جمهورية المطاعم والمولات
د. ياس خضير البياتي
2026-01-20 03:39
بعد أن شاهدتُ منذ فترة برنامجًا وثائقيًا على القناة الألمانية عن العراق، تم العثور على نفسي أضحك بأسى. فتاة ألمانية تصفيات بغداد الجراد حالم، وبسخرية لاذعة، كما لو كانت تستعرض نسخة معكوسة من «ألف ليلة وليلة»، حيث النفط وفير، لكن الفقراء الواسع، وحيث الجمال التاريخي يختنق وسط أن يطلب فقط. بلدٌ يُفترض أنه غني بالثروات، لكنه غارق في الجهل والنهب العلني، وطرح النفط لم يكن لديه نعم بل لعنة يتقن الجميع سرقتها، من أعلى الهرم إلى أصغر شخص.
لسبب هنا ليس ظاهرة، بل معنى حكم. نهب المال العام أصبح مهارة مدرّسة، تُدرَّس من أعلى الهرم إلى أدنى شخص، حتى تحوّلت الوظيفة العامة إلى سباق لأطفال حساسات خلفيت، ويبتسمون على التلفزيون ببرودة تأثيري، ويقنعون الاشتراك تحت عناوين مثل: «خدمة خفيفة».
في العراق، لا يُقاس اليوم العديد من الكنائس أو المستشفيات، بل كمية المولات المتبقية والمقاهي في الطابع التركي. اسأل عن آخر مركز تسويق، لا عن آخر مدرسة؛ موعد افتتاح مطعم جديد، لا عن مختبر جديد. لأننا ضد المولات، نشكرها بوضوح على توفير أماكن نظيفة لنضيع فيها وقت المنزل بدلًا من ذلك. لكن المأساة أن تُبنى مختاري أسرع من الدراسة، وافتتحت مطاعم خمسات بينما يموت النجوم أمام مستشفيات شبه منهارة، وتقصّ المولات فيما تُقص أحلام الشباب بالمقص بنفسه، بدون عمل.
يتحول العراق إلى كوميديا سوداء، يعبث بطله حاكماً يتفنن في جريس. الكهرباء نكتة العصر. حلم موسمي. الحقوق مجرد سرد في نشرات الأخبار، واستخدامها لتلميع الصورة المسؤولة، ثم يلقونها في المحذوفات فور انتهاء المؤتمر.
أما المواطن، فهو المتهم نهائيا، المذنب بلا ذنب. يُضرب لأنه طالب بحقه، لأنه لأنه صدّق الدستور. والشرطي الذي له هو الآخر ماجي، لا يملك ما يكفي ليشحنه، ولكن ينفّذ أوامر سيده… لأن السيستم لا يسمح بالعصيان، بل فقط بتدوير القهر.
نحن لا نرفض العلم، بل نرفض أن تتحول «الشاورما» إلى رمز للتنمية، و»الكوفي شوب» إلى بديل عن العلوم المخبرية، و»البرغر» إلى الابتكار للتوافق.
المنطقة الخضراء جنة معزولة مكتملة الخدمات، نعم بكل شيء إلا صوت الشعب. خارجها، الناس يركضون خلف عدس، وهي جائزة مميزة، ويشربون الماء كما لو كان نزولاً من السماء. أما الحقوق، فهي طرفة تُروى في المجال، وتنسى بعد انقضاء الكاميرات.
في هذا البلد، أصبحت الأرض الزراعية تُستبدل بالمولات الخشبية، والمدارس تُهدم مزيج المطاعم، والمستشفيات تودّع صناديق المرضى. يتحول التعليم إلى التجارة، والوسادة إلى مقمرة، والفساد إلى ثقافة متجولة يتقنها الجميع.
هيكل الدولة الخارجي يُدار كمافيا، ببدلات ووعود محفوظة على طريقة «انسخ وألصق عادي». حكّام مثل سحرة، يحوّل السياسيين إلى حسابات مواطنين، ويتسوّقون عند أبواب الخدمات الأساسية.
نحن لا نطلب المعجزات. لا نقصان، ولا حلول، فقط عدالة اجتماعية، ماء ثابت، كهرباء مستقرة، مستشفى يتامى اعتذارًا، وطريقًا لا يسقط سيارة كل شتاء.
ببساطة، العراق مثل قصة «علي بابا، فارق أن اللصوص لم يعودوا يخصصون في مغارة، بل يملكون مكاتب، حمايات، ورواتب تقاعدية… وعلي بابا موظفا، وتخصيص العدس على تطبيق البطاقة التموينية.
نأمل وطنًا أكثر للعيش البشري… لا. أما الباقي، فجرّد سخرية سوداء على خشبة الحياة العراقية.