لا تسرقوا رواتب الناس باسم الأزمة المالية

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-08-02 02:53

كلما تعثرت الدولة في إدارة المال العام، خرج علينا من يقترح الحل نفسه: خفضوا رواتب الموظفين. وكأن الموظف العراقي أصبح صندوق الطوارئ الذي تلجأ إليه الحكومات كلما فشلت، أو كلما انخفض سعر النفط، أو كلما اكتشفت أنها أنفقت أكثر مما ينبغي. هذا ليس إصلاحًا. وهذا ليس تقشفًا. وهذا ليس علمًا اقتصاديًا. إنه نقل مباشر لكلفة فشل الدولة إلى جيوب المواطنين.

الموظف لم يبدد المال العام، ولم يوقع العقود الفاسدة، ولم يخلق الاقتصاد الريعي، ولم يهدر المليارات، ولم يعطل الاستثمار، ولم يبنِ موازنة تعتمد على النفط وحده. فلماذا يُطلب منه أن يدفع ثمن كل ذلك؟ إن أي مقترح يتضمن تخفيض رواتب الموظفين هو في حقيقته إعلان رسمي بأن الدولة قررت أن تعالج أخطاءها من جيب المواطن، لا من إصلاح نفسها. أما إذا كان الحديث عن تخفيض رواتب الدرجات الخاصة، فهذه قضية مختلفة تمامًا.

صحيح أن تخفيض رواتب الدرجات الخاصة لا يحل الأزمة المالية، لأن عددهم محدود، لكنه أيضًا لا يوقعهم في ضائقة معيشية، لأن رواتبهم وامتيازاتهم ما تزال مرتفعة بما يكفي للحفاظ على مستوى حياتهم. أما الموظف العادي، فإن كل دينار يُقتطع من راتبه يقتطع من معيشة أسرته. هناك فرق كبير بين من يخسر جزءًا من امتيازاته، ومن يخسر جزءًا من قوته اليومي. هناك فرق بين تقليل الرفاهية وتقليل القدرة على الحياة. ولهذا فإن المساواة بين الحالتين ليست عدالة، لأنها تتجاهل اختلاف الأثر الحقيقي على الإنسان.

الأخطر من ذلك أن تخفيض رواتب الموظفين لا يعالج أصل المشكلة أصلًا. فإذا كانت الأزمة ناتجة عن سوء إدارة المال العام، فإن العلاج يجب أن يكون في إدارة المال العام، لا في رواتب الموظفين. ابدؤوا بإيقاف الهدر. ابدؤوا بإلغاء الإنفاق غير الضروري. ابدؤوا بالامتيازات غير المبررة.

 ابدؤوا بالأموال العامة المنهوبة. ابدؤوا بالمشاريع الوهمية. ابدؤوا بإصلاح النظام المالي والإداري الذي أنتج الأزمة. أما أن تبقى أسباب المرض كما هي، ثم تُخفض رواتب الموظفين، فهذه ليست سياسة مالية، بل اعتراف بالعجز. والأغرب من ذلك أن بعض من يقدمون هذه المقترحات يتحدثون عنها وكأنها شجاعة اقتصادية. أي شجاعة في أن تمد يدك إلى راتب موظف يعيش على دخل محدود؟ وأي بطولة في أن تجعل ملايين الأسر تدفع ثمن أخطاء لم ترتكبها؟

إن الدولة التي لا تعرف كيف تدير مواردها ليست مؤهلة لأن تعطي المواطنين دروسًا في التقشف. قبل أن تطلبوا من المواطن أن يشد الحزام، اسألوا أنفسكم: هل شدّت الدولة حزامها؟ هل أوقفت الهدر؟ هل راجعت أولوياتها؟ هل خفضت امتيازات أصحاب القرار؟ هل أصلحت المؤسسات التي تستهلك المال العام بلا إنتاج حقيقي؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن أي حديث عن تخفيض رواتب الموظفين ليس إصلاحًا، بل ظلم. وأقولها بوضوح: إن الدولة التي تعالج أزماتها المالية باقتطاع رواتب المواطنين تشبه رب أسرة يفشل في إدارة بيته، ثم يعاقب أبناءه بحرمانهم من الطعام.

المشكلة ليست في الأبناء، بل في الإدارة. وكذلك الدولة. إن العراق لا يعاني من نقص في قدرة شعبه على التضحية، بل يعاني من نقص في كفاءة إدارة موارده. ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الدولة، لا من المواطن. ويبدأ من تعظيم قيمة المال العام وتقليل الهدر، لا من تقليل دخل الموظف. فإذا كان لا بد من دفع ثمن الأزمة، فليدفعه أولًا من صنعها، لا من وقع ضحية لها.

ذات صلة

المذهب الكلامي في خطابات الإمام الحسين (ع).. دراسة تطبيقيةلماذا نصبح أفضل في الأربعين: ثم نترك أجمل ما فينا على طريق كربلاء؟المرأة في زيارة الأربعين والمسير مع ظلال زينبملائكة الرحمة في كربلاء: مفرزة أم الحمام أنموذجاً لخدمة ملايين الزائرينماذا بعد زيارة الأربعين؟