سجناء الرأي.. من قيود “الكاظم” إلى زنازين الحداثة
علي قاسم الكعبي
2026-01-17 05:24
لا يمكن قراءة تاريخنا العربي والإسلامي بمعزل عن الصراع الأزلي بين “الكلمة الحرة” و”السلطة القمعية”. فالمتأمل في تدوين التاريخ ما بعد عصر النبوة، يدرك أن أقلاماً سُخِّرت لتشويه الثورة المحمدية، تارة بأيدٍ حاقدة استكثرت على الإسلام سلبها الملك والسلطة، وتارة بأيدي مستشرقين حاولوا تصوير النبي (ص) بصورة الضعيف أو المخطئ -حاشاه الله- للتشكيك في وصاياه ومستقبل أمته.
تحطيم الأصنام.. في النفس لا في الكعبة
ليس من المنطق أن يترك النبي (ص) أمةً وليدة دون بوصلة تقودها، وهو الذي يعلم أن تحطيم الأصنام الحجرية في الكعبة كان أهون بكثير من تحطيم أصنام الجاهلية الكامنة في نفوس البعض. هذا التنكر للوصايا النبوية أدى بالضرورة إلى ظهور تيار المعارضة الرسالية التي رفضت الانحراف، ودفع أصحابها أثماناً باهظة من التقييد والتعذيب.
وفي طليعة هؤلاء، يبرز الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) كأيقونة تاريخية و”أول سجين رأي” بالمعنى السياسي العميق. لم يُسجن الإمام لجريرة عسكرية، بل لأن وجوده كان يمثل “الشرعية البديلة” التي تقض مضاجع العباسيين. لقد فُرضت عليه الإقامة الجبرية، ومُنع من الاتصال بأتباعه، ونُقل من سجن إلى آخر أشد قسوة، ليس لشيء إلا لأن وعيه وعلومه كانت تفضح الواقع الفاسد للسلطة، حتى قضى شهيداً مسموماً في سجن هارون.
من زنزانة “السندي” إلى سجون العصر
إن قصة الإمام الكاظم ليست مجرد حدث تاريخي نبكي عليه، بل هي “مانيفستو” لحرية التعبير. واليوم، نرى المشهد يتكرر بصور أكثر قتامة في عالمنا العربي. فحرية الرأي التي تُعتبر في الدساتير حقاً، تتحول في الواقع إلى “ناقوس خطر” يهدد عروش الأنظمة.
تُشير تقارير المنظمات الدولية، ومنها لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، إلى واقع مرير في منطقتنا، ولا سيما في دول الخليج التي تذيلت مراتب حرية الصحافة لعام 2016. ففي الكويت مثلاً، تُستخدم تهمة “الإساءة للذات الأميرية” لسجن الناشطين مثل عياد الحربي، بل ووصل الأمر إلى عقوبة سحب الجنسية لكسر الإرادة.أما في السعودية، فقد أصبحت دعوات الإصلاح رديفاً لـ “الردة”، وما قضية المدون رائف بدوي، والشيخ وجدي الغزاوي، والباحث زهير كتبي، إلا شواهد على ضيق صدر السلطة بالكلمة.
وفي البحرين، يواجه البروفيسور المقعد عبد الجليل السنكيس والمصور أحمد الموسوي أحكاماً قاسية، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا ممارسة حقهم الفطري في أن يكونوا أحراراً.
هل الإمام مسجون فينا؟
السؤال الذي يجب أن نواجه به أنفسنا: هل ما زال الإمام الكاظم مسجوناً في عقولنا؟ إن حصر الإمام في إطار المظلومية التاريخية هو سجن آخر لفكره. إن إطلاق سراح “فكر الإمام” يعني أن نتمثل شجاعته في قول الحق، ورباطة جأشه أمام الجلاد. لقد كان الإمام الكاظم أعبد أهل زمانه، لكن عبادته لم تكن انعزالاً، بل كانت تفلح في الأرض وتتلمس حاجات الفقراء ليلاً، وتحمل همَّ الأمة نهاراً.
السجن بالنسبة للسلطة هو وسيلة لـ “تعبيد” الأحرار، لكن بالنسبة لمن سار على نهج الكاظم، يظل السجن منطلقاً للثورة، ويبقى الفكر عصياً على القيد. إن صرخة الحرية التي أطلقها الإمام الكاظم من قعر سجنه هي ذاتها الصرخة التي يرددها كل سجين رأي اليوم. فهل تعلمنا من صاحب السجدة الطويلة أن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الكلمة الصادقة أقوى من السجان؟