انتفاضة صفر.. تمرّد حسينيّ

عاشوراء السنة الثالثة عشرة (21)

2026-08-06 04:00

متى يحقّ للإنسان الفرد والإنسان المجتمع أن يتمرّد على القانون؟! وهل إن للتمرّد شروطًا وأدوات؟! وما هي؟! وكيف؟!

قبل أن نخوض في الإجابة، دعوني أحدثكم عن حقيقة في غاية الأهمية تتعلق بانتفاضة صفر المظفر عام 1977، والتي شهدها العراق ضد القرارات الجائرة والظالمة التي اتخذها نظام الطاغية الذليل صدام حسين ضد شعيرة السير على الأقدام لزيارة الحسين السبط (عليه السلام) في كربلاء المقدسة في ذكرى الأربعين من كل عام، لتجديد البيعة للإمام وأهداف عاشوراء وشعارات كربلاء ومنهج الشهداء الأبرار من أهل البيت (عليهم السلام) والأصحاب الغرّ الميامين.

والحقيقة هي: إن الانتفاضة تمرّد شعبي بروح حسينية على قرارات ظالمة وجائرة، ولذلك يمكن القول بثقة وبالفم المليان، كما يقال، إن شرعية التمرّد ذاتية يستمدّها من أهدافه ومنطلقاته وأدواته ونواياه.

1. فالقانون الذي ينتقص من الحريات بلا سبب وبلا مبرر شرعي أو منطقي أو عقلي، يلزم التمرّد عليه، خاصة إذا انتقص من حرية التعبير أو حرية الاختيار، وتدخل في تحديد عقائد الناس وفي شعائرهم.

هذا النوع من القوانين ظلم للعباد الذين خلقهم الله تعالى أحرارًا وكرّمهم وميّزهم عن خلقه بحرية الاختيار وحرية التعبير، ويريد الإنسان المستبد أن يسلب منهم هذا الحق بشتى الطرق والأعذار ليتحكم بهم ويفرض نهجه وقوانينه الانتقائية على المجتمع!

يقول تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}، و{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}، و{أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}، و{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}.

الخيار، إذن، بيد الإنسان بما منحه الله تعالى من حرية في الاختيار وحرية في التعبير.

أما الظالم الذي يريد أن يصادر هذه الحرية بالقوانين الظالمة، فقوله كما يذكر ذلك القرآن الكريم: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، و{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ}.

الظالم، إذن، يحدد خيارات الناس من خلال السيطرة على عقولهم بعملية غسيل دماغ محكمة تصطاد المغفّلين وذوي العقول التافهة!

أما في ظل سلطة الحق، فلا مجال للانتقاص من حرية الناس قيد أنملة، ولذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، والذي يمثل سلطة الحق والحاكم العادل: {واللَّهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّدًا، أَوْ أُجَرَّ فِي الأَغْلَالِ مُصَفَّدًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ ورَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِمًا لِبَعْضِ الْعِبَادِ وغَاصِبًا لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ، وكَيْفَ أَظْلِمُ أَحَدًا لِنَفْسٍ يُسْرِعُ إِلَى الْبِلَى قُفُولُهَا، ويَطُولُ فِي الثَّرَى حُلُولُهَا؟!}.

وهل هناك ظلم أشد وأقسى وأقبح من مصادرة حرية الاختيار وحرية التعبير؟!

ولذلك أوصى (عليه السلام) مالكَ الأشتر عندما ولاه مصر بأن يمنع أسباب الخوف عن الناس، والتي تحول دون تعبيرهم عن أنفسهم بكامل الحرية.

كتب (عليه السلام) في عهده له: {واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْمًا تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيه شَخْصَكَ، وتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِسًا عَامًّا، فَتَتَوَاضَعُ فِيه لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ، وتُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وشُرَطِكَ، حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ: "لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ"، ثُمَّ احْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ والْعِيَّ، ونَحِّ عَنْهُمُ الضِّيقَ والأَنَفَ، يَبْسُطِ اللَّهُ عَلَيْكَ بِذَلِكَ أَكْنَافَ رَحْمَتِهِ، ويُوجِبْ لَكَ ثَوَابَ طَاعَتِهِ، وأَعْطِ مَا أَعْطَيْتَ هَنِيئًا، وامْنَعْ فِي إِجْمَالٍ وإِعْذَارٍ!}.

وهي القاعدة القرآنية العظيمة التي حمت فيها السماء حرية الاختيار والتعبير للإنسان كإنسان، بغض النظر عن خلفياته، فالحرية قيمة إنسانية عضّدها وشرعنها الدين، وذلك من خلال خلق الأجواء الآمنة وقت التفكير واتخاذ القرار.

يقول تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}.

إن سلب حرية الرأي يعني سلب العلم من الإنسان؛ لأنه {لَا عِلْمَ كَالتَّفَكُّرِ}، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهل تبقى قيمة للإنسان إذا سلبت منه العلم عندما تسلب منه القدرة على التفكير والاختيار؟!

2. والقانون الذي يثير النعرات الطائفية والعنصرية، ويشجع أو يحمي أو يروّج للفساد الأخلاقي والمالي والإداري، ويدفع باتجاه تمزيق اللحمة الوطنية والمجتمعية، ينبغي التمرّد عليه.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): {وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ، ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ؛ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ}.

فالقانون الذي يتجاوز على هذه القاعدة الإنسانية والوطنية ينبغي التمرّد عليه؛ لأنه يتعامل مع الرعية بالفوارق الطبقية، ويؤسس للتعامل معهم بتمييز بعيدًا عن العدل والمساواة، كما أمر الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ}، وقوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

فالقسط لكل الناس، وليس لفئة دون أخرى، وأن تقسيم المجتمع إلى درجات، فهذا من الدرجة الأولى والآخر من الدرجة الثانية، سواء على أساس الخلفية الدينية أو الإثنية أو الطبقية المجتمعية والاقتصادية، إن كل ذلك يتعارض مع القسط جملة وتفصيلًا.

ومن القوانين الفاسدة التي يجب التمرّد عليها هي التي تتجاوز على "أشياء" الناس، وتحديدًا الطاقات والخبرات والكفاءات، فيشرعن وضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، سواء بسبب الولاءات الحزبية أو بالرشاوى أو غير ذلك.

يقول تعالى: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}. وعلى رأس ذلك مكيال المكان المناسب الذي إذا تم التجاوز عليه بالرجل غير المناسب، فسيُعَدّ ذلك جورًا وخيانة، كما يصفها أمير المؤمنين (عليه السلام): {ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ، فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَارًا، ولَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وأَثَرَةً، فَإِنَّهُمَا جِمَاعٌ مِنْ شُعَبِ الْجَوْرِ والْخِيَانَةِ}.

3. والقانون الذي يستهدف شريحة اجتماعية دون أخرى، فيصطاد الضعفاء ويفلت منه الأقوياء، ينبغي كذلك التمرّد عليه.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): {إِنَّما هلكَ الذينَ مِن قبلكُم أَنَّهم كانُوا إِذا سرقَ فيهِم الشَّريفُ تركُوهُ، وإِذا سرقَ فيهِم الضَّعيفُ أَقامُوا عليهِ الحدَّ}.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)، يثبّت مبدأ "القانون فوق الجميع"، مخاطبًا أحد أقرب عمّاله إليه "محافظ البصرة"، وكان قد خان الأمانة والثقة: {فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ ثُمَّ أَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْكَ، لأُعْذِرَنَّ إِلَى اللَّهِ فِيكَ، ولأَضْرِبَنَّكَ بِسَيْفِي الَّذِي مَا ضَرَبْتُ بِهِ أَحَدًا إِلَّا دَخَلَ النَّارَ! ووَاللَّهِ، لَوْ أَنَّ الْحَسَنَ والْحُسَيْنَ فَعَلَا مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتَ، مَا كَانَتْ لَهُمَا عِنْدِي هَوَادَةٌ، ولَا ظَفِرَا مِنِّي بِإِرَادَةٍ، حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُمَا، وأُزِيحَ الْبَاطِلَ عَنْ مَظْلَمَتِهِمَا}.

ففي الحالات الثلاث أعلاه ومثيلاتها من القوانين، لا تمثل مصداقًا لحدود الله تعالى التي أمرنا المشرّع بالالتزام بها واحترامها وعدم التجاوز عليها: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}. والعكس هو الصحيح، فاحترامها ظلم: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}؛ لأن معيار صحة الحدود من عدمه هو في إقامة العدل والإنصاف، وليس في نصوص تقمع فئة وتمكّن أخرى، فهي في هذه الحالة ستكون منكرًا لا ينبغي السكوت عنه ومسايرته والخضوع له أبدًا. ففي هذه الحالة، يجب التمرّد عليه لإصلاح الحال، ولو كان ثمنه الدم، كما هو الحال في عاشوراء، وفي كل الثورات والانتفاضات التي هي بمثابة التمرّد على الباطل والظلم الذي تؤسس له القوانين السيئة.

إن عواقب مسايرة المنكر والخضوع للقانون الظالم وخيمة جدًا، يدفع ثمنها كل المجتمع وليس جزءًا منه، كما في قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ}.

لقد سعى نظام الطاغية الذليل صدام حسين لمحاصرة خيارات العراقيين، وتحديد حرياتهم، والتدخل في كل صغيرة وكبيرة تخص عقائدهم وشعائرهم، ومن ذلك منع الشعائر الحسينية التي اعتاد عليها العراقيون جيلًا بعد جيل ببعدها الإنساني السلمي الذي لا يتعرض لأحد، ولا يتجاوز حدود أحد أو حقوق فئة. ولذلك كان لا بد من موقف شعبي يتمرّد عليها لوضع حدّ للتدخلات السافرة التي ظل يواصل النظام انتهاجها بحجج وذرائع شتى.

فكانت انتفاضة صفر المظفر الظافرة عام 1977، والتي دفع فيها العراقيون دماءً ودموعًا ومعتقلات ومطاردات، ولولاها لما شهدنا اليوم الذي نرى فيه الملايين تحيي الأربعين بكامل حريتها في ظل أجواء آمنة!


ذات صلة

رواتب الموظفين على صفيح ساخنهجرة الكفاءات العراقية.. الأسباب والآثار الاقتصادية والإداريةانتقل الحوثيون من الخطابات والتعبئة إلى العمل العسكريمأزق الزيدي مع الميليشياتأزمة السيولة لدى أثرياء الورق: هل يصنع الذكاء الاصطناعي فقاعة عقارية جديدة؟