الإزاحة الجيلية المؤجلة: هل يعيد العراق تدوير أزماته؟

ابراهيم العبادي

2026-05-25 01:22

يعيش العراق اليوم واحدة من أكثر لحظاته السياسية تعقيداً وإرباكا، ليس بسبب صراع البرامج أو اختلاف الرؤى بقدر ما هو نتيجة أزمة بنيوية عميقة أصابت الطبقة السياسية وآليات إنتاج السلطة معاً. فالقوى السياسية بزعاماتها التقليدية، لم تعد قادرة على قيادة المركب السياسي بعد أن تآكلت مشروعيتها الشعبية، وتراجعت قدرتها على الإقناع، وتكاثرت أخطاؤها، وعجزت عن بناء رؤية وطنية لإدارة الدولة بعيداً عن التمركزات الذاتية والعائلية والتغانمية التي حوّلت السياسة إلى فضاء للمصالح لا إلى مشروع لإدارة المجتمع والدولة.

قبل سنوات طويلة جرى الحديث عن إمكانية حدوث “إزاحة جيلية” داخل النظام السياسي العراقي، بمعنى مغادرة الوجوه القديمة وصعود جيل جديد يمتلك خبرة سياسية مختلفة، وتكويناً معرفياً وعلمياً أفضل، وعقلاً سياسياً أكثر قدرة على فهم الدولة وإدارتها. 

كان الأمل معقوداً على ظهور نخب شابة غير مثقلة بأمراض المرحلة الراهنة؛ أمراض بدائية العمل السياسي، وشخصنة الصراعات، وتحويل المواقع العامة إلى أملاك خاصة، والتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة لا مسؤولية.

لكن ما حدث فعلياً لم يكن إزاحة جيلية بالمعنى الموضوعي والعلمي، بل عملية إحلال اضطرارية فرضتها عوامل العمر والمرض والانسداد السياسي، أو تمت عبر التوريث السياسي، والمال الانتخابي، والتحالفات المصلحية، والتخادم مع قوى داخلية وخارجية. أي أننا لم نشهد انتقالاً من عقل سياسي إلى عقل أكثر تطوراً، بل انتقالاً داخل البنية نفسها وبالذهنيات ذاتها، مع تغيير الأسماء والأعمار فقط.

الإزاحة الجيلية الحقيقية لا تتحقق بمجرد صعود أبناء السياسيين أو المقربين منهم، بل حين يتغير وعي النخبة الحزبية والقاعدة الاجتماعية معاً، ويصبح بقاء “الحرس القديم” عبئاً سياسياً وخسارة انتخابية. عندها فقط يصعد الجيل الجديد محمولاً برغبة مجتمعية في التغيير، ومسنوداً بخطاب مختلف، وأدوات حديثة، وفهم أعمق للدولة والتنمية والاقتصاد والعلاقات الدولية.

التجارب السياسية العالمية تؤكد أن تجديد النخب ليس ترفا، بل شرط لبقاء الأنظمة السياسية حية وقادرة على التكيف. ففي منتصف التسعينيات قاد توني بلير عملية تجديد واسعة داخل حزب العمال البريطاني، بعد سنوات طويلة من الجمود والتراجع، واستطاع أن يعيد صياغة خطاب الحزب ورؤيته الاقتصادية والسياسية، فقاد الحزب إلى فوز كاسح في انتخابات عام 1997 بعد إعادة بناء الثقة مع المجتمع وتقديم صورة جديدة للعمل السياسي.

لم يكن الأمر مجرد تبديل وجوه، بل تغييراً في طريقة التفكير، وفي فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وفي طبيعة العلاقة بين الحزب والدولة والجمهور.

أما في العراق، فإن معظم القوى السياسية تبدو وكأنها تستعد لإعادة إنتاج نفسها عبر الأبناء والأصهار والمقربين وخزانات الأسرار، بذات الرؤى الجامدة والعصبيات الحزبية والقبلية، وكأن السياسة امتياز وراثي لا وظيفة عامة. 

وهكذا تتحول الإزاحة الجيلية إلى عملية شكلية لا تحمل مضموناً إصلاحياً حقيقياً، لأن العقل الذي يدير المشهد بقي هو ذاته، حتى وإن تغيرت الوجوه.

المشكلة الأخطر أن هذا النمط من إعادة التدوير السياسي يحدث في وقت يواجه فيه العراق تحديات وجودية مركبة؛ اقتصاد ريعي هش، بطالة متفاقمة، تراجع في التعليم والخدمات، فساد بنيوي، ضعف مؤسساتي، تآكل الثقة بين المجتمع والدولة، وتحولات إقليمية ودولية كبرى تتطلب طبقة سياسية تمتلك القدرة على التفكير الاستراتيجي لا مجرد إدارة الأزمات اليومية.

إن استمرار البنية السياسية الحالية من دون تجديد حقيقي سيقود تدريجياً إلى أحد احتمالين: إما مزيد من الانكفاء الشعبي والعزوف السياسي وفقدان الثقة الكاملة بالدولة، أو انفجارات اجتماعية متكررة تنتجها الفجوة المتزايدة بين مجتمع شاب متطلع للتغيير ونظام سياسي مغلق يعيد إنتاج نفسه باستمرار.

فالعراق اليوم ليس بحاجة إلى شباب في العمر فقط، بل إلى شباب في التفكير والرؤية والأدوات. يحتاج إلى نخب تؤمن بالدولة لا بالغنيمة، بالمؤسسات لا بالأشخاص، بالكفاءة لا بالولاء، بالمواطنة لا بالعصبية، وبالتنمية لا بإدامة الأزمات.

كما أن أي إصلاح سياسي حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون إصلاح الأحزاب نفسها، لأن الأحزاب العراقية تعاني في معظمها من غياب الديمقراطية الداخلية، وتحولها إلى هياكل مغلقة تُدار بعقلية الزعامة الأبدية. والحزب الذي لا يسمح بتداول القيادة داخله، لا يمكن أن يؤمن بالتداول السلمي للسلطة في الدولة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المال السياسي والسلاح والنفوذ الإعلامي قد تمنح السلطة، لكنها لا تصنع دولة مستقرة، ولا تبني شرعية طويلة الأمد. فالشرعية الحقيقية تُبنى بالكفاءة والعدالة والإنجاز والقدرة على الاستجابة لتحولات المجتمع.

السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من سيخلف الزعامات الحالية؟ بل: هل سيتغير العقل الذي أنتج الأزمات أصلاً؟ لأن تبديل الأشخاص من دون مراجعة الأفكار والمنهج لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل بصورة جديدة.

العراق لا يعاني من نقص الموارد ولا من غياب الطاقات البشرية، بل من أزمة إدارة وعقل سياسي. وإذا لم تبدأ عملية تجديد حقيقية وشجاعة للبنية السياسية والحزبية، فإن البلد سيبقى يدور داخل الحلقة ذاتها؛ صراع على السلطة بلا مشروع دولة، وانتخابات بلا تغيير، وشعارات بلا نتائج، وجمهور يُطلب منه دائماً الصبر فيما تتآكل فرص المستقبل أمامه.

ذات صلة

الأحزاب الحرة تقضي على الاستبدادمناسك الحج.. إصرار ايماني في ظل الحرّ ولهيب الحربالمنبر الحسيني والصمود امام زوبعة القفزة الرقميةالبطالة المقنّعة في القطاع العام وتأثيرها على الاستدامة المالية للدولةتطوّر البحث في الكلمة القرآنيّة