مخالفة التوقيتات الدستورية المنظمة لتشكيل السلطة التنفيذية في العراق

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني

2026-03-30 03:32

يبدو ان الشعب العراقي قد ألف الأزمات السياسية التي تعقب كل انتخابات عامة أو محلية في العراق فبدل ان تكون المناسبات الديمقراطية فرصة للتصحيح والتصالح مع الشعب، والانطلاق نحو أفق من العمل المشترك لتحقيق التطلعات والأهداف وتجاوز الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة والعالم.

 يبرع السياسيون العراقيين في المماطلة والتسويف وخرق القواعد القانونية ولاسيما الدستورية ولا يلتفتون إلى المدد التي رسمتها الوثيقة الدستورية كسقوف حتمية لتشكيل السلطة التنفيذية عقب إعلان نتائج الانتخابات العامة، إذ يعجز مجلس النواب عن عقد جلسة مكتملة النصاب (الثلثين) لانتخاب رئيساً للجمهورية ومن بعده نمضي إلى اختيار رئيساً للحكومة ومنح الثقة للوزراء والمنهاج الحكومي، لتبدأ دورة الحياة السياسية بالدوران من جديد، فهل تكمن المشكلة التي تكررت في غير مرة سابقة في النص الدستوري؟، أم في النظام الحزبي والسياسي المطبق في العراق؟ أم أن المشكلة في الأشخاص ممن تصدى للمسؤولية؟ 

والإجابة على هذه الأسئلة حسابياً يسير جداً بيد أن تبريراتها المنطقية ومسوغاتها الفلسفية تحتاج إلى العمق في دراسة الجذور والأسباب للوقوف على العواقب والآثار المدمرة.

فبعد ان أنهى البرلمان العراقي عقدة اختيار هيئة رئاسة المجلس ذاته أواخر كانون الأول 2025 فشل وإلى اليوم في حسم الجدل بخصوص انتخاب رئيسا للجمهورية، بل لم يتمكن في الكثير من المناسبات من إدراج هذا الموضوع على جدول أعماله، ولم يتمكن من استخدام السلطات والاختصاصات المخولة له ليحسم ملف المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية نزولاً عند العرف السياسي السائد الذي يحتم ان تكون سدة الرئاسة للمكون الكردي، إذ يتنافس على تمثيل الكرد حزبان تاريخياً عرف عنهما التنازع منذ التأسيس والتباين في الايدلوجية والخطاب، ما أضاف عقبة كؤود في الاتفاق على مرشح تسوية والدخول به إلى البرلمان، بالرغم من النصوص الدستورية الواضحة التي تلزم المجلس النيابي في انتخاب الرئيس خلال مدة لا تتجاوز (30) يوماً من عقد الجلسة الأولى بموجب المادة (72/ ثانياً) والتي تبدأ من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى.

 فإلى الدستور في العراق وكل الدول حول العالم يعود الفضل في إرساء المبادئ والقيم والقواعد الإجرائية والقانونية اللازمة لتأسيس السلطات العامة في الدولة وبالخصوص السلطة التنفيذية وقواعد الدستور ولا شك تعلو على ما سواها من القواعد القانونية، وهو ما يتضمنه الدستور بالعادة حين ينص على السمو حيث تؤكد المادة (13) من دستور جمهورية العراق للعام 2005 على ذلك بالقول ((يُعدُ هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق))، ولعل الغاية الواضحة من وراء النص المتقدم هي عصمة النص من الانتهاك أياً كان مصدره أو سببه أو توقيته، فللدستور سمو موضوعي وشكلي.

 وهنا نتساءل عن انتهاك الحكم الوارد في النص الدستوري من قبل البرلمان بالاستجابة للمماطلة الحزبية والفئوية على حساب سمو الدستور، فالنص المحدد لسقف زمني لانتخاب رئيس الدولة وتشكيل الحكومة ولا شك أنه آمر ولا سبيل إلى مخالفته، نعم قد يدعي البعض ان النص وإعمال مقتضاه لابد ان يستجيب للمتغيرات لتجنب الهوة بين الحقيقية القانونية والواقع الذي يحيط بالمؤسسات الدستورية، وجواباً نرى ان التناسب المشار إليه أنفاً يكون في باب التعامل مع الحقوق والحريات والعلاقة وبين السلطات العامة أو العلاقة مع المجتمع الدولي، وليس في باب تشكيل الهيئات العامة التي يجب ان تكتسب شرعية الإسناد والتشكيل.

ويشار إلى ان الدستور العراقي تضمن العديد من المدد أخصها (دعوة مجلس النواب المنتخب للانعقاد، وانتخاب رئيس المجلس ونوابه، وكذلك انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف رئيس مجلس الوزراء ومدة الدورة الانتخابية، وولاية رئيس الجمهورية، وخلو منصب الأخير، وحين نصرف النظر إلى المحكمة الاتحادية العليا نجد أنها تذبذبت في اجتهادها في التعامل مع هذه المدد ولزوم التقيد بها حيث ذهبت إلى ان هذه المدد ممكن تجاوزها في استكمال تسمية الكابينة الوزارية لرئيس مجلس الوزراء في حكمها ((93/ اتحادية/ 2010، في 19/12/2010 إذ انتهت المحكمة إلى أنه لا وجوب على رئيس مجلس الوزراء المكلف بتسمية أعضاء وزارته جميعاً خلال المدة المنصوص عليها في المادة76))، في حين أنه في مناسبات أخرى انتهت إلى وجوب التقيد بهذه المدد وذهبت إلى عدم دستورية إهدارها نذكر منها حكم المحكمة ((55/ اتحادية، 2010 في 24/10/2010 إذ ترى المحكمة أن قرار جعل الجلسة الأولى لمجلس النواب (مفتوحة) والى زمن غير محدد ودون سند من الدستور قد شكل خرقاً لأحكام الدستور)).

وفي العام 2022 انتهت المحكمة إلى رأي يمازج بين الضرورة العملية والسمو الدستوري حين اعتبرت ان تمديد ولاية رئيس الجمهورية لحين انتخاب رئيس جديد أمر لابد منه في حكمها المرقم ((24، 2022 في 13/2/2022، إذ جرى نص الحكم على أنه وفي حالة عدم انتخاب رئيساً جديداً لظرف ما، أو لحالة طارئة، فإن الضرورة تستوجب الموازنة بين وجود رئيس للجهورية تحتمها المصلحة العليا في البلاد وبين انتهاء ولايته بأربع سنوات وعدم إمكانية تجاوزها))، ونرى إننا نتفق مع تفسير المحكمة الذي نجد تبريره في الوثيقة الدستورية ذاتها التي تنص على الحكم المتقدم في المادة (72/ ثانياً)، بيد ان خرق المدد الدستورية يفترض أنه خطأ وأن هذا الخطأ يثير مسؤولية ويستوجب مساءلة فمن هي الجهة المسؤولة؟ فمن الواضح أن المسؤول الأول هو مجلس النواب العراقي الذي أرتضى لنفسه أن يكون أسيراً لأهواء الكتل والأحزاب ومستجيباً لرغباتها ولو كانت تجانب الصواب والمصلحة العليا للبلاد.

ولما كان انتخاب رئيس الجمهورية بموجب المادة (70) من الدستور العراقي النافذ للعام 2005

الزم أن يكون بالشكل الآتي: ((أولاً: ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية بأغلبية (ثلثي) عدد أعضائه. ثانياً: إذا لم يحصل أي من المرشحين على الأغلبية المطلوبة، يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، ويعلن رئيساً من يحصل على أكثرية الأصوات في الاقتراع الثاني))، ومن الواضح أن المشرع أشترط أغلبية ثلثين في الاقتراع الأول أي ما يقارب (220) صوتاً، بيد أن السؤال الذي نتوجه به إلى المحكمة والمجلس النيابي النص الدستوري يتحدث عن أغلبية انعقاد أم أغلبية تصويت؟

 والإجابة أن المشرع اشترط أغلبية تصويت، بمعنى لو أن المجلس النيابي أدرج انتخاب الرئيس على جدول الأعمال وانعقد المجلس بحضور الأغلبية المطلقة وفق المادة (59/ أولاً) فأنه لا يستطيع التوجه إلى فقرة انتخاب رئيساً للجمهورية، بيد أن القراءة المتأنية للواقع الدستوري والسياسي يحدونا إلى دعوة المحكمة الاتحادية إلى العدول عن رأيها السابق في الدعوى المرقمة ((16/اتحادية/2022) في 3/2/2022)) بخصوص جلسة الانتخاب والذي جاء فيه ((ينتخب مجلس النواب رئيساً للجمهورية من بين المرشحين لرئاسة الجمهورية بأغلبية ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي ويتحقق النصاب بحضور ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي)).

 ولعمري هو رأي اعتمد ظاهر النص وأغفل غايته ومقتضاه، حيث انه لا يمكن لمجلس النواب من المباشرة بانتخاب الرئيس في الموعد المحدد، فعندما تغيب كتلة كبيرة لم يرق لها ترشح أحد العراقيين أو لم يتم النزول عند رغبتها في احتكار المنصب فلا يحصل أي اجتماع للمجلس، ويتعطل النص الدستوري والمجلس النيابي برمته، بمعنى تعطيل للإرادة العامة وقتل للديمقراطية التي تعني حكم الأغلبية، بينما لو اعتمدنا فرضية ان المجلس يدرج الانتخاب في جدول أعمال الجلسة المخصصة ويفتح باب الترشح ويمضي في التصويت عند اكتمال النصاب القانوني للجلسة، وعندما لا يحصل أياً من المرشحين على الأغلبية المطلوبة، يصار إلى الجولة الثانية لانتخاب الرئيس بالأغلبية، وبهذا يمكن ان تحل العقدة الكؤود التي ارتبطت بانتخاب الرئيس والمضي نحو تشكيل الحكومة العراقية.

 ومن جهة أخرى هذا الاجتهاد لو حصل من شأنه ان يقتل العرف الساسي الفاسد الذي تشكل بعد العام 2005 بوجوب ان يكون الرئيس من المكون الكردي حيث المرونة المنوه عنها أعلاه تفتح الباب واسعاً للكفاءات الوطنية في الترشح لهذا المنصب نزولاً عند حق العراقي في تكافؤ الفرص إذ تنص المادة (16) من الدستور العراقي على أن ((تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك)).

 وسينسحب ما تقدم لزوماً على بقية المناصب في البرلمان والحكومة ولا شك في ان ما تقدم أدعى إلى تحقيق المصالح الوطنية، وردنا على من يدعي ان عدم وجود الثلثين في القاعة لا يبيح لرئيس المجلس النيابي فتح باب الانتخاب نقول ان النائب مكلف بخدمة عامة ومن مقتضى الواجب عليه الحضور إلى المجلس وتأدية واجباته القانونية، وعدم حضوره لدوافع سياسية لا يمنع من مساءلته وفرض الجزاء عليه (الجزاء النيابي لإخلاله بواجباته وفق النظام الداخلي للمجلس)، وستكون العقوبة أكثر إيلاماً حين تقترن بالجزاء السياسي المتمثل في إهدار حقه في التداخل والإدلاء بصوته في الانتخاب وهذا الأمر سيكون رادعاً لبعض النواب المتمردين على الواجبات البرلمانية والاستحقاقات الوطنية كما يفترض بهيئة رئاسة مجلس النواب ان تقوم بنشر أسماء النواب المتغيبين وتقطع مبلغ الـ(مليون دينار) من راتب هؤلاء حسب النظام الداخلي، وسيكون ما تقدم مدعاة لحضورهم إلى الجلسة والمباشرة بالانتخاب ليفوز من يفوز في الجولة الأولى أو الثانية.

أضف لما سقناه من دليل فيما تقدم فان المركز الدستوري لرئيس الجمهورية بموجب المادة (67) أنه ((رمز وحدة الوطن، يمثل سيادة البلاد، ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، والمحافظة على استقلال العراق، وسيادته، ووحدته، وسلامة أراضيه)) فان كان انتخابه مبنياً على خرق في الدستور فكيف نتوقع منه ان يكون حامياً للدستور؟ وهل نتوقع ممن جاء انتخابه على أسس غير وطنية أن يكون رمزاً لوحدة الوطن؟ هذه أسئلة نضعها في حضرة المحكمة الاتحادية العليا التي تمثل الحامي الحقيقي للدستور والسد المنيع دون الشطط الذي ترنو إليه الكتل والأحزاب التي أهمتها مصلحتها الخاصة فقدمتها على مصلحة الوطن والشعب.

 كما أننا نذكر أن السادة النواب قد أقسموا يميناً دستورياً بموجب المادة (50) والتي ورد فيها ((قسم بالله العلي العظيم أن أؤدي مهماتي ومسؤولياتي القانونية بتفانٍ وإخلاص وان أحافظ على استقلال العراق وسيادته، وأرعى مصالح شعبه واسهر على سلامة أرضه وسمائه ومياهه وثرواته ونظامه الديمقراطي الاتحادي وان اعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة واستقلال القضاء والتزم بتطبيق التشريعات بأمانة وحياد، والله على ما أقول شهيد)) فأين هم من هذا القسم العظيم ومضامينه الوطنية والدينية؟

..........................................

 مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

ذات صلة

التخطيط يحرّك العمل ويقتل الكسلتحولات جيل زد ورؤية الامام الشيرازي لمتطلبات الأجيالعن التجربة الإنسانيةملاحظات نقديّة حول إشكاليّة الكمّ والكيف في البحوث الاجتماعيّةالفصل الأخير في حرب أميركا وإسرائيل على إيران