مآلات الصراع الصهيوني–الأمريكي مع إيران
قراءة في عوامل الحسم وإشكاليات النظام الدولي
د. عمار أحمد إسماعيل المكوطر
2026-03-29 05:20
مقدمة
يُشكّل الصراع بين إيران من جهة، والتحالف الصهيوني–الأمريكي من جهة أخرى، أحد أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي المعاصر، ذلك لما ينطوي عليه من أبعاد عسكرية، وتكنلوجية، وسياسية، وأيديولوجية، وجيوستراتيجية عميقة ومتناقضة.
وفي ظل تصاعد احتمالات أوسع للمواجهة، يبرز سؤال جوهري: من سينتصر في هذه المواجهة، وكيف ولماذا؟
تنطلق هذه المقالة من فرضية مركزية مفادها، أن كفة الحسم على المدى الإستراتيجي الطويل تميل لصالح إيران، ليس بفعل التفوق العسكري التقليدي أو غير التقليدي، بل نتيجة امتلاكها منظومة مركبة من عناصر القوة غير المتماثلة.
أولاً- حدود القوة الأمريكية وأزمة الاستنزاف الشامل:
رغم التفوق العسكري الواضح للولايات المتحدة من حيث توازن القدرات الاستراتيجية الشاملة، وبخاصة في مجالات القوة الجوية والتكنولوجيا العسكرية والأمنية، إلاّ أن هذا التفوق لا يترجم بالضرورة إلى نصر سياسي حاسم، إذ أن التجارب الميدانية التاريخية –من فيتنام إلى أفغانستان إلى العراق– أظهرت محدودية القوة الصلبة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية، خاصة وأن الولايات المتحدة تواجه في الوقت الحاضر حالة من الإستنزاف متعددة الأبعاد:
1- مالياً: تصاعد الدين العام وتكاليف الحروب الخارجية.
2- سياسياً: انقسام داخلي حاد، قد يتفاقم مع أي هزيمة أو إخفاق عسكري.
3- اقتصادياً: تراجع نسبي في الهيمنة أمام صعود قوى كبرى فاعلة.
4- دبلوماسياً: تآكل الثقة الدولية في القيادة الأمريكية.
وفي هذا السياق، فإن تعرض الولايات المتحدة لضربات نوعية مدروسة قد يؤدي إلى إحداث شرخ داخلي عميق، ينعكس على استقرارها السياسي، وربما يؤثر على مستقبل قياداتها، بما في ذلك احتمالات تعثر مسار شخصيات سياسية مثل دونالد ترامب داخل المشهد الأمريكي.
ثانياً- الكيان الإسرائيلي ومعضلة الاعتماد البنيوي الأمني:
يعتمد الكيان الإسرائيلي في بُنيته الأمنية والإستراتيجية على الدعم الخارجي، وبشكل رئيس على الولايات المتحدة. ومن ثم، فإن أي تراجع في هذا الدعم –سواء نتيجة استنزاف أو انكفاء أمريكي– سيؤدي إلى خلل بُنيوي في توازن القوى الإقليمي لصالح خصومه.
وتأسيساً على ذلك، فإن مستقبل هذا الكيان يبدو مرتبطاً عضوياً بمستقبل الهيمنة الأمريكية ذاتها، مما يجعله أكثر هشاشة في سياق حرب طويلة الأمد.
ثالثاً- عناصر القوة الإيرانية في الحروب غير المتكافئة:
لا تستند الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ المواجهة التقليدية المباشرة، إنما على توظيف منظومة متكاملة من أدوات وعناصر القوة غير المتماثلة، التي يمكن إجمالها في الآتي:
1- المزايا الجغرافية: ان الامتداد الجغرافي الواسع والتضاريس المعقدة (جبال، تلال، كهوف، عمق بري، سهول)، يمنح إيران قدرة دفاعية عالية، ويحد من فعالية الضربات الجوية المعادية.
2- المطاولة الزمنية: تعتمد إيران على إستراتيجية النفس الطويل، إذ تراهن على استنزاف الخصم عبر إطالة أمد الصراع، وهو ما لا تتحمله الأنظمة الديمقراطية الغربية بسهولة.
3- العمق التاريخي والتجربة الحضارية: تمتلك إيران إرثا حضاريا عميقا وتجارب تاريخية طويلة في مواجهة الغزوات، ما يعزز قدرتها على التكيّف والصمود والثبات.
4- الهوية والكبرياء القومي: يسهم الشعور القومي في تعبئة المجتمع وتحمل التضحيات، ما يمنح النظام السياسي عمقا شعبيا في أوقات الأزمات.
5- الصبر والتحمل: القدرة على امتصاص الضربات وتحمل الكُلف العالية دون انهيار سياسي أو اجتماعي.
6- القيادة الإستراتيجية: وجود نخب قيادية تتبنى رؤية طويلة الأمد، وتدير الصراع بمنطق تراكمي، إذ تحول الأزمة إلى فرصة.
7- العقيدة: ان البعد العقائدي يمنح الصراع طابعا وجوديا، ما يعزز الاستعداد للتضحية والاستمرار.
8- النظام السياسي المركّب: ان طبيعة النظام السياسي الإيراني، القائم على تعددية مؤسساتية وتوازن داخلي، تقلل من احتمالات الانهيار السريع.
9- القدرات العسكرية غير المعلنة: تطوير منظومات صاروخية وبُنى تحتية عسكرية مخفية، يُرجّح أنها أُعدّت على مدى عقود، بما في ذلك منشآت تحت الأرض وجذور أو أعماق الجبال، ما يمنحها عنصر المفاجأة والردع.
وفي هذا الإطار، يمكن توصيف الإستراتيجية الإيرانية بأنها، يد تضرب، ويد تصنع، وأخرى تطوّر، أي الجمع بين الفعل العسكري والتراكم الصناعي والتحديث المستمر.
رابعاً- الحرب كصراع إرادات لا صراع تقنيات:
أن الحروب الحديثة، خاصة غير المتكافئة، لا تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي، بل بإرادة الصمود والقدرة على تعطيل أهداف الخصم السياسية. فإن نجح الطرف الأضعف في منع الطرف الأقوى من تحقيق أهدافه، فإنه يحقق شكلاً من أشكال النصر الإستراتيجي.
خامساً- مشاهد ما بعد الحرب وتداعياتها الدولية:
تشير المعطيات إلى أن هذه الحرب –إن اتسعت وهو الأرجح– قد تفضي إلى تحولات كبرى، لعل من أبرزها الاحتمالات الآتية:
1. انكفاء الولايات المتحدة أو تراجع دورها العالمي.
2. صعود قوى دولية أخرى، مثل الصين وروسيا، بما قد ينعكس على ملفات حساسة كـتايوان وأوكرانيا.
3. تصاعد الفوضى في مناطق متعددة، بما فيها الشرق الأوسط.
4. تعرض بعض الدول الخليجية، وربما كذلك الأردن ومصر وتركيا، لاضطرابات وتحولات سياسية.
5. احتمال تأثر العراق أمنيا، من خلال اغتيالات أو نشاط خلايا متطرفة في ظل الفوضى.
6. لا يُستبعد أن تتحول هذه الحرب إلى شرارة لصراع دولي أوسع، قد يقترب من مفهوم الحرب العالمية.
سادساً- إشكالية النظام الدولي ومستقبل التوازنات:
تكشف هذه الحرب عن أزمة عميقة في بُنية النظام الدولي، وذلك من خلال الآتي:
1. فشل نظام توازن القوى في منع النزاعات الكبرى.
2. عجز نظام الأمن الجماعي عن فرض السلم والامن الدوليين.
3. غياب نموذج فكري وسياسي بديل ناضج يمكن أن يؤسس لنظام عالمي جديد.
وتأصيلاً على ما تقدم، فإن العالم قد يدخل مرحلة انتقالية مضطربة، تتطلب إعادة التفكير في أسس العلاقات الدولية، والبحث عن نماذج تقوم على القيم الإنسانية، العدالة، والحرية، والكرامة.
خاتمة
في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن هذه المواجهة ستكون طويلة ومعقدة، ولن تُحسم بسرعة أو بسهولة. ورغم التفوق العسكري الأمريكي، فإن امتلاك إيران لعناصر القوة غير المتماثلة يمنحها قدرة عالية على الصمود وربما تحقيق نصر إستراتيجي يتمثل في إفشال أهداف خصومها.
أما النتائج الأوسع، فقد تتجاوز حدود الإقليم لتطال بنية النظام الدولي بأسره، بما قد يفتح الباب أمام مرحلة تاريخية جديدة، تتسم بالفوضى وعدم اليقين، وتفرض على البشرية البحث عن صيغ أكثر توازنا وإنسانية للتعايش السلمي الدولي.