أيهما المقصّر.. القيادات أم الشعب؟
د. عقيل كريم الحسناوي
2026-07-05 05:01
كلما تفاقمت أزمة في العراق، وانتشر الفقر، وانهارت الخدمات، وضاعت الأموال، وتكاثرت البطالة والمخدرات والجريمة، خرج علينا سياسي أو خطيب أو رجل دين ليقول الجملة الأسهل والأكثر ظلمًا: "الشعب هو المقصّر".
الشعب لا يلتزم، الشعب لا يصبر، الشعب لا يحسن الاختيار، الشعب لا يشكر النعمة، الشعب ابتعد عن الدين، الشعب لا يؤدي واجباته.
وكأن هذا الشعب هو الذي استولى على الوزارات، ووزع المناصب بالمحاصصة، ووقّع العقود الوهمية، ونهب الموازنات، وهرّب الأموال، وعطّل المصانع، وترك الحدود مفتوحة، وأغرق البلاد بالسلاح والمخدرات!
وكأن المواطن الفقير هو الذي يملك القرار والميزانية والأجهزة الأمنية والمؤسسات والفضائيات والمنابر، ثم تعمّد تدمير بلده!
لقد أصبح اتهام الشعب مهنة مريحة يمارسها بعض السياسيين وبعض رجال الدين والخطباء. السياسي يفشل في الحكم، فيقول: الشعب لم يتعاون. والخطيب ورجل الدين يجلس في مكان آمن، ثم يطالب الناس بالمزيد من الصبر والطاعة والتضحية. كلاهما يطلب من المواطن أن يدفع الثمن، بينما يحتفظ هو بالموقع والامتياز والراتب والحماية.
هذا ليس وعظًا، بل إعفاء للمسؤول من المسؤولية. وليس دفاعًا عن الدين، بل استخدام للدين في حماية الفشل السياسي.
الشعب أعطى كل شيء
ماذا بقي على الشعب العراقي أن يقدمه؟
قدّم أبناءه في الحروب، وقدّم شبابه في مواجهة الإرهاب، وقدّم آلاف الشهداء والجرحى والمفقودين. باع بعض الفقراء ممتلكاتهم لتمويل القتال، وترك آخرون أعمالهم وعائلاتهم دفاعًا عن المدن والمقدسات والوطن.
تحمل الحصار والاحتلال والإرهاب والنزوح والفقر وانقطاع الكهرباء وفساد المؤسسات. صبر على المستشفيات التي لا دواء فيها، والمدارس التي لا تصلح للتعليم، والطرق المهدمة، والبطالة، والرواتب المتأخرة، والمشروعات التي تُعلن ولا تُنجز.
لقد أعطى الشعب الدم والمال والعمر والأمل.
فماذا أعطت القيادات؟
هل باعت قصورها من أجل الفقراء؟ هل تخلّت عن امتيازاتها؟ هل أرسلت أبناءها إلى الخطر كما أرسلت أبناء الناس؟ هل انتظر أبناؤها في المستشفيات الحكومية؟ هل وقفوا في طوابير التعيين؟ هل عاشوا من دون كهرباء وماء صالح للشرب؟
أم إن التضحية عندهم واجب على الشعب، والنعيم حق للقيادة؟ فالقيادات لم تضحي الا بالشعب.
خطباء يجلدون الضحية
الأخطر من فشل السياسي أن يجد خطيبًا يبرر له، ورجل دين يحوّل جريمة السلطة إلى خطيئة في رقبة المواطن.
يجلس بعض الخطباء أمام الناس ليقولوا لهم: أنتم سبب ما يحدث، لأنكم لم تصلحوا أنفسكم، ولم تصبروا، ولم تطيعوا، ولم تشكروا.
نعم، إصلاح النفس واجب، والمجتمع ليس معصومًا، ومن الناس من يبيع صوته، ويقبل الواسطة، ويشارك في الفساد. لكن هل يجوز أن نجعل أخطاء الأفراد ستارًا يحجب مسؤولية من نهب الدولة؟
من يملك السلطة يتحمل مسؤولية أكبر من الذي لا يملك قوت يومه.
ومن يملك المليارات والموازنات وأجهزة التنفيذ لا يساوى بمواطن لا يستطيع الحصول على معاملة إلا بعد شهور.
وعندما ينشغل الخطيب بتأنيب الفقير، ويسكت عن الفاسد النافذ، فإنه لا يقف في الوسط، بل يقف إلى جانب الفاسد.
وحين يطلب من الناس الصبر، ولا يطلب من المسؤول ردّ المال، فهو لا يعظ، بل يشارك في تخدير المجتمع.
وحين يتحدث عن طاعة السلطة، ولا يتحدث عن عدلها وأمانتها ومحاسبتها، فإنه يحوّل الدين إلى شرطي يحرس قصور الفاسدين.
الدين لم ينزل ليقنع المظلوم بالسكوت عن ظالمه، بل ليقيم العدل. قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
فأين القسط في خطاب يحمّل الضحية مسؤولية الجريمة، ويترك من صنعها خارج السؤال؟
المنبر الذي لا يقول الحقيقة يفقد حرمته الأخلاقية
ليس كل رجل دين مسؤولًا عن هذا الخراب؛ فهناك علماء وخطباء وقفوا مع الناس، ورفضوا الظلم، ودفعوا ثمن مواقفهم. لكن الخطر في أولئك الذين جعلوا المنبر وظيفة علاقات عامة للسلطة، يرفعون أصواتهم على الفقراء، ويخفضونها أمام أصحاب النفوذ.
ترتفع نبرتهم عندما يتحدثون عن تقصير المواطن في العبادة، لكنها تخفت عندما يصل الكلام إلى مليارات مسروقة.
يحدثون الموظف الصغير عن الأمانة، ولا يسمون من سرق الوزارات.
يطلبون من الشاب أن يزهد في الدنيا، ولا يسألون السياسي من أين جاءت القصور والحسابات والعقارات.
يقولون للجائع: اصبر، ولا يقولون للسارق: أعد أموال الناس.
أي دين هذا الذي يصبح شديدًا على الضعفاء، لينًا أمام الأقوياء؟
وأي منبر هذا الذي يحاكم الشعب، لكنه يخاف أن يقترب من المسؤول؟
إن المنبر الذي لا يقول الحقيقة في وجه السلطة يتحول من منبر هداية إلى منصة تبرير. والخطيب الذي يرى الظلم ثم يشغل الناس بعيوبهم الصغيرة كي لا يروا الجريمة الكبرى، لا يعالج المجتمع، بل يحرس نظام الفساد.
القيادة ليست خطبة
يستطيع أي إنسان أن يخطب ساعات عن الصبر والوطن والتضحية "والمتحدث يستطيع ان يتكلم ثلاثة أيام متواصلة عن الوعظ والإرشاد". الكلام لا يكلف شيئًا، ولا يحتاج إلى شجاعة عندما يكون صاحبه محاطًا بالحماية.
لكن القيادة تُقاس بالميدان، لا بالمنبر.
من وقف مع الناس في الخوف؟ من عاش جوعهم؟ من قدّم أبناءه؟ من خسر امتيازًا دفاعًا عن حقهم؟
الإمام الحسين عليه السلام لم يجلس في المدينة، ثم يرسل الناس إلى كربلاء. لم يقل لهم: اذهبوا وقاتلوا، فأنا إمامكم وقائدكم. بل سار بنفسه، وحمل أهله، ووقف في المقدمة، ودفع الثمن كاملًا.
لقد علّمنا الحسين أن القائد الحقيقي لا يضحّي بالناس، بل يضحّي معهم ومن أجلهم.
أما من يستدعي اسم الحسين ليطالب الناس بالصبر على الظلم، وهو لا يتنازل عن شيء من راحته، فقد أخذ من كربلاء دمعتها وترك موقفها.
الحسين لم يكن خطيبًا يوجه الناس من بعيد. كان أول من دخل الميدان وآخر من غادره.
أمير المؤمنين لم يختبئ خلف اللقب
قال الإمام علي عليه السلام:
"أأقنع من نفسي بأن يقال لي أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟".
هذه العبارة وحدها كافية لإدانة كل قائد يعيش في القصور، ثم يحدث الناس عن الصبر.
الإمام علي لم يرَ الإمارة امتيازًا، بل مسؤولية تجعله أقرب الناس إلى الألم. لم يطلب من الأمة أن تعيش الخشونة بينما يعيش في النعيم، ولم يجعل لقبه جدارًا يعزله عن الناس.
فمن يرضى أن يسمى قائدًا، لكنه لا يشارك الناس مكاره الدهر، عليه أن يسأل نفسه: ماذا بقي من معنى القيادة؟
الرسول كان في أول الصف
وقبل كل ذلك، عندما أمر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ببناء المسجد، حمل الحجر مع المسلمين. وعندما حفروا الخندق، حفر معهم. وعندما جاعوا، لم يكن يعيش على مائدة منفصلة، بل شد الحجر على بطنه.
لم يقل لهم: اعملوا، وأنا سأدعو لكم من بعيد.
لم يطلب منهم تضحية لا يعيشها.
فأي شبه بين هذا المنهج وبين مسؤول او رجل دين يطالب الناس بالتقشف، بينما تتضخم مخصصاته ومواكبه؟ وأي شبه بين الرسول الذي شارك الناس جوعهم، وخطيب يمدح صبر الجائع وهو لا يعرف الجوع؟
التاريخ يحترم من دفع الثمن
حتى في العصر الحديث، وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أفكار كل تجربة، ارتبطت شرعية قيادات مثل غاندي ومانديلا وماو ومارتن لوثر كينغ بأنها لم تطلب من شعوبها ثمنًا بقيت هي بعيدة عنه؛ فقد عرفت السجن والملاحقة والجوع والمنفى والخطر، وكانت حاضرة في الميدان لا خلف الجدران.
فالعظمة لم تأتِ من كثرة الخطب، بل من الاستعداد لدفع الثمن. القائد الحقيقي لا يقول للناس: اذهبوا، بل يقول: تعالوا معي، ثم يسير في المقدمة. أما من يطالب الشعب بالصبر والتضحية، وهو غارق في القصور والامتيازات، فليس قائدًا، بل متاجر بآلام الناس.
فمن أراد أن يقود الناس، فليعش آلامهم.
ومن أراد أن يطلب منهم التضحية، فليبدأ بنفسه.
أما من يريد للشعب أن يدفع الدم، بينما يحتفظ هو بالقصر والمال والحماية، فليس قائدًا، مهما علت صورته وكثرت ألقابه، بل شخص يتخذ من تضحيات الآخرين طريقًا إلى مجده الخاص.
كفى جلدًا للشعب
كفى حديثًا عن شعب لا يصبر. لقد صبر حتى أصبح الصبر ذريعة لاستمرار الفشل.
كفى حديثًا عن شعب لا يضحي. لقد ضحى حتى امتلأت المقابر، وبقيت القصور عامرة.
كفى طلبًا للمزيد من الدماء، بينما الذين يطلبونها لا يدفعون قطرة من دمائهم.
وكفى لبعض الخطباء أن يكونوا وكلاء لتوزيع الذنب على الفقراء، بينما يمنحون الفاسدين صكوك الصمت.
الشعب ليس مقدسًا، لكنه ليس المتهم الأول.
المتهم الأول هو من تسلم الأمانة فخانها، ومن امتلك السلطة فعطلها، ومن عرف الحقيقة فبرر نقيضها، ومن امتلك المنبر فاختار أن يلوم الضحية بدل أن يواجه الجلاد.
الميدان هو المعيار، لا الكلام.
وفي الميدان كان الشعب حاضرًا بدمه وأبنائه وأمواله.
أما القيادات، فكان كثير منها حاضرًا في الصور والخطب والمواكب.
وبعض رجال الدين والخطباء كانوا حاضرين لتفسير الفشل، لا لمنعه؛ ولتعليم الناس الصبر عليه، لا لمحاسبة من صنعه.
فلا تسألوا بعد اليوم: لماذا قصّر الشعب؟
اسألوا: ماذا فعل من حكمه؟ وماذا قال من وعظه؟ ولماذا اتفق السياسي والخطيب على أن يكون المواطن دائمًا هو المذنب؟
إن القيادة التي لا تتقدم الناس في التضحية لا تستحق أن تأمرهم بها.
والمنبر الذي لا يواجه الظلم لا يحق له أن يعظ المظلوم بالصبر.
والشعب الذي دفع كل هذا الثمن لا يحتاج إلى محاضرة جديدة في الواجبات؛ بل يحتاج إلى قيادة تؤدي واجبًا واحدًا من الواجبات التي ظلت تطالبه بها.