مجالات المعرفة ظهرت الحاجة إلى أساليب أكثر تنوعاً في التدريس فالعلوم الدينية والعقلية والتطبيقية لم تكن تحتاج دائماً إلى طريقة تعليم واحدة كما ساعد التخصص العلمي والمكتبات والمؤسسات التعليمية على تطوير العملية التعليمية وهذا يؤكد أن تطور المعرفة يؤدي إلى تطور وسائل وطرائق نقلها وفهمها لذلك يحتاج التعليم المعاصر إلى طرائق متعددة تناسب مختلف العلوم والتخصصات.
في تاريخ التعليم، كان الكتاب والمكتبة وحلقة العلم جزءاً من البيئة التعليمية؛ اليوم أصبحت المنصات الرقمية والهواتف والذكاء الاصطناعي جزءاً من البيئة نفسها. برأيك، هل تغيرت أدوات التعليم فقط أم تغير مفهوم التعلم ذاته؟
لم تتغير أدوات التعليم فقط بل تغير مفهوم التعلم بصورة واضحة فقد أصبح الطالب اليوم قادراً على الوصول إلى مصادر متعددة في أي وقت وأصبح التعلم أكثر تفاعلاً واستمراراً ولم يعد مرتبطاً بالصف أو الكتاب فقط كما ظهرت المنصات الرقمية والهواتف والذكاء الاصطناعي بوصفها أدوات تعليمية جديدة وهذا يتطلب من الطالب مهارات البحث والتحليل والتأكد من صحة المعلومات لذلك أصبح التعلم عملية مستمرة تقوم على المشاركة والإنتاج وليس التلقي فقط.
الكتاب يشير إلى أهمية مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة وتنويع الوسائل والأنشطة؛ لماذا ما زالت هذه الفكرة صعبة التطبيق داخل الصف العراقي رغم حضورها الواضح في الأدبيات التربوية؟
ما زالت مراعاة الفروق الفردية صعبة بسبب كثافة الصفوف وقلة الإمكانات كما أن ضيق الوقت وكثرة المناهج قد تحد من قدرة المعلم على تنويع الأنشطة ويضاف إلى ذلك اعتماد بعض المدرسين على الأساليب التقليدية في التدريس كما يحتاج المعلم إلى تدريب عملي مستمر على التعامل مع اختلاف قدرات الطلبة ويتطلب تطبيق هذه الفكرة توفير بيئة تعليمية مرنة ووسائل تعليمية مناسبة وعند توفر هذه الظروف يصبح من الممكن تقديم تعليم أكثر عدالة وفاعلية.
إذا كان تاريخ طرائق التدريس يقدم لنا تجارب ناجحة من الماضي، كيف نميز بين التراث التعليمي الذي يمكن استثماره اليوم وبين ممارسات ارتبطت بظروف تاريخية انتهت؟
يمكن التمييز بين التراث التعليمي القابل للاستثمار والممارسات المرتبطة بظروف الماضي من خلال دراسة أهداف تلك الممارسات والظروف التي نشأت فيها فالمبدأ التعليمي الناجح يمكن تطويره بما يتناسب مع حاجات العصر الحديث أما الممارسات التي ارتبطت بظروف تاريخية محددة فلا يمكن نقلها بصورة حرفية لذلك ينبغي الاستفادة من روح التجربة وليس تقليد شكلها القديم وبهذا نحافظ على قيمة التراث ونستفيد منه بطريقة تتناسب مع التعليم المعاصر.
تضع الدراسة الأخلاق في قلب العلاقة بين المعلم والمتعلم، وتؤكد أهمية احترام الطالب والتعامل معه بطريقة تحفظ كرامته؛ ماذا يحدث للعملية التعليمية عندما تصبح العلاقة بين الطرفين قائمة على السلطة والخوف بدلاً من الثقة والحوار؟
عندما تقوم العلاقة بين المعلم والطالب على الخوف تضعف الثقة بين الطرفين ويصبح الطالب متردداً في السؤال أو المشاركة خوفاً من الخطأ أو العقوبة كما يؤدي ذلك إلى انتشار التلقين وضعف الحوار والتفكير النقدي داخل الصف أما العلاقة القائمة على الاحترام والثقة فتشجع الطالب على التعبير والمشاركة وتجعل الخطأ فرصة للتعلم وليس سبباً للخوف أو الإحراج لذلك فإن العلاقة الإنسانية الإيجابية تعد أساساً مهماً لنجاح العملية التعليمية.
هناك مفارقة تستحق التوقف: كلما تطورت وسائل الوصول إلى المعرفة، أصبح امتلاك المعلومة أسهل، لكن بناء الفهم والتفكير النقدي يبدو أكثر تعقيداً؛ أين يكمن دور طرائق التدريس في معالجة هذه المفارقة؟
أصبحت المعلومة اليوم سهلة الوصول لكن الوصول إليها لا يعني فهمها وهنا تظهر أهمية طرائق التدريس في تحويل المعلومات إلى معرفة حقيقية فعلى المعلم أن يدرب الطالب على التحليل والمقارنة والنقد والاستنتاج كما يجب أن يتعلم الطالب كيفية التحقق من المصادر وتمييز المعلومات الصحيحة وتساعد المناقشة والبحث وحل المشكلات على بناء الفهم والتفكير المستقل وبذلك تصبح طرائق التدريس وسيلة لمعالجة مشكلة كثرة المعلومات وضعف الفهم.
الدراسة ترى أن تطور طرائق التدريس في الحضارة الإسلامية جاء استجابةً للتحولات العلمية والثقافية والاجتماعية، وليس تطوراً عشوائياً؛ ما الدرس الذي يمكن أن تستفيده المؤسسات التعليمية العراقية من هذه الفكرة عند تصميم مناهجها وطرائق تدريسها؟
تؤكد هذه الفكرة أن المؤسسات التعليمية يجب أن تطور مناهجها باستمرار وينبغي أن ترتبط المناهج بالتغيرات العلمية والتكنولوجية والاجتماعية كما يجب أن تراعي حاجات الطالب ومتطلبات سوق العمل والمجتمع ولا يكفي تغيير الكتب أو إضافة موضوعات جديدة دون تطوير طريقة التدريس بل يجب تدريب المعلمين وتوفير الوسائل التي تساعد على تطبيق المناهج الحديثة وبذلك يصبح التعليم أكثر قدرة على مواكبة العصر والاستجابة لحاجات المجتمع.
لو طلبنا منك اختيار ممارسة تعليمية واحدة من التجربة العربية الإسلامية القديمة وإعادتها إلى الصف العراقي المعاصر، أي ممارسة تختار؟ وما المشكلة التعليمية التي يمكن أن تعالجها؟
أختار ممارسة المناظرة والحوار العلمي من التجربة العربية الإسلامية القديمة لأنها تمنح الطالب فرصة للتعبير عن أفكاره والدفاع عنها بالحجة والدليل كما تساعده على الاستماع إلى الآخرين واحترام الآراء المختلفة وتنمي لديه مهارات التفكير النقدي والتحليل والاستنتاج والمناقشة ويمكن أن تعالج هذه الممارسة ضعف المشاركة والخوف من التعبير عن الرأي كما تجعل الطالب شريكاً فعالاً في العملية التعليمية بدلاً من كونه متلقياً فقط.
بعد تتبع لمسيرة طرائق التدريس عبر قرون، ما السؤال الذي ترى أن المؤسسات التعليمية اليوم يجب أن تطرحه على نفسها قبل أن تبحث عن طريقة تدريس جديدة؟
السؤال الأهم الذي يجب أن تطرحه المؤسسات التعليمية هو ما حاجة الطالب الحقيقية وهل الطريقة الجديدة ستساعده فعلاً على الفهم والتفكير والتعلم المستقل كما ينبغي أن تسأل هل تتناسب الطريقة مع طبيعة المجتمع ومتطلبات العصر وهل يمتلك المعلمون المهارات والإمكانات اللازمة لتطبيقها بصورة صحيحة فليس كل أسلوب حديث مناسباً لجميع المراحل والمواد والطلبة والهدف النهائي يجب أن يكون تحسين تعلم الطالب وليس مجرد تغيير طريقة التدريس.
في ختام هذا الحوار، نشكر الدكتور عمار عبد الحسين الخفاجي على هذا الطرح الثري، وما قدمه من رؤى تربط بين إرث التعليم في الدولة العربية الإسلامية وأسئلة التعليم المعاصر، مؤكدين أن تطوير طرائق التدريس يبدأ من فهم حاجات المتعلم وصناعة بيئة تحفّز على التفكير والمعرفة. وشكراً لكم على حسن القراءة.