في العراق: لا يُشرب الشاي بل يُعاش

د. مظهر محمد صالح

2026-04-04 04:37

ليس مبالغةً أن نقول إن الاستكان هو وحدة قياس غير مُعلنة للزمن العراقي، به يبدأ النهار وبه تُختم المجالس، وبينهما تتشكل تفاصيل الحياة. في البيت، في المقهى، في الدائرة الرسمية، في مجلس الفاتحة، وحتى في ذروة القيظ، حين تلامس الحرارة حدودها القاسية، يظل الشاي حاضراً، كأنه فِعل مقاومة ناعم ضد تعب الحياة.

هناك شيء يتجاوز الطعم، الشاي في العراق ليس شراباً بقدر ما هو مزاج عام يُدار جماعياً. أتذكر، كما يتذكر كثيرون، تلك الطقوس الصغيرة التي صنعت علاقتنا الأولى مع الشاي، حينما كانت صناديق الشاي تحمل في داخلها مفاجأة طفولية، تمثال فيل أسود من خشب داكن، كأن الاستهلاك نفسه كان يربّي خيالنا. ثم “اللعبة” الأجمل: شاي “نص ونص”، أو “شاي العروس”، حين ينقلب ترتيب الصبّ، فيصعد اللون الداكن إلى الأعلى، ويستقر الماء في الأسفل، فنشرب بأعيننا قبل أفواهنا. كنا نظنها لعبة… لكنها كانت أول درس في جماليات الاستهلاك.

في مكان ما من الذاكرة، يقف “السماور” متوهجاً، قادماً من آسيا الوسطى، مستقراً في البيوت العراقية كأنه أحد أفراد العائلة. وعلى الضفة الأخرى، تتلألأ مناقل الفحم، بنحاسها المصقول، كرمزٍ خفيّ للقوة والهيبة. إنها لم تكن أدوات فقط، بل كانت لغة اجتماعية كاملة تُدار حول النار والماء والانتظار. وكانت الأسواق — كسوق الصفّارين — تغذّي هذه اللغة، لا بالمعادن وحدها، بل بالمعنى.

لكن، لنتحدث بصراحة الاقتصاد: العراق، بلدنا الذي تُقدّر ثرواته الطبيعية بنحو 16 تريليون دولار، يقف في مفارقة لافتة، فهو واحد من أكبر مستوردي الشاي في العالم، بحجم استيرادات يناهز 239 مليون دولار سنوياً، مع اعتماد كبير على الشاي الهندي. في المقابل، تتصدر دول مثل الصين وسريلانكا وكينيا قائمة المنتجين والمصدّرين، بينما يظل العراق مستهلكاً خالصاً.

هذه ليست مجرد أرقام… بل بنية اقتصادية. اقتصاد ريعي، يعتمد على النفط كمصدر شبه وحيد للعملة الأجنبية، ثم يعيد ضخ هذه العملة إلى الخارج عبر الاستيراد — ومن ضمنه الشاي. وهنا، يتحول “الاستكان” إلى حلقة صغيرة في دورة أكبر: نبيع النفط… لنشتري الشاي.

بلغة أدق، نحن أمام نموذج اقتصادي استهلاكي ريعي كما يعرفه القاصي والداني، فهناك: إيرادات نفطية دولارية، وطلب محلي استهلاكي مرتفع، ثم ضعف في التنوع الإنتاجي، واعتماد شبه كامل على الاستيراد. في هذه المعادلة، لا يكون الشاي مجرد سلعة، بل يصبح مؤشراً على اختلال هيكلي.

ثم جاء مؤخراً “شاي الكرك”، متسللاً بخفة من ثقافات أخرى، محملاً بالزنجبيل والهيل والزعفران، ليعلن أن الذائقة نفسها لم تعد ثابتة. الصغار قبل الكبار باتوا يطلبونه، وكأن السوق يعيد تشكيل العادة، لا العكس. هنا تظهر طبقة أخرى من اللعبة: لم نعد نستهلك الشاي فقط، بل نستهلك تجديده المستمر. وهذا هو جوهر الاقتصاد الريعي في صورته اليومية، ليس إنتاج ما نحتاجه، بل استيراد ما نرغب به… ثم الرغبة في المزيد.

ومع ذلك، تلوح فكرة ربما حالمة، وربما ضرورية: لماذا لا يتحول هذا الاستهلاك إلى مدخل استثماري؟ لماذا لا يكون للعراق، ولو جزئياً، موطئ قدم في إنتاج الشاي، عبر استثمارات خارجية أو تجارب زراعية محلية محدودة؟ قد لا تكون الأرض العراقية مثالية لزراعة الشاي على نطاق واسع، لكن التفكير هنا ليس زراعياً فقط، بل اقتصادياً: كيف نكسر الحلقة؟ كيف ننتقل من مستهلك دائم إلى مشارك في سلسلة القيمة؟

وفي النهاية، يبقى الشاي في العراق قصة أكبر من كوب أو استكان، إنه مرآة لاقتصاد، وذاكرة لطفولة، وطقس اجتماعي، ولحظة هدوء في بلد صاخب. وبين آخر “استكان” مستورد، وأول فكرة إنتاج محلي، تستمر الحكاية… نحتسي الشاي، ويحتسينا..!

ذات صلة

هل نبحث عن الحقيقة فعلاً؟الدين العام العراقي.. أداة تمويل أم عبء مؤجل على الأجيال القادمة؟الدور الانساني للعراق وسط نيران الحربالإلتزام بالدستور مسؤوليةأمنٌ يتشكل تحت النار