سباق العطل الرسمية: عندما تتحول الإجازة إلى إنجاز سياسي

مصطفى ملا هذال

2026-03-09 05:57

لماذا التسابق المحموم من قبل بعض المسؤولين المحليين على إعلان عطلة محلية؟، وكأن سرعة الإعلان هذه مقرونة بنوع من المقبولية الجماهيرية للشخصية التي اكتسبت السبق في الإعلان، بينما ما يجري في الواقع ليس أكثر من امتداد لعملية التنافس السياسي السعي وراء الهيمنة على تأييد الشارع.

هذا المشهد يتكرر عند الاقتراب من أي مناسبة دينية او وطنية، اذ يتسارع الجميع – من أصحاب القرار- الى إعلان تعطيل الدوام الرسمي، ومن ثم ينتقل الخبر كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، واللافت للنظر هنا هو هذا التسابق غير المشروع وغير المبرر.

في الأصل تعد العطل الرسمية إجراء تنظيميا تقره الحكومات مراعاة للمناسبات الدينية والوطنية أو لاعتبارات إدارية، وهي جزء من إدارة الدولة وليس مشروعا استثنائيا أو إنجازا تنمويا.

 إلا أن المشهد العراقي خلال السنوات الأخيرة أظهر تحول هذه القرارات إلى مادة للمنافسة السياسية والإعلامية، حيث يسعى كل مسؤول إلى الظهور بمظهر "المبادر" الذي منح المواطنين يوم راحة إضافيا، لكن المفارقة أن هذا التنافس لا يحدث غالبا في ملفات أكثر أهمية وإلحاحا، مثل تحسين الخدمات أو معالجة البطالة أو تطوير البنية التحتية.

نظرا لان هذه القضايا تتطلب تخطيطا وميزانيات ووقتا وجهدا، بينما قرار العطلة يمكن أن يصدر خلال دقائق ويحقق أثرا شعبيا سريعا، خصوصا في مجتمع يعاني من ضغوط اقتصادية وخدمية كبير، وبذلك تتحول العطلة الرسمية إلى أداة سهلة لكسب التعاطف الشعبي.

فالمواطن الذي يرهقه العمل أو الدراسة قد يستقبل خبر العطلة بارتياح، ما يمنح الجهة التي أعلنتها فرصة للظهور بمظهر القريب من الناس والمتفهم لاحتياجاتهم، ولهذا السبب نرى أحيانا أكثر من جهة حكومية تتحدث عن العطلة ذاتها، كل منها يحاول أن ينسب الفضل لنفسه.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت منصة أساسية للمسؤولين في عرض قراراتهم، فبعد إعلان أي عطلة تمتلئ الصفحات الرسمية بالتصاميم والصور والعبارات التي توحي بأن القرار إنجاز استثنائي يستحق الإشادة، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول جدوى كثرة العطل وتأثيرها على الإنتاجية والاقتصاد.

اللافت أيضا أن بعض المسؤولين المحليين يسارعون أحيانا إلى إعلان العطلة قبل صدور قرار واضح من الحكومة المركزية، في محاولة لإظهار المبادرة والاستجابة السريعة لمطالب الشارع، وفي أحيان أخرى تعلن أكثر من جهة القرار نفسه بفواصل زمنية قصيرة، ما يخلق انطباعا بوجود تنافس غير معلن على من يحصد نقاطا شعبية أكثر.

هذه الظاهرة تعكس جانبا من طبيعة الخطاب السياسي في العراق، حيث تميل بعض القوى إلى التركيز على القرارات الرمزية والسريعة التأثير بدلا من الملفات المعقدة التي تتطلب حلولاً طويلة الأمد، فبدلا من التنافس في تقديم خطط لتحسين التعليم أو تطوير القطاع الصحي، يتحول التنافس إلى من يمنح عطلة إضافية أو يعلنها أولا.

ما مخاطر هذا الأسلوب؟

هذا الأسلوب يحمل مخاطر على المدى البعيد، فالإفراط في العطل الرسمية قد يؤثر على سير المؤسسات العامة ويقلل من أيام العمل الفعلية، كما أنه يرسخ ثقافة سياسية تقوم على الإنجازات الشكلية بدلا من الإصلاحات الحقيقية، والأسوأ من ذلك أنه قد يخلق لدى الجمهور توقعات بأن دور المسؤول يقتصر على إصدار قرارات شعبوية قصيرة المدى.

لا شك أن العطل الرسمية حق تنظيمي للمجتمع، خصوصا في بلد يتميز بتنوع مناسباته الدينية والاجتماعية، لكن تحويل هذا الحق إلى مادة للدعاية السياسية يطرح تساؤلات جدية حول أولويات الإدارة العامة وطبيعة العلاقة بين المسؤول والمواطن.

فالمواطن لا يحتاج فقط إلى يوم راحة إضافي، بل إلى خدمات مستقرة، وفرص عمل وبنية تحتية تليق بحياته اليومية، وهذه القضايا لا يمكن حلها بقرار عطلة، بل بإرادة سياسية حقيقية وخطط مدروسة.

قد يكون من الطبيعي أن يفرح الناس بإجازة جديدة، لكن الأهم أن يدركوا أن الإنجازات الحقيقية لا تُقاس بعدد العطل المعلنة، بل بعدد المشكلات التي جرى حلها، أما سباق العطل، فقد يمنح المسؤولين لحظة حضور إعلامي، لكنه لن يكون بديلا عن الإنجاز الفعلي الذي ينتظره العراقيون منذ سنوات.

ذات صلة

في شهر رمضان: استثمار الموسم الروحي العظيمعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (ع).. بَابُ مَدِينَةِ الْعِلْمِ وَرَائِدُ الْفِكْرِ الْإِنْسَانِيِّالحرب على إيران.. صدمة الطاقة تهز استقرار الاقتصاد العالميالعراق في قلب إعادة تشكيل الشرق الأوسطمآلات الحرب الصهيو–الأمريكية على إيران