المنبر الحسيني والصمود امام زوبعة القفزة الرقمية

حسن السباعي

2026-05-25 01:23

هل ما يزال الخطاب الديني وبالخصوص المنبر الحسيني قادرًا على صناعة الوعي العميق في عصر تتحكم فيه خوارزميات الانتباه وثقافة المحتوى السريع؟

وكيف يمكن للمنبر الحسيني أن يجمع بين العمق الفكري والجاذبية ومتطلبات الاختصار والسرعة التي تفرضها المنصات الرقمية؟

كما أن الكتاب الورقي لم ينته دوره في ذروة التقدم التكنولوجي والرقمي، ولم يفقد مكانته رغم شاشات التلفاز والحاسوب؛ فكذلك الأمر عند الخطاب الديني الكلاسيكي، والمنبر الحسيني التقليدي على مشرِّفه السلام، إذ بعد مجيء الإذاعة والتلفاز كان من المتوقع أن يقل دور الكتاب المطبوع، وبعد الثورة الرقمية زاد احتمال انقراض الكتاب الورقي كليا، لكن ذلك لم يحصل وبقي الكتاب المطبوع محفوظا بل ارتفع مقامه وازدادت أهميته.. كمخطوطة ثمينة أو أثر نادر في متحف يزداد ثمنه عاما بعد عام من الناحية المادية والمعنوية.

وبناء على هذا الأساس؛ فإن المنبر الحسيني وهو ذو الكيان الذاتي المستقل ووسيلة الخطاب الأسمى، بقي صامدا ولم يفقد مكانته السابقة في زوبعة القفزة الرقمية بل ازداد صمودا.

وعلى الرغم من وجود المنبر الإلكتروني وسهولة الوصول لمواده بسهولة إلى كل يد وجيب وبيت وسيارة، وسهولة أخذ المعلومة الكاملة جاهزة وبجودة واختصار.. لكن القلوب تهفو وتشتاق إلى مجالس سيد الشهداء كنداء لحج في مجالس ذكر أبي عبد الله عليه السلام، فنرى الفرد يلتزم بحضور المجالس المجتمعية المحسوسة، بل ويخصص المزيد من الوقت ليستمع ساعة وهو بإمكانه أن يحصل على نفس المعلومة خلال لحظات بمشاهدة مقطع قد تم دعمه بالمؤثرات الفنية وزين بمؤثرات صوتية من خلال الذكاء الاصطناعي.

وعليه فإن المنبر الحسيني التقليدي الشامخ الصامد لا يزال قادرا وبقوة أن يصنع الوعي العميق في عصر تتحكم فيه خوارزميات التشتت الذهني والمحتوى السريع.. بل ولن يتمكن أي شيء أن يكون بديلا عنه، فنفس الموضوع قد طرح حين انتاج المسلسلات والأفلام التاريخية ذات التوجه الديني من حياة الأنبياء والأولياء عليهم السلام، في الفضائيات وأدوار السينما، وكان يعتبر ذلك تحدي أمام الخطاب الديني التقليدي القائم في المساجد والحسينيات وسائر المراكز الدينية ظاهرا.. إلا أن بريق تلك المسلسلات قد زال عن العيون والأبصار، وبقي المنبر يتألق أكثر. 

من هنا فإن التحديات الحالية كثقافة المحتوى السريع وسائر الخوارزميات ليست إلا فقاعات صابون تزول بزوال الموجة، ويبقى المنبر العميق هو الأصل حسب شهادة التاريخ، ومع أن هنالك من يساير التيار ويركب الموجة بإنتاج مقاطع قصيرة وتقديم المحتوى السريع بما يناسب الجيل الجديد، إلا أن أثره سيكون مؤقتا وليس على المدى الطويل.

ويمكن القول؛ أن الثقافة الرقمية هي بمثابة إعلان ودعاية أو لوحة ترشد إلى المنبر لمن يبحث عن عمق فكري، وعليه فإن لكل منهما خصوصيتهما ودورهما ولا يمكن أن يكون أحدهما بديلا عن الآخر أو أن يجمعهما في دور واحد، وبعبارة الاخرى؛ فإن المحتوى السريع هو بمثابة وسيلة من وسائل السير إلى المنبر؛ كـ مكبرات الصوت والميكروفون والشاشة والتسجيل الصوتي أو الفيديوي، وهذه الوسائل لا يمكن أن تكون بدائل عن المنبر بل تمهيد وإعلان موسع له..

ويبقى محتوى الخطاب الديني وهو الآخر له دور الوسيلة أيضا ويرتبط بالتحديات المعاصرة، فأصل المنبر لم يتغير منذ عهد المؤسس له وهو الإمام زين العابدين مع العقيلة الحوراء سلام الله عليهما، لكن المحتويات كوسائل الإيصال تتغير وتتطور حسب المقتضيات والمتطلبات.

* مداخلة مقدمة الى مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث في الجلسة الحوارية التي عقدها تحت عنوان: (تحديات الخطاب الديني في العصر الرقمي)

ذات صلة

الأحزاب الحرة تقضي على الاستبدادمناسك الحج.. إصرار ايماني في ظل الحرّ ولهيب الحربالإزاحة الجيلية المؤجلة: هل يعيد العراق تدوير أزماته؟البطالة المقنّعة في القطاع العام وتأثيرها على الاستدامة المالية للدولةتطوّر البحث في الكلمة القرآنيّة