يراد لها أكثر من طبري

د. جليل وادي

2026-04-19 04:55

للسخافة تاريخ، فمنذ وجد الانسان وجدت السخافة، فالناس أجناس كما يُقال، ليس جميعهم مثاليون، بل فيهم من هو على النقيض من ذلك تماما، وما الأديان الا طريق للانتقال بالانسان من سخافته الى مثالية لم يبلغها الا قلائل من الذين تمكنوا من حفر أثر لهم في الذاكرة الجماعية، فأصبحوا رموزا للاقتداء، وقد تمكنت الأديان بفعل نماذجها القيادية من تقريب غالبية الناس من المثالية والابتعاد عن السخافة، وهو ما جعل مساحة الخير في الدنيا أكبر من مساحة الشر.

ومع ان للسخافة في لغتنا معنى مختلف عن معناها الاجتماعي المتداول الذي يذهب الى ان السخافة تعني قلة الاخلاق، او ان السخفاء سيئون، ولا يحظون بكبير احترام بين الجماعات التي ينتمون لها او بين من يعرفونهم، بينما المعنى الحقيقي يشير الى ان السخافة لا تعني عدم التحلي بالخلق، بل تعني التفاهة او قلة القيمة في الكلام او التصرف او التفكير، او السطحية بمعنى الخلو من العمق، او السلوكيات غير الناضجة او الأفكار غير المدروسة او التي لا وزن لها وفقا للمعايير التي يحتكم اليها المجتمع، لكننا في الواقع عندما نقول هذا رجل سخيف، فلا نعني بذلك انه بلا قيمة او تافه، بل المعنى يحيل الى جوانب غير أخلاقية أكثر من التفاهة التي تفلسف فيها الكاتب الكندي آلان دونو في كتابه (نظام التفاهة) الذي خلاصته تذهب الى ان عالمنا يحكمه التافهون، ولك في رواد جزيرة ابستين مثالا، وربما من الأسئلة التاريخية التي تفرض نفسها علينا : لماذا وكيف تمكن التافهون من التحكم بنا، بينما أُقصي المثاليون، ومن لهم قيمة كبيرة ؟، وفي كل الأحوال نحن لم نوصل لتاريخ السخافة كما أرخ الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (لتاريخ الجنون).

واذا كان المفهوم الاجتماعي هو الأكثر تأثيرا في حياتنا من المفاهيم اللغوية للمصطلحات، لذلك لابد من الركون الى ان السخافة تعني ان صاحبها يفتقد الخلق الرفيع، وما كان بمقدورنا أن نوصمه بهذه الوصمة لو لم تكن حياتنا بعيدة في غالبها عن السخافة، او ان أكثرية الناس يقتربون من المثالية، ولو كان الأمر معكوسا لكانت المثالية استثناء تماما، كما العاقل بين المجانين، فهو مجنون بنظرهم، وهم العقلاء بحسب كاتبنا اللبناني الكبير جبران خليل جبران.

ومع ان كتابنا القدامى تناولوا بعضا من ظواهر تاريخنا الاجتماعي كالجاحظ في كتابه عن البخلاء، الا ان حجمها قياسا بتاريخنا السياسي المكتوب قطرة في بحر، فقد أُهمل الكثير من تاريخنا الاجتماعي، لا سيما في ظواهره السخيفة، بينما انشغل مؤرخونا بالتاريخ السياسي والديني ورجالهما في جل أعمالهم، وربما يعزى ذلك الى عدم القبول الاجتماعي بتلك الموضوعات الذي أدركه المؤرخون، او الرغبة في تجنبه لتأثيره في الصورة التي يريدونها ايجابية عنهم في أذهان الناس، او ما يطلق عليه بالهوية المثالية، أي انهم حرصوا على أن تكون هوياتهم لدى المجتمع مثالية، لذلك أغفلوا توثيق الكثير من الظواهر التي حاول نفر قليل تحريكها في العقود الأخيرة بعناوين (المسكوت عنه) في تراثنا، وهي في جلها غير اجتماعية، وكثيرا ما تندرج في اطار الفكر الديني.

السخفاء كُثر في تاريخنا، وازدادوا في راهننا، ولكم أن تتأملوا في واقعنا على مستوى السلوك، فكم حجم السخافة بنظركم؟، تأملوا في بعض أمثالنا الشعبية التي يجري تداولها في الجلسات الخاصة، اذ فيها من السخيف ما يثير الاستغراب، وما يتعذر ايراده هنا، او اطلعوا على بعض أعمالنا الأدبية والفنية، سترون فيها من الألفاظ والمعاني السخيفة الكثير، حتى ان المرء يُدهش كيف لشخص يدعي انه شاعر يورد مثل هذه المعاني، بينما نعول عليه بالارتقاء بذائقة الناس الى ما هو رفيع، وبتنا نرى من الحوادث السخيفة في يومنا ما يقشعر له بدنك، ويحرمك نوم ليلك، لأن من قام بها يحسب على النخبة.

ان السخافة بمعنى الافتقار للأخلاق ظاهرة تتسع، وباتساعها تغدو حياتنا جحيما، بخاصة عندما نتعامل معها بلا مبالاة، ولن أحدثكم عن السخافة في السياسة ماضيا وحاضرا، فذلك يُراد له مجلدات وأكثر من طبري، لأن تاريخ السخافة طويل.

ذات صلة

بناء الشخصية الشبابية بين معرفة الحقِّ واستثمار المعرفةالإبلاغ والوظيفة الإبلاغية في القرآن الكريم وفق لسانيات النصنقاش الساعةقراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيلقنابل بيولوجية في المسيب.. دراسة المعموري تكشف تزييف سجلات النفايات الطبية