المتقاعدون والحرمان من ممارسة مهنة المحاماة
احمد طلال عبد الحميد البدري
2026-07-09 04:44
أثير مؤخراً في الأوساط القانونية وعلى بعض وسائل التواصل الاجتماعي، ومنها منصة "مسارات قانونية" وبعض حسابات المحامين، مقترح حرمان المتقاعدين من حملة شهادة البكالوريوس في القانون من ممارسة مهنة المحاماة بعد تقاعدهم؛ بحجة الكبر في السن ومنافسة المحامين الشباب بسبب علاقات الموظف المتقاعد وخصوصاً إذا كان يشغل سابقاً منصباً قضائياً أو تحقيقياً، وبسبب تضخم أعداد المحامين وضيق الرزق وعدم توفر فرص للتوظيف وغيرها من المبررات.
وركزت المقترحات على الموظف المتقاعد كأنه سبب في افتقار المحامي وضيق العيش وانحسار الفرص، وأهملت ذكر المقترحات التي من شأنها تطوير مهنة المحاماة والارتقاء بها واستثمار أموال النقابة لخدمة أعضائها وأهدافها وغيرها من المقترحات التي يمكن أن تطور عمل المحاماة كمهنة حرة شريفة ونبيلة. وربما تكون هذه الملاحظات مهمة من وجهة نظر من يطرحها، وحرية الرأي والعمل النقابي المهني مكفولة للجميع دستورياً وقانونياً، لكن المقترحات التي تصدر من رجال القانون يجب أن تراعي القانون في طرحها، بعيداً عن العاطفة والانحياز المهني. وسنحاول الرد على هذا المقترح من وجهة النظر القانونية لكوني من المهتمين بمهنة المحاماة، ولكوني قد مارست هذه المهنة فعلياً لمدة عشر سنوات في مرحلة ما من مراحل حياتي وكنت حائزاً على الصلاحية المطلقة في ممارسة هذه المهنة، واطلعت على خفاياها ومعاناتها وصراعاتها المهنية عن كثب، وكما يأتي:
المحور الأول: التأصيل الدستوري لحق العمل والتنظيم النقابي
حق العمل الحر: هو حق دستوري كفلته المادة ($22$/ أولاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 حيث نصت على أن: «العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة»، والملاحظ أن هذا النص ورد مطلقاً لم يميز بسبب الجنس أو القومية أو الدين أو العمر، أي لم يميز بين كبير السن أو شاب في مقتبل العمر. وبالتالي فإن حرمان كبار السن من العمل بحجة الاحتفاظ بكرامتهم هو أمر غير دستوري؛ لأن الأصل هو أن العمل من يحفظ كرامة الإنسان ويوفر لها سبل العيش الكريم.
تأسيس النقابات والانضمام إليها: إن حق الانتساب للنقابات المهنية هو حق دستوري كفلته المادة ($22$/ ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي نصت على أن: «تكفل الدولة حق تأسيس النقابات والاتحادات المهنية، أو الانضمام إليها، وينظم ذلك بقانون». وبالتالي فإن حق الانضمام للنقابات المهنية كنقابة المحاماة ونقابة الأطباء ونقابة المحاسبين وغيرها هو حق دستوري. ونص الدستور على تنظيم حالة الانضمام لهذه النقابات بموجب القانون، ويلاحظ أن النص الدستوري أشار إلى (التنظيم) وليس (التقييد)، فكل نص قانوني يقلل من فاعلية النص الدستوري أو ينتقص من الحق أو الحرية المنظمة بموجب القانون يعد نصاً مخالفاً للدستور.
عدم المساس بجوهر الحق: هذا ما أشارت إليه المادة ($46$) من دستور جمهورية العراق عندما نصت على أنه: «لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة بهذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءً عليه، على أن لا يمس ذلك التحديد أو التقييد جوهر الحق أو الحرية». وبموجب هذا النص فإن المشرع مقيد بموجب نص آمر بعدم الانتقاص من جوهر الحق أو الحرية عند تنظيم ممارستها، والحرمان من العمل أقسى انتقاص ينال من حق العمل والانضمام للنقابات المهنية.
المحور الثاني: الموقف التشريعي في قانون المحاماة العراقي
أباح قانون المحاماة رقم ($173$) لسنة $1965$ المعدل الانتماء لنقابة المحامين ونظمها بشروط وردت في المادة ($2$) منه. وبالرجوع للفقرة (سادساً)، وهي تخص من كان موظفاً وانقطعت علاقته بالوظيفة سواء بالتقاعد أو الاستقالة، فقد أوردت قيداً عاماً مؤقتاً عندما نصت على أن يكون: «غير معزول من وظيفته أو مهنته أو معتزل لها أو منقطع الصلة بها لأسباب ماسة بالذمة أو الشرف ما لم تمضِ سنتان على ذلك».
والمفهوم المخالف للنص سابق الذكر هو جواز انتماء الموظف للنقابة متى ما انقطعت علاقته بالوظيفة لأسباب مشروعة لا تمس ذمته أو شرفه، كالإحالة على التقاعد أو الاستقالة، إضافة لتحقق الشروط الأخرى المنصوص عليها في هذه المادة. ولما كان الانتماء لنقابة المحاماة اختيارياً لمن يريد ممارسة هذه المهنة استناداً للمادة ($1$) من قانون المحاماة، فإن للموظف المتقاعد الذي تتوفر شروط الانتماء للنقابة له الخيار بالانتماء للنقابة إذا توفرت فيه المقومات الجسدية والنفسية التي تؤهله لذلك أو بسبب ظروفه الاقتصادية. فضلاً عن ذلك، فإن ليس كل المتقاعدين يرغب بالانتماء للنقابة بعد تقاعده، وبالتالي فإن قانون نقابة المحامين بوضعه الحالي ينسجم مع النصوص الدستورية سابقة الذكر.
المحور الثالث: تفنيد مبررات المنع (استغلال النفوذ وازدواج الرواتب)
ادعاء المنافسة غير العادلة واستغلال العلاقات: إن الادعاء بقيام المتقاعدين المنتمين للنقابة بمنافسة المحامين الأحداث والمحامين المتمرسين في اقتناص فرص العمل والقضايا بسبب استغلال علاقاتهم الوظيفية هو ادعاء مردود؛ لأن قانون المحاماة ذاته منع استغلال العلاقات الوظيفية السابقة وأخضع هذه الممارسات لرقابة نقابة المحامين ذاتها، حيث نصت المادة ($47$) منه على أنه:
1. يمتنع على المحامي الذي تولى الوزارة أو عضوية المجالس العامة قبول الوكالة بنفسه أو بواسطة محامٍ يعمل لحسابه في دعوى ضد الوزارة التي يتولاها أو المجلس الذي كان عضواً فيه، وذلك خلال السنتين التاليتين لتركه الوزارة أو إنهاء العضوية.
2. لا يجوز لمن عُرضت عليه دعوى أو أبدى فيها رأياً بصفته حاكماً أو خبيراً أن يقبل الوكالة أو الدعوى نفسها سواء بنفسه أو بواسطة محامٍ يعمل لحسابه.
المقترح التعديلي: يمكن للنقابة أن تورد تعديلها على هذه المادة لتوسيع نطاق المنع الوارد فيها بإضافة طائفة الموظفين العموميين والهيئات القضائية وأعمال التحقيق والتحري إلى الفقرة ($1$) من المادة ($47$) سابقة الذكر، لمنع الموظف ممن كان يعمل في هيئة قضائية أو أعمال التحقيق والتحري من قبول دعاوى في الدائرة التي كان يعمل فيها سابقاً؛ لمنع تضارب المصالح والحد من استغلال نفوذ الوظيفة والعلاقات، إذ إن هذا النص يكفل معالجة مشكلة استغلال العلاقات الوظيفية السابقة في العمل عند ممارسة مهنة المحاماة، لا بحرمان المتقاعد من حقه الدستوري بالانتماء لنقابة المحامين وممارسة مهنة المحاماة؛ فالتعديل يجب أن ينال أصل المشكلة لا أصل الحق أو الحرية بشكل مطلق.
ادعاء ازدواج الراتب التقاعدي: إن الادعاء بازدواج حصول الموظف المتقاعد على راتبين تقاعديين (واحد لقاء خدمته الوظيفية السابقة، والثاني من صندوق تقاعد المحامين) مردود على صاحبه؛ ذلك أن الراتب التقاعدي يمثل حصيلة مبالغ التوقيفات التقاعدية التي تستقطع شهرياً من رواتب موظفي الدولة والمكلفين بخدمة عامة إضافة لمساهمة الدولة بنسبة لا تتجاوز ($15%$) من راتب الموظف. وبالنتيجة فإن الراتب التقاعدي حصيلة ما تم استقطاعه من راتب الموظف خلال سنين الخدمة وليس هبة أو منحة، كما أن أي خدمات أخرى لا تُضاف إلى رصيد الموظف بعد إحالته على التقاعد، ويترتب على ذلك أنه لا يمكن إضافة خدمة المحاماة إلى خدمته التقاعدية، ولا يمكن أن يتقاضى راتباً تقاعدياً من صندوق النقابة لأنه انتمى إليها وهو متقاعد أصلاً، ويفترض أنه مؤشر في إضبارته الشخصية كونه متقاعداً.
ويمكن بإجراء إداري التحقق من موقف المنتمي من خلال إجراء مقاطعة بالأسماء مع هيئة التقاعد الوطنية، إذ إن قانون التقاعد الموحد رقم ($9$) لسنة 2014 منع حالة الازدواج في الحصول على المستحقات التقاعدية في المادة ($21$/ حادي عشر) التي نصت على أنه: «لا يجوز للمتقاعد تقاضي أكثر من راتب تقاعدي استحقه بموجب أكثر من قانون وله أن يختار لمرة واحدة فقط مبلغ الراتب التقاعدي الأفضل». وهنا يجب أن ننوّه إلى ضرورة حوكمة إجراءات النقابة عند انتماء المتقاعدين أو إعادة انتمائهم لتثبيت مركزهم كمتقاعدين وعدم استيفاء مبالغ منهم من صندوق تقاعد المحامين عند تجديد اشتراكاتهم، كون المسألة تنظيمية وإدارية وليس قصوراً تشريعياً.
المحور الرابع: جدلية المقابلة التشريعية (قانون رقم 65 لسنة 2007)
إن القول بحرمان المتقاعد من ممارسة مهنة المحاماة معناه أن يستتبع ذلك إجراء مقابل يتمثل بإلغاء قانون احتساب مهنة المحاماة لكافة الأغراض في الوظيفة العامة رقم ($65$) لسنة 2007 المعدل، وهذا أيضاً وفق منطق أصحاب الاقتراح يعد عادلاً؛ لأن إلغاء هذا القانون لا يمنع حق التوظيف لكنه يمنع من حصول المحامي على درجة وظيفية وراتب هذه الدرجة في ضوء خدمة المحاماة السابقة دون أن يكون له خدمة فعلية بالوظيفة، وهذا وفقاً لمنطق أصحاب الاقتراح من شأنه منافسة الموظف تحت التجربة والموظفين الأحداث والأقدمين في الوظيفة.
التوصيات الختامية والنداء التحريري
إن اقتراح تعديل القوانين النافذة ومنها قانون المحاماة يتطلب من القائمين عليه دراسة القوانين ذات العلاقة بالقانون المراد تعديله والإحاطة بالقوانين المقارنة المماثلة للاطلاع على التجارب القانونية السابقة، وأن لا يتضمن التعديل ثلمة بالحقوق الدستورية، وأن يكون لديها دراسات وإحصائيات لتثبيت المشكلة فعلاً لا مجرد الاطلاع على الآراء والتجارب الشخصية.
ومن هذا المنبر، ندعو المشرع العراقي إلى دراسة مقترح التعديل بتأنٍ وبالرجوع للقوانين ذات العلاقة بقانون التعديل والقوانين المقارنة، ونقترح إضافة تعديل للقانون يسمح للأساتذة الجامعيين من حملة شهادة الدكتوراه في القانون من ممارسة المحاماة أثناء الوظيفة على غرار القانون المصري؛ للاستفادة من خبرة بعض فقهاء القانون أمام المحاكم العليا… والله ولي التوفيق.