بنين عبد الحكيم محمد لـ شبكة النبأ: الذكاء الاصطناعي يقود الآلات الزراعية من تفسير الأداء إلى التنبؤ به
أوس ستار الغانمي
2026-07-13 03:18
تبدأ كثير من الرسائل العلمية بسؤال صغير، ثم تتسع مساحته مع التجربة حتى يتحول إلى مشروع معرفي كامل. وفي هندسة الآلات الزراعية، تقود الحاجة إلى رفع كفاءة الأداء وتقليل استهلاك الطاقة الباحثين إلى البحث عن أدوات قادرة على قراءة العلاقات المعقدة بين المتغيرات التشغيلية، واستشراف نتائجها قبل انتقال الجرار إلى أرض الحقل.
من هذا التصور انطلقت الباحثة بنين عبد الحكيم محمد في رسالتها قدمتها إلى كلية الزراعة – جامعة البصرة نالت درجة الماجستير في العلوم الزراعية (المكائن والآلات الزراعية)، بعنوان "التنبؤ بضائعات القدرة والوقود في الجرارات ذات الدفع الثنائي والرباعي باستخدام الشبكات العصبية خوارزمية Levenberg–Marquardt"، بإشراف الأستاذ الدكتور سالم عجر بندر.
تكشف هذه الرسالة مساحة يلتقي فيها الذكاء الاصطناعي بالهندسة الزراعية، حيث تتحول البيانات إلى نماذج قادرة على استشراف الأداء، وتفتح النتائج آفاقًا جديدة لفهم انتقال الطاقة داخل الجرارات، وتحسين كفاءة التشغيل، ودعم القرار في العمليات الحقلية. وفي هذا الحوار، تروي الباحثة رحلتها مع الفكرة منذ تشكل السؤال الأول، مرورًا بالتحديات العلمية، وصولًا إلى النتائج التي رسمت ملامح رؤية جديدة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في هندسة الآلات الزراعية.
بدايةً، كل رسالة علمية تبدأ من شعور بأن المعرفة الحالية لم تعد كافية؛ أين شعرتِ أن المعرفة السائدة توقفت، ومن أي نقطة قررتِ أن تبدئي رحلتكِ نحو معرفة مختلفة؟
وجدتُ أثناء اطلاعي على الدراسات السابقة أن معظم البحوث ركزت على قياس أداء الجرارات الزراعية بعد تنفيذ العمليات الحقلية، واكتفت بوصف العلاقة بين بعض المتغيرات التشغيلية والنتائج المتحققة. إلا أنني شعرت بوجود فجوة علمية تتمثل في محدودية الدراسات التي تستطيع التنبؤ بالأداء قبل تنفيذ العملية الزراعية، خاصة عند تعدد المتغيرات وتداخلها. ومن هنا بدأت فكرة البحث، إذ كان هدفي الانتقال من مرحلة توصيف الظاهرة إلى مرحلة استشرافها والتنبؤ بها. كما لاحظت أن أغلب النماذج التقليدية تواجه صعوبة في التعامل مع العلاقات غير الخطية بين عمق الحراثة والسرعة ونظام الدفع وسرعة المحرك. لذلك اتجهت إلى توظيف الشبكات العصبية الاصطناعية باعتبارها أداة قادرة على فهم هذا التعقيد وتحويل البيانات إلى معرفة يمكن الاستفادة منها في اتخاذ القرار. وأعتقد أن القيمة الحقيقية للبحث لم تكن في جمع البيانات فحسب، وإنما في تحويلها إلى نموذج علمي قادر على دعم الممارسات الزراعية المستقبلية.
قبل أن يصبح هذا البحث معادلات ونماذج تنبؤية، كيف كنتِ تعرّفين المشكلة في ذهنكِ، وكيف أعادت النتائج صياغة هذا التعريف؟
في بداية الدراسة كنت أرى أن المشكلة الرئيسة تتمثل في ارتفاع استهلاك الوقود وضائعات القدرة أثناء عمليات الحراثة، وأن الحل يكمن في معرفة تأثير كل عامل بصورة منفردة. ولكن مع التقدم في تنفيذ التجارب وتحليل النتائج، تغير هذا التصور بشكل كبير. فقد اتضح أن المشكلة ليست في متغير واحد، وإنما في طبيعة التفاعل المعقد بين مجموعة من العوامل التشغيلية التي تعمل في الوقت نفسه. وأظهرت النتائج أن عمق الحراثة، والسرعة الأمامية، وسرعة المحرك، ونظام الدفع لا تعمل بصورة مستقلة، بل تؤثر في بعضها البعض بصورة مباشرة وغير مباشرة. لذلك أصبحت أنظر إلى المشكلة بوصفها منظومة ديناميكية متكاملة تحتاج إلى نماذج ذكية تستطيع تفسير هذا التداخل والتنبؤ بنتائجه. وهذا ما دفعني إلى الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أثبتت قدرتها على تمثيل هذه العلاقات بدقة عالية.
العلاقة بين الجرار والتربة تبدو للوهلة الأولى ميكانيكية، بينما تكشف رسالتكِ عن منظومة معقدة من التفاعلات؛ كيف غيّرت هذه التجربة رؤيتكِ لما يحدث بين الآلة والأرض؟
قبل تنفيذ الدراسة كنت أنظر إلى العلاقة بين الجرار والتربة على أنها علاقة ميكانيكية تعتمد بصورة أساسية على قدرة الجرار وقوة السحب. لكن التجارب الحقلية أوضحت لي أن هذه العلاقة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، إذ إن أي تغيير بسيط في ظروف التشغيل ينعكس مباشرة على الانزلاق وضائعات القدرة واستهلاك الوقود. كما أدركت أن التربة ليست وسطًا ثابتًا، بل عنصرًا متغيرًا يتفاعل مع خصائص الجرار وطريقة تشغيله. وأظهرت النتائج أن تحسين الأداء لا يتحقق بزيادة القدرة وحدها، وإنما من خلال تحقيق توازن بين جميع المتغيرات التشغيلية. لذلك أصبحت أتعامل مع الجرار والتربة باعتبارهما منظومة واحدة تتبادل التأثير بشكل مستمر، وأن فهم هذا التفاعل هو الأساس الحقيقي لرفع الكفاءة وتقليل الفواقد وتحسين استثمار الطاقة في العمليات الزراعية.
في كل مشروع علمي لحظة يقرر فيها الباحث أن الأداة التقليدية لم تعد تكفي؛ كيف وصلتِ إلى قناعة بأن الذكاء الاصطناعي ليس خيارًا إضافيًا، وإنما ضرورة علمية لفهم هذه الظاهرة؟
من خلال مراجعة الأدبيات العلمية وتنفيذ التجارب الحقلية، لاحظت أن العلاقات بين متغيرات الدراسة ليست علاقات خطية بسيطة يمكن للنماذج التقليدية تفسيرها بسهولة، وإنما هي علاقات متشابكة تتأثر بعدة عوامل تعمل في الوقت نفسه. فكل تغير في عمق الحراثة أو السرعة الأمامية أو سرعة المحرك أو نظام الدفع ينعكس على بقية المتغيرات بطريقة يصعب تمثيلها بالمعادلات التقليدية فقط. لذلك أدركت أن الوصول إلى نموذج تنبؤي دقيق يتطلب أداة قادرة على التعلم من البيانات واكتشاف الأنماط الخفية بينها. ومن هنا كان الذكاء الاصطناعي، وبالتحديد الشبكات العصبية الاصطناعية، ضرورة علمية أكثر من كونه خيارًا تقنيًا. وقد أثبتت نتائج الدراسة أن هذه التقنية استطاعت تحقيق دقة عالية في التنبؤ، مما أكد أنها تمثل اتجاهًا واعدًا في تطوير هندسة الآلات الزراعية ورفع كفاءة اتخاذ القرار.
اختيار خوارزمية Levenberg–Marquardt يوحي بأنكِ كنتِ تبحثين عن شيء يتجاوز سرعة الحساب؛ ما السؤال العلمي الذي كنتِ تعتقدين أن هذه الخوارزمية وحدها قادرة على الاقتراب من إجابته؟
لم يكن اختياري لخوارزمية Levenberg–Marquardt بسبب سرعتها فقط، وإنما لقدرتها العالية على تدريب الشبكات العصبية في المشكلات التي تتسم بعدم الخطية وتعقيد العلاقات بين المتغيرات. كان السؤال الذي شغلني هو: هل يمكن بناء نموذج قادر على التنبؤ بضائعات القدرة واستهلاك الوقود بدقة عالية قبل إجراء العملية الحقلية؟ وكانت الإجابة تتطلب خوارزمية تستطيع الوصول إلى أفضل الأوزان وتقليل الخطأ أثناء التدريب بأعلى كفاءة ممكنة. وقد وفرت هذه الخوارزمية توازنًا بين سرعة التقارب ودقة النتائج، الأمر الذي انعكس على ارتفاع قيم معامل التحديد وانخفاض قيم الخطأ. لذلك أرى أن نجاح النموذج لم يكن مرتبطًا بالشبكة العصبية وحدها، وإنما أيضًا بكفاءة خوارزمية التدريب التي مكنتها من تمثيل البيانات الحقيقية بصورة دقيقة وموثوقة.
الأرقام في هذه الدراسة لا تمثل قياسات؛ إنها تصف سلوك منظومة كاملة. عندما بدأت البيانات تتجمع أمامكِ، أي قصة شعرتِ بأنها تتشكل تدريجيًا؟
كلما تقدمت في جمع البيانات وتحليلها، شعرت أنني لا أتعامل مع أرقام منفصلة، بل مع منظومة متكاملة تروي كيفية انتقال الطاقة داخل الجرار منذ خروجها من المحرك وحتى وصولها إلى التربة. فقد كانت كل قراءة جديدة تكشف جانبًا من هذه الرحلة، وتوضح أين تضيع القدرة وكيف يزداد استهلاك الوقود نتيجة الانزلاق أو مقاومة التدحرج أو الفواقد في أجهزة النقل. كما اتضح لي أن هذه الفواقد ليست أحداثًا مستقلة، بل مترابطة وتتأثر بشكل مباشر بظروف التشغيل المختلفة. ومع اكتمال النتائج أصبحت الصورة أكثر وضوحًا، وأدركت أن الهدف الحقيقي ليس قياس مقدار الفقد فقط، وإنما فهم أسبابه وكيفية تقليله. ولهذا تحولت البيانات من مجرد قيم رقمية إلى قصة علمية متكاملة تفسر سلوك الجرار تحت ظروف التشغيل المختلفة.
في أي لحظة أدركتِ أن النموذج الرياضي لم يعد مجرد وسيلة لتحليل الماضي، بل أصبح قادرًا على استشراف ما لم يحدث بعد؟
كانت تلك اللحظة عندما قارنت نتائج النموذج التنبئي مع القياسات الحقلية الفعلية، ولاحظت وجود تقارب كبير بين القيم المتوقعة والنتائج المقاسة. عندها أدركت أن النموذج لم يعد يفسر البيانات السابقة فقط، بل أصبح يمتلك القدرة على التنبؤ بأداء الجرار في ظروف تشغيل جديدة لم تُختبر ميدانيًا. وهذا يمثل أحد أهم أهداف الذكاء الاصطناعي، وهو الانتقال من تحليل البيانات التاريخية إلى دعم القرار المستقبلي. كما أن ارتفاع قيم معامل التحديد وانخفاض متوسط الخطأ منحني ثقة علمية بقدرة النموذج على تمثيل الواقع بدقة. لذلك أصبحت أنظر إلى النموذج باعتباره أداة استشرافية يمكن أن تساعد المهندس الزراعي في اختيار ظروف التشغيل المثلى قبل بدء العمل، مما يسهم في تقليل الوقت والجهد والكلفة وتحسين كفاءة الأداء.
الفرق بين الدفع الثنائي والرباعي لم يظهر في صورة تفوق مطلق لأحدهما؛ ماذا تخبرنا هذه النتيجة عن مفهوم الكفاءة عندما يرتبط بظروف التشغيل أكثر من ارتباطه بنوع التقنية؟
أظهرت نتائج الدراسة أن مفهوم الكفاءة لا يمكن اختزاله في نوع نظام الدفع فقط، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بظروف التشغيل التي يعمل فيها الجرار. فقد تفوق نظام الدفع الرباعي في تقليل الانزلاق وبعض ضائعات القدرة، في حين أظهر نظام الدفع الثنائي أداءً أفضل في بعض مؤشرات استهلاك الوقود. وهذا يدل على أن التقنية بحد ذاتها لا تضمن تحقيق أفضل أداء في جميع الظروف، وإنما يعتمد ذلك على طبيعة العمل الزراعي والسرعة وعمق الحراثة وسرعة المحرك. لذلك فإن الاختيار الأمثل لا يكون بين الدفع الثنائي أو الرباعي بصورة مطلقة، وإنما بين النظام الذي يحقق أعلى كفاءة ضمن ظروف تشغيل محددة. وهذه النتيجة تؤكد أهمية الاعتماد على النماذج التنبؤية في اختيار أفضل بديل قبل تنفيذ العمليات الحقلية.
كل تجربة علمية تحمل مفاجأة تربك توقعات الباحث؛ أين كانت المفاجأة التي أجبرتكِ على إعادة التفكير بما كنتِ تعتقدين أنه محسوم؟
أبرز مفاجأة واجهتني أثناء تنفيذ الدراسة كانت أن تأثير بعض المتغيرات لم يكن ثابتًا كما توقعت في البداية، وإنما كان يتغير تبعًا لتفاعلها مع بقية العوامل التشغيلية. ففي البداية كنت أعتقد أن نوع نظام الدفع سيكون العامل الأكثر حسمًا في تحديد أداء الجرار، لكن النتائج أوضحت أن عمق الحراثة والسرعة الأمامية وسرعة المحرك كان لها تأثير أكبر في كثير من الحالات. كما أن التداخل بين هذه المتغيرات أظهر سلوكًا معقدًا لا يمكن تفسيره بالنظر إلى كل عامل بصورة منفردة. هذه النتيجة دفعتني إلى إعادة النظر في طريقة تحليل البيانات والتركيز على تأثيرات التداخل بدلاً من الاقتصار على التأثيرات الفردية. وقد أكدت لي هذه التجربة أن البحث العلمي لا يقوم على إثبات الفرضيات بقدر ما يقوم على اكتشاف الحقيقة حتى وإن خالفت توقعات الباحث. وهذا ما منح الدراسة قيمة علمية أكبر وفتح آفاقًا جديدة للتفسير والتحليل.
عندما حققت الشبكات العصبية هذا المستوى المرتفع من الدقة، كيف فرّقتِ بين الثقة بالنموذج، والحرص العلمي الذي يدفع الباحث إلى استمرار التشكيك في نتائجه؟
ارتفاع دقة النموذج منحني ثقة كبيرة بقدرته على تمثيل العلاقات بين متغيرات الدراسة، خاصة بعد أن أظهرت نتائج الاختبار تقاربًا واضحًا بين القيم المتوقعة والقياسات الحقلية الفعلية. لكن في الوقت نفسه كنت حريصة على ألا أتعامل مع هذه النتائج باعتبارها حقائق مطلقة، لأن أي نموذج رياضي يبقى مرتبطًا بحدود البيانات التي دُرِّب عليها. لذلك اعتمدت على مؤشرات تقييم متعددة مثل معامل التحديد ومتوسط مربعات الخطأ ومتوسط الخطأ المطلق، ولم أكتفِ بمؤشر واحد للحكم على كفاءة النموذج. كما كنت أؤمن بأن قوة الباحث لا تكمن في الدفاع عن نتائجه، وإنما في اختبارها بصورة مستمرة والتأكد من قابليتها للتطبيق في ظروف مختلفة. ولهذا أرى أن الثقة العلمية يجب أن تقترن دائمًا بالنقد العلمي، لأن هذا هو الأسلوب الذي يضمن استمرارية تطوير المعرفة.
لو قرأ مهندس زراعي ومهندس ذكاء اصطناعي هذه الرسالة في الوقت نفسه، ما الفكرة التي تعتقدين أنها ستجمع بين تخصصين يبدوان متباعدين؟
أعتقد أن الفكرة المشتركة بين التخصصين هي أن البيانات أصبحت عنصرًا أساسيًا في تطوير الأداء الزراعي، وأن الذكاء الاصطناعي لم يعد بعيدًا عن التطبيقات الهندسية، بل أصبح جزءًا منها. فالمهندس الزراعي يمتلك المعرفة بطبيعة التربة والجرارات والعمليات الحقلية، بينما يمتلك مهندس الذكاء الاصطناعي الأدوات التي تحول هذه البيانات إلى نماذج قادرة على التعلم والتنبؤ. وعندما يجتمع التخصصان يمكن الوصول إلى حلول أكثر دقة وكفاءة مما يستطيع أي منهما تحقيقه بصورة منفردة. ورسالة الماجستير هذه تمثل نموذجًا لهذا التكامل، لأنها جمعت بين التجارب الحقلية والتحليل الرياضي وتقنيات التعلم الآلي في إطار علمي واحد. لذلك أرى أن مستقبل الهندسة الزراعية سيعتمد بشكل متزايد على هذا التعاون بين العلوم الهندسية وعلوم البيانات.
إذا اعتبرنا الوقود طاقة، والقدرة كفاءة، والانزلاق خسارة، فأي فلسفة في إدارة الطاقة الزراعية تكشفها نتائج هذه الدراسة؟
تكشف نتائج الدراسة أن الإدارة المثلى للطاقة لا تعتمد على زيادة القدرة أو استهلاك المزيد من الوقود، وإنما تعتمد على تقليل الفواقد وتحقيق أعلى استفادة ممكنة من الطاقة المتاحة. فالوقود يمثل مصدر الطاقة، لكن مقدار الاستفادة منه يتوقف على كفاءة انتقال هذه الطاقة إلى التربة دون خسائر كبيرة بسبب الانزلاق أو ضائعات القدرة أو مقاومة التدحرج. وأظهرت النتائج أن تحسين ظروف التشغيل يؤدي إلى رفع الكفاءة وتقليل الهدر دون الحاجة إلى زيادة القدرة الإنتاجية للجرار. وهذا المفهوم ينسجم مع مبادئ الزراعة المستدامة التي تسعى إلى تحقيق أعلى إنتاجية بأقل استهلاك للطاقة وأقل تأثير على البيئة. لذلك فإن إدارة الطاقة في الجرارات الزراعية أصبحت تعتمد على حسن اختيار ظروف التشغيل بقدر اعتمادها على إمكانيات الجرار نفسه.
كثير من الباحثين ينتهون عند تفسير النتائج، بينما تفتح النتائج أسئلة جديدة؛ ما السؤال الذي ولدته هذه الرسالة أكثر مما قدمت له جوابًا؟
أهم سؤال ولدته هذه الدراسة هو: كيف يمكن تحويل النماذج التنبؤية من أدوات بحثية إلى أنظمة ذكية تعمل بصورة مباشرة داخل الجرارات الزراعية أثناء تنفيذ العمليات الحقلية؟ فقد أثبتت الدراسة إمكانية التنبؤ بضائعات القدرة واستهلاك الوقود بدقة عالية، لكنها فتحت الباب أمام مرحلة أكثر تقدمًا تتمثل في بناء أنظمة تتخذ القرار بصورة آنية اعتمادًا على البيانات المستمرة من الحقل. كما أثارت لدي تساؤلات حول إمكانية دمج هذه النماذج مع تقنيات إنترنت الأشياء والحساسات الذكية ونظم التحكم الآلي. لذلك أرى أن هذه الرسالة لم تكن نهاية لموضوع بحثي، وإنما بداية لمسار علمي يمكن أن يقود إلى تطوير جرارات زراعية أكثر ذكاءً وكفاءة في المستقبل.
لو أصبحت النماذج التنبؤية جزءًا من أنظمة تشغيل الجرارات مستقبلًا، كيف تتوقعين أن يتغير دور الإنسان في اتخاذ القرار داخل الحقل الزراعي؟
أعتقد أن دور الإنسان لن يختفي، وإنما سيتحول من اتخاذ القرارات التشغيلية المباشرة إلى الإشراف على الأنظمة الذكية وتقييم أدائها. فالنموذج التنبئي سيكون قادرًا على اقتراح أفضل سرعة تشغيل أو عمق حراثة أو نظام دفع لتحقيق أعلى كفاءة، لكن القرار النهائي سيبقى بيد المهندس أو المشغل الذي يراعي الظروف الحقلية غير القابلة للقياس الكامل. كما أن الإنسان سيظل مسؤولًا عن تفسير النتائج والتعامل مع الحالات الاستثنائية التي قد لا تكون موجودة ضمن بيانات التدريب. لذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يهدف إلى استبدال الخبرة البشرية، وإنما إلى دعمها وجعل قراراتها أكثر دقة وسرعة. وهذا التكامل بين الإنسان والتقنية هو ما سيقود مستقبل الزراعة الذكية.
بعد سنوات، عندما يعود باحث آخر إلى هذه الرسالة ليبني عليها دراسة جديدة، ما الفكرة التي تتمنين أن يجدها ما تزال قادرة على إنتاج معرفة جديدة؟
أتمنى أن يجد في هذه الرسالة فكرة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة علمية فاعلة في تطوير هندسة الآلات الزراعية، وليس مجرد تقنية مساندة لتحليل البيانات. كما أتمنى أن يلاحظ أن النماذج التنبؤية يمكن تطويرها باستمرار كلما توفرت بيانات جديدة وظروف تشغيل مختلفة، مما يجعلها قابلة للتحديث والتوسع مع تطور التقنيات الزراعية. وأرجو أن تكون هذه الدراسة أساسًا لأبحاث تتناول آلات زراعية أخرى، أو أنواعًا مختلفة من التربة، أو خوارزميات أكثر تطورًا. فإذا استطاع باحث مستقبلاً أن يبني على هذه النتائج ويحقق دقة أعلى أو يطبقها عمليًا داخل الجرارات الذكية، فسأعتبر أن رسالتي حققت هدفها الحقيقي، وهو أن تكون نقطة انطلاق لإنتاج معرفة جديدة تسهم في خدمة القطاع الزراعي وتطويره.
في الختام
نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الباحثة بنين عبد الحكيم محمد على رحابة صدرها، وما قدمته من رؤى علمية عميقة أسهمت في تقريب أفكار رسالتها إلى القارئ، متمنين لها دوام التوفيق والنجاح، وأن تكون هذه الدراسة محطة تنطلق منها أبحاث جديدة تسهم في تطوير هندسة الآلات الزراعية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في خدمة القطاع الزراعي.