هل ما يجري في العراق فساد أم استيلاء على الدولة؟

قراءة في تحوّل الدولة من مؤسسة عامة إلى غنيمة سياسية واقتصادية

د. عقيل كريم الحسناوي

2026-07-13 03:29

لم يعد من الانصاف ولا من الشجاعة أن نصف ما يجري في العراق بأنه "فساد" فقط. هذه الكلمة أصبحت أضعف من الحقيقة، وأصغر من الكارثة. الفساد، في معناه المعروف، يعني أن هناك دولة قائمة، وقانونًا يعمل، ومؤسسات تؤدي وظائفها، ثم يأتي مسؤول أو موظف أو حزب لينحرف عن هذا النظام برشوة أو اختلاس أو عمولة أو عقد مشبوه. أما ما يجري في العراق، في صورته الأعمق، فهو ليس فسادًا داخل الدولة، بل استيلاء على الدولة نفسها.

الفرق كبير وخطير... الفساد العادي يسرق من الدولة، أما الاستيلاء على الدولة فيحوّل الدولة كلها إلى غنيمة. الفساد يعبث بعقد أو دائرة أو صفقة، أما الاستيلاء فيعبث بقواعد اللعبة كلها: من يشرّع، من يعيّن، من يراقب، من يمنح العقد، من يغلق الملف، ومن يحمي الفاسد إذا اقتربت منه يد القانون.

في العراق، لم تعد المشكلة في موظف يأخذ رشوة أو مسؤول يسرق عقدًا، هذه كلها نتائج لا جذور... الجذر الحقيقي هو أن الدولة قُسّمت سياسيًا واقتصاديًا كما تُقسّم الغنائم بعد المعارك. الوزارة حصة، الهيئة حصة، المنفذ حصة، المصرف حصة، المشروع حصة، كما أن الوظيفة العامة صارت بابًا للولاء لا للكفاءة. فلم تعد الدولة تقف فوق القوى السياسية، بل صارت أسيرة لها، تُدار بمنطق الحصة لا بمنطق القانون.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من سرق المال العام؟ بل: من جعل المال العام قابلًا للسرقة المستمرة؟ من حوّل المرفق العام إلى ملكية حزبية؟ من جعل التعيين السياسي أهم من الكفاءة؟ من جعل العقود العامة مصدر تمويل ونفوذ؟ من عطّل الرقابة عندما تقترب من الرؤوس الكبيرة؟ هنا لا نكون أمام فساد عابر، بل أمام نظام كامل يعيد إنتاج نفسه من خلال المال والمنصب والحماية المتبادلة.

في الأدبيات السياسية يسمى هذا النمط اختطاف الدولة أو الاستيلاء على الدولة. ومعناه أن القوى المتنفذة لا تكتفي بمخالفة القانون، بل تسعى إلى السيطرة على القانون والمؤسسات والقرارات بحيث تصبح الدولة نفسها أداة لخدمة مصالح خاصة. وهذا أخطر من الفساد التقليدي؛ لأن الفاسد التقليدي يخاف من الدولة، أما مختطف الدولة فيستخدم الدولة نفسها لحماية فساده.

التجربة الإيطالية تكشف جانبًا من هذه الصورة. ففي تسعينيات القرن الماضي، فجّرت تحقيقات "الأيادي النظيفة" فضيحة كبرى عُرفت باسم "مدينة الرشاوى"، حيث تبيّن أن الفساد لم يكن حالات منفردة، بل شبكة واسعة من تمويل الأحزاب وتوزيع العقود والعمولات. لكن إيطاليا، رغم عمق الفضيحة، امتلكت قضاءً قادرًا على فتح الملفات، ورأيًا عامًا ضغط بقوة، ونظامًا سياسيًا اهتز تحت وقع الفضيحة. بمعنى آخر: كان الفساد واسعًا، لكن الدولة لم تكن ميتة تمامًا.

أما في العراق فالأمر أكثر تعقيدًا. المشكلة ليست فقط في وجود شبكات فساد، بل في أن أدوات المحاسبة نفسها تقع تحت ضغط النظام السياسي الذي يفترض أن تراقبه. ولهذا لا تكفي محاكمة موظف صغير، ولا يكفي كشف عقد مشبوه، ولا تكفي حملة إعلامية موسمية. ما دام منطق الحصص باقيًا، فإن الفساد سيعود بأسماء جديدة وواجهات جديدة وشعارات جديدة.

وتجربة جنوب أفريقيا تقدم مثالًا آخر على معنى الاستيلاء على الدولة. فقد كشفت لجنة زوندو هناك كيف يمكن لشبكات النفوذ أن تتغلغل في التعيينات والشركات العامة والقرارات الكبرى وأجهزة الرقابة. لكن الحالة العراقية لها خصوصية أخطر: الاستيلاء ليس محصورًا بشبكة واحدة أو عائلة واحدة أو مركز واحد، بل هو استيلاء موزع بين قوى متعددة؛ تتصارع في الخطاب، وتتقاسم في الواقع. تختلف على حجم الحصة، لكنها لا تختلف كثيرًا على مبدأ الحصص نفسه.

وهنا تكمن مأساة العراق: الخصوم السياسيون قد يتبادلون الاتهام بالفساد، لكنهم يلتقون ضمنيًا عند قاعدة واحدة: لا تُمسّ بنية الغنيمة. يمكن فتح ملف ضد خصم، ويمكن إغلاق ملف لحليف، ويمكن استعمال مكافحة الفساد كسلاح تفاوضي لا كأداة تطهير. لذلك غالباً ما تتحول العدالة إلى انتقائية، والرقابة إلى ضغط سياسي، والنزاهة إلى شعار يُرفع عند الحاجة ويُنسى عند التسوية.

والأخطر من سرقة المال هو سرقة معنى الدولة من وعي المواطن. فالدولة لا تقوم بالقوة وحدها، بل تقوم أيضًا باقتناع الناس بشرعيتها القانونية والأخلاقية. تقوم حين يعتقد المواطن أن المحكمة تنصفه، وأن الإدارة تعطيه حقه، وأن القانون يُطبّق على الجميع، وأن المؤسسة العامة ليست ملكًا لحزب أو زعيم أو عشيرة. أما حين يقتنع المواطن بأن حقه لا يصل إلا بالوساطة، وأن القانون يُعطَّل أمام صاحب النفوذ، وأن الإدارة لا تراه إلا إذا جاءها محمولًا بحزب أو حماية أو رشوة، فإن الدولة تبدأ بالسقوط من الداخل قبل أن تسقط في الشكل.

في هذه الحالة تبقى المؤسسات قائمة في الشكل، لكنها تكون قد فقدت وظيفتها الحقيقية في حماية الحق وإنصاف المواطن. عندئذ يبحث المواطن عن بدائل خارج الدولة: العشيرة، الحزب، السلاح، القوة، الانتقام الشخصي، أو شراء الطريق إلى حقه بالمال. وهنا ننتقل من دولة القانون إلى تعدد مراكز القوة؛ أي من مجتمع تنظمه القاعدة القانونية إلى مجتمع تحكمه القدرة على الوصول والنفوذ والحماية.

ومن الناحية القانونية والاجتماعية، هذه هي النتيجة الأخطر لاختطاف الدولة: فقدان القدرة على ضمان الطاعة الطوعية للقانون. فالناس لا تلتزم بالقانون لأنه مكتوب فقط، بل لأنها تؤمن أن احترامه يحقق نتيجة عادلة. فإذا فقد المواطن هذا الإيمان، ضعفت هيبة الأحكام، وانتشرت الرشوة للحصول على الحقوق، وتوسع التهرب من الالتزامات العامة، وهاجرت الكفاءات، وشعر الشباب أن الالتزام بالقانون لا يكافئ صاحبه بل يعاقبه. عند هذه النقطة لا يعود الفساد مجرد سرقة للمال العام، بل يصبح تخريبًا للعقد النفسي بين المواطن والدولة، وتمهيدًا لتحويل المجتمع من منطق القانون إلى منطق القوة.

لهذا فإن وصف المشكلة بالفساد وحده يُبقي العلاج سطحيًا. أي أنه إذا قلنا إن المشكلة فساد، سنبحث عن موظف مرتشٍ. أما إذا قلنا إن المشكلة اختطاف دولة، فسنبحث عن الشبكة التي صنعت الموظف المرتشي، وحمته، وكررت نموذجه، ومنعت سقوطه. الأول يلاحق العرض، أما الثاني فيذهب إلى المرض.

العراق لا يحتاج إلى حملة فساد جديدة (رغم أهميتها ودعمنا لها) تنتهي كما انتهت سابقاتها. بل يحتاج إلى تحرير الدولة من منطق الغنيمة. يحتاج إلى كسر العلاقة بين الحزب والوزارة، بين المنصب والثروة، بين العقد العام والتمويل السياسي، بين الوظيفة والولاء. يحتاج إلى قانون أحزاب حقيقي، وتمويل سياسي شفاف، وتعيينات عليا قائمة على الكفاءة، وقضاء مستقل، ورقابة لا تُدار بالهاتف، ومؤسسات لا تُعامل بوصفها حصصًا انتخابية.

إن الدولة لا تُنهب فقط عندما يُسرق مالها، بل تُنهب عندما تُقسّم مؤسساتها، وتُفرغ قوانينها، وتُحوّل وظائفها إلى مكافآت، وتصبح مواردها وسيلة لإعادة إنتاج القوى نفسها. عند هذه اللحظة لا يكون الفساد انحرافًا عن النظام، بل يصبح النظام نفسه جزءًا من المشكلة.

والخلاصة القاسية أن العراق ليس أمام فساد تقليدي، بل أمام دولة مختطَفة سياسيًا واقتصاديًا. وما لم نستعد الدولة من منطق التقاسم، فلن تنفع كل شعارات الإصلاح. فالمعركة الحقيقية ليست ضد سارق هنا أو عقد هناك، بل ضد عقلية ترى العراق غنيمة لا وطنًا، وترى المال العام ميراثًا سياسيًا لا أمانة عامة. وعندما تنكسر هذه العقلية فقط، يمكن أن تعود الدولة دولة، لا سوقًا مغلقة لتقاسم النفوذ.

ذات صلة

الحاضنة الاجتماعية وصناعة الحكم الفاسدنهج الحسين (ع) في مواجهة الفساد والتأسيس للمواطنة الصالحةالسُّوسِيُولُوجيا النَّقْدِيَّةُ.. هَلْ هِيَ ثَوْرِيَّةٌ؟حملة الفجر.. ودق أبواب الجحيم!!بنين عبد الحكيم محمد لـ شبكة النبأ: الذكاء الاصطناعي يقود الآلات الزراعية من تفسير الأداء إلى التنبؤ به