التذمر حين يتحول إلى موقف

عبد الامير المجر

2026-01-22 04:24

في الحروب، تُستخدم إلى جانب الأسلحة العسكرية مختلف الأساليب غير القتالية، التي يحاول من خلالها كل طرف تحطيم معنويات عدوه، ليعبد الطريق للانتصار عليه؛ لأن هبوط المعنويات يجعل المحارب تحت ضغط الشعور بلا جدوى المواجهة، فيحصل الانكسار النفسي فالهزيمة. 

وفي الحروب السياسية تُستخدم القوة الناعمة، وفي مقدمتها الاقتصاد، لتحطيم المنافس، لأن لقمة عيش الإنسان ونمط حياته الطبيعية إذا ما تعرضا للتهديد في أي دولة، يصبح وضع نظامها السياسي قلقاً، لأن الشعب يفقد ثقته فيه تدريجياً، وإذا ما بلغت معيشة الناس مستوى متدنياً أو حرجاً، فإن على النظام أن يستعد للتعامل مع أشكال مختلفة من التحديات التي ستأتي من الشعب نفسه بعد أن ينجح خصومه في صناعتها.

فالشعب حين يمر بظروف حياتية صعبة، ويستمر هذا الظرف لمدة طويلة، حتى وإن كان يعرف أنه مصنوع ومفروض، وأن نظامه السياسي المستهدف يعمل كل ما بوسعه للتخفيف من معاناته، فإن الناس ترى نفسها تدريجياً وقد ابتعدت عن النظام، وصار كثيرون من بينهم على استعداد للعمل ضده لتغييره. فالتذمر حين يطول يتحول إلى موقف، ويكون هذا التذمر أيضاً بمثابة فرصة للطامحين للسلطة، لأنه خلق وضعاً نفسياً مهّد الطريق لهؤلاء.

هذه اللعبة أصبحت من البديهيات التي عملت وما زالت تعمل عليها الدول المؤثرة في العالم حين تستهدف نظاماً معيناً، أو تراه يسعى للتمرد عليها أو الخروج عن الخط الذي رسمته لدولته. لكن هذا لا يعني أن النظم التي تتعرض إلى المضايقة الاقتصادية ومحاولات التحجيم هي جميعها نظم مثالية، ولا يعني أيضاً أن الدول التي تقوم بفعل الإيذاء هي على حق دائماً، وإنما يندرج كل هذا في إطار الصراع بين الدول والمشاريع السياسية المتعارضة أو المتنافسة، وأن الشعوب تجد نفسها في خضم صراعات لم تقررها، وإنما ساقتها إليها ظروف وأحداث فرضتها أمواج السياسة المتلاطمة عبر العصور.

الشيء المثير في هذه اللعبة القديمة الجديدة هو أن الذي يقف وراء خراب حياة الشعوب غالباً ما يطرح نفسه المنقذ لها بعد أن يجهز على خصمه أو منافسه السياسي فيها، ويستثمر فيما بعد الفائض العاطفي الذي تفرزه مرحلة العناء والجوع لتشويه هذا الخصم المهزوم وتحميله كامل المسؤولية عما حصل. أو قل: هكذا صرنا نرى شعوباً كثيرة اليوم وأمام أعيننا كيف تتعذب قتلاً وجوعاً وتهجيراً، بينما يبدو الذين وقفوا وراء كل هذه الأفعال وكأنهم الأكثر حرصاً عليها، أو رعاة سلام وحاملو رسالة إنسانية كبيرة.

نعم، إنها السياسة، والذي لا يجيد السباحة في مياهها العميقة سيغرق ويغرق معه الكثيرين، وهذا ما حصل كثيراً في عالمنا وما زال يحصل… للأسف!

ذات صلة

كيف تنجو من فخ الغرور؟كيف نحصّن أولادنا وأصدقاءنا من موجات الفساد والانحراف والارتداد؟ثورة الحب الواعي: كيف نصنع من الولادة الحسينية مشروعاً للإصلاح؟صفقة فاوستية.. دونالد ترامب ونفط فنزويلاهوية جيل الألفية الجديدة رقميَّة