كيف نربي جيلاً قادراً على الاختيار؟
شبكة النبأ
2026-06-14 03:53
في أحد الصفوف الدراسية، طرح المعلم سؤالًا بسيطًا على طلبته: "ما التخصص الذي ترغبون بدراسته بعد التخرج؟". لم تكن الإجابات تعكس رغبات شخصية بقدر ما كانت تعكس رغبات الآخرين. أحدهم قال: "والدي يريدني طبيبًا"، وآخر أجاب: "العائلة قررت أن أدخل الهندسة"، بينما اكتفى ثالث بالقول: "سأرى ما يختاره لي أهلي".
قد يبدو المشهد مألوفًا في كثير من المجتمعات، لكنه يكشف قضية أعمق من مجرد اختيار تخصص دراسي. فالسؤال الحقيقي لا يتعلق بالمهنة التي سيختارها الشاب، وإنما بقدرته على الاختيار أصلًا.
هنا تبدأ واحدة من أكثر القضايا تأثيرًا في مستقبل المجتمعات: ثقافة اتخاذ القرار واستقلالية الشباب.
فالإنسان لا يُبنى بالمعرفة وحدها، ولا بالمهارات التقنية فقط، وإنما بقدرته على التفكير المستقل وتحمل مسؤولية خياراته. والفرق الجوهري بين الفرد الفاعل والفرد التابع يكمن في امتلاك الإرادة والقدرة على الحسم وتحمل نتائج القرار. ومنذ اللحظات الأولى لتكوين الشخصية تبدأ هذه الملكة بالنمو أو التراجع بحسب البيئة التي يعيش فيها الإنسان.
المفارقة أن كثيرًا من المؤسسات التربوية والاجتماعية تعلن رغبتها في صناعة جيل مبدع ومبادر وقادر على القيادة، بينما تمارس في الواقع أنماطًا تربوية تقوم على التوجيه الدائم والحماية المفرطة والرقابة المستمرة. وبدل أن يتعلم الطفل كيف يختار، يتعلم كيف ينتظر من يختار عنه.
في الأسرة غالبًا ما يبدأ الأمر بدافع المحبة والخوف والحرص. يحاول الأب أو الأم تجنيب الأبناء الأخطاء، فيقدمان لهم الإجابات الجاهزة والحلول المسبقة. ومع مرور الوقت تتحول النصيحة إلى وصاية، ويتحول الإرشاد إلى إدارة كاملة للحياة. وعندما يبلغ الشاب مرحلة الرشد يجد نفسه أمام عالم واسع يتطلب قرارات يومية، بينما لم تتح له فرصة كافية لتدريب عقله على الاختيار.
وتتسع الدائرة خارج المنزل. فالمدرسة العربية التقليدية ما زالت في كثير من الأحيان تمنح الأولوية للحفظ والطاعة والانضباط أكثر من تنمية التفكير النقدي والاستقلالية. الطالب الذي يكرر ما يقوله المعلم يحصل على التقدير، أما الذي يناقش أو يقترح أو يجرب مسارًا مختلفًا فيُنظر إليه أحيانًا بوصفه مصدر إرباك للنظام التعليمي.
وعندما ينتقل الشاب إلى الجامعة أو سوق العمل، تستمر الثقافة ذاتها بأشكال مختلفة. المدير يفضل الموظف الذي ينفذ التعليمات دون نقاش، وبعض المؤسسات تنظر إلى المبادرة الفردية باعتبارها خروجًا عن المألوف. وهكذا تتشكل حلقة متصلة تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند المؤسسة، تنتج أفرادًا ينتظرون التوجيه أكثر مما ينتجون الأفكار.
تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تصادر حرية القرار فقط، وإنما تؤثر في بنية الشخصية نفسها. فالقرار ليس إجراءً إداريًا عابرًا، بل عملية عقلية ونفسية تبني الثقة بالنفس والشعور بالمسؤولية والقدرة على التكيف مع المتغيرات. وكل قرار يتخذه الإنسان بنفسه يمثل تدريبًا عمليًا على النضج.
ولهذا نجد أن المجتمعات التي نجحت في بناء اقتصاد المعرفة والابتكار لم تركز على التعليم وحده، وإنما اهتمت بتنشئة الأفراد على الاستقلالية وتحمل المسؤولية منذ المراحل المبكرة. فالابتكار يبدأ من سؤال، والسؤال يحتاج إلى عقل حر، والعقل الحر يحتاج إلى بيئة تسمح له بالتفكير والاختيار والتجربة.
إن الشباب الذين اعتادوا اتخاذ قراراتهم الصغيرة يصبحون أكثر قدرة على اتخاذ القرارات الكبرى. واختيار كتاب أو نشاط أو هواية في مرحلة مبكرة قد يكون تدريبًا أوليًا على اختيار التخصص والعمل والشريك ومسار الحياة لاحقًا. لذلك فإن السماح للشباب بخوض تجاربهم الخاصة لا يعني التخلي عنهم، وإنما يعني منحهم فرصة النمو الطبيعي.
والتحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين التوجيه والاستقلالية. فالمجتمع يحتاج إلى قيم تضبط السلوك وتحافظ على تماسكه، ويحتاج في الوقت نفسه إلى أفراد يمتلكون شخصيات مستقلة قادرة على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية. فالإفراط في الوصاية يضعف الإرادة، والإفراط في الانفلات يضعف الانضباط، وبين الطرفين تتشكل المساحة التي تنمو فيها الشخصية السوية.
لهذا تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى مراجعة كثير من الأنماط التربوية السائدة داخل الأسرة والمدرسة والمؤسسة. فمستقبل المجتمعات لا يُقاس بعدد الشهادات التي يحملها شبابها فقط، وإنما بعدد العقول القادرة على اتخاذ القرار، وتحمل مسؤوليته، والمبادرة إلى الفعل.
فالأمم التي تصنع قادة المستقبل تبدأ أولًا بصناعة أفراد يثقون بقدرتهم على الاختيار. وحين يتعلم الشاب أن يفكر بنفسه، ويقرر بنفسه، ويتحمل نتائج قراراته بنفسه، يكون المجتمع قد وضع حجر الأساس لبناء إنسان مستقل، وإنسان مستقل يعني مجتمعًا أكثر حيوية وقدرة على التقدم ومواجهة تحديات العصر.