لماذا تحتاج المجتمعات إلى الاعتبار أكثر من الفخر؟
شبكة النبأ
2026-08-26 03:32
تتسع دلالة الاعتبار في التجربة الإنسانية لتتجاوز معناها المرتبط بحفظ المكانة والكرامة، فهي تحمل في جوهرها قدرة الإنسان على النظر في تجارب الحياة واستخلاص ما يعينه على فهم نفسه والعالم من حوله. فالإنسان الذي يحفظ اعتباره يعرف قيمة ذاته، والإنسان الذي يتعلم من العِبَر يعرف كيف يحوّل ما يراه في حياة الآخرين إلى معرفة تساعده على تطوير سلوكه وفكره وخياراته. ومن هنا تكتسب قيمة الاعتبار أهميتها ضمن قيم التقدم، لأنها تربط احترام الإنسان لذاته بقدرته على التعلم المستمر.
الحياة تضع أمام الإنسان نماذج كثيرة تستحق التأمل؛ أشخاص نجحوا في تحويل المعرفة إلى إنجاز، وآخرون صنعوا من تجاربهم دروسًا نافعة، وشخصيات تركت أثرًا في الأدب والفكر والفن والعلم والدين والعمل الاجتماعي. قيمة هذه النماذج لا تتوقف عند الإعجاب بها أو الاحتفاء بأصحابها، وإنما تكمن في قدرتنا على اكتشاف الطريق الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه.
فحين نعجب بمفكر كبير، ثم نتوقف عند اسمه ومكانته، تبقى العلاقة معه في حدود الإعجاب؛ أما حين نتأمل طريقته في التفكير، وانضباطه، وصبره، وأسلوبه في التعامل مع المعرفة، فإن الإعجاب يتحول إلى تعلّم، والتعلم يتحول مع الوقت إلى قدرة على بناء الذات.
ولهذا تبدو العبرة أكثر فاعلية حين تصبح طريقة في النظر إلى الأشخاص والأحداث. فالإنسان يستطيع أن يرى النجاح بوصفه نتيجة نهائية، ويستطيع أن ينظر إليه بوصفه رحلة طويلة من المحاولات والأخطاء والمراجعة والتجربة. وفي الحالة الثانية يصبح الآخر مصدر معرفة، وتصبح تجربته مادة يمكن تحليلها والاستفادة منها، سواء انتهت بالنجاح أو كشفت أسباب التعثر. هذه القدرة على قراءة التجارب هي التي تمنح الاعتبار قيمته الفكرية، لأنها تجعل الإنسان أكثر استعدادًا للتعلم من الواقع بدل الاكتفاء بمراقبته.
وقد عبّر الإمام علي عليه السلام عن هذا المعنى بقوله: «ولأن يكونوا عِبَراً أحقُّ من أن يكونوا مُفتخراً»، وهي عبارة تضع الإنسان أمام فارق مهم بين الفخر بالنماذج المتميزة والانتفاع بها. فالفخر يمكن أن يمنح الشعور بالانتماء، أما الاعتبار فيمنح فرصة للنمو. ومن حق الإنسان أن يعتز بأبيه أو أخيه أو عالمه أو مبدعه حين يكون لهم أثر يستحق التقدير، غير أن القيمة الأعمق تظهر عندما يسأل نفسه: ماذا يمكن أن أتعلم من هذه التجربة؟ وما الذي جعل صاحبها مختلفًا؟ وأي جزء من طريقه يمكن أن يتحول إلى سلوك في حياتي؟
في المجتمعات التي تنمو معرفيًا، لا تُستهلك الشخصيات المؤثرة في المناسبات والاحتفالات وحدها، وإنما تتحول سيرها وأعمالها إلى مادة للتعلم. فالعالم الذي قضى عقودًا في البحث يقدم للأجيال تجربة في الصبر والانضباط قبل أن يقدم لهم نتائج أبحاثه، والأديب الذي أعاد بناء أدواته أكثر من مرة يقدم نموذجًا في تطوير الموهبة، والمخترع الذي فشل في محاولات متعددة قبل الوصول إلى إنجازه يقدم درسًا في التعامل مع الفشل. هكذا يصبح الإنسان المتميز مدرسة مفتوحة، ويصبح الإنجاز الذي تركه فرصة لفهم الطريق الذي أنتجه.
وتزداد قيمة الاعتبار حين ننتقل من الأشخاص إلى المجتمعات. فكل مجتمع يملك تجارب ناجحة في التعليم والإدارة والاقتصاد والعمران والثقافة والعمل المدني، كما يملك تجارب أخرى كشفت أخطاءه وأسباب تعثره. والمجتمع الواعي يستطيع أن يتعلم من التجربتين معًا؛ يستفيد من النجاح فيبني عليه، ويتأمل في الإخفاق حتى لا يعيد إنتاج أسبابه. أما حين ينظر المجتمع إلى تجاربه بوصفها صفحات مغلقة، فإنه يخسر واحدة من أهم أدوات التطور: القدرة على تحويل الماضي إلى معرفة نافعة للحاضر.
ومن هنا ترتبط قيمة الاعتبار بقيمة التواضع المعرفي. فالإنسان الذي يعتقد أنه يمتلك الإجابات الكاملة يفقد حاجته إلى التعلم، بينما يدرك الإنسان الواعي أن خبرته، مهما اتسعت، تظل جزءًا صغيرًا من خبرة بشرية أوسع. ولذلك فإن الاعتبار يحتاج إلى عقل قادر على الإنصات والمقارنة والتحليل، وإلى شخصية تستطيع أن تعترف بفضل الآخرين من دون أن تشعر بأن نجاحهم ينتقص من قيمتها. فالاعتراف بتجربة ناجحة لا يقلل من شأن الإنسان، وإنما يوسع قدرته على رؤية ما كان غائبًا عنه.
وفي واقعنا العربي، تبدو الحاجة إلى هذه القيمة أكثر إلحاحًا، لأن كثيرًا من النماذج المتميزة لا تحصل على ما تستحقه من دراسة واستثمار. قد نحتفي بشخصية علمية أو أدبية أو ثقافية في مناسبة معينة، ثم تعود تجربتها إلى الهامش من دون أن تتحول إلى برنامج تعليمي أو مشروع معرفي أو مادة تلهم الأجيال. وقد نمتلك أسماء كثيرة تستحق أن تكون جزءًا من الذاكرة الحية للمجتمع، فيما تبقى أعمالها بعيدة عن المناهج والبرامج الثقافية ومساحات النقاش العام.
المشكلة هنا لا تتعلق بقلة النماذج، وإنما بطريقة تعاملنا معها. فقد يتحول المبدع إلى صورة معلقة على الجدران، أو اسم يرد في كلمات التكريم، أو رمز نستحضره حين نحتاج إلى إثبات امتلاكنا لتاريخ ثقافي مشرف. أما قيمته الحقيقية فتظهر عندما نقرأ أعماله، ونفهم أدواته، ونحلل أسباب نجاحه، ونمنح الأجيال فرصة للتعلم منه. عندها يتحول التراث الإنساني من مصدر للفخر إلى مصدر للطاقة المعرفية.
ويحتاج الاعتبار كذلك إلى تجاوز النظرة التي تفصل بين الإنسان وإنجازه. فليس كل نجاح صالحًا للاقتداء، وليس كل شخصية مشهورة نموذجًا ينبغي اتباعه. الاعتبار الحقيقي يقوم على الاختيار والتمييز؛ نأخذ من التجربة ما يعزز المعرفة والكرامة والعدالة والإبداع، ونترك ما يتعارض مع القيم الإنسانية. وهذا يجعل الاعتبار عملية عقلية واعية، لا تقليدًا أعمى لشخصية أو تجربة.
وعندما تصبح هذه القيمة جزءًا من التربية، يتغير معنى التعليم نفسه. فالطالب الذي يتعلم كيف يقرأ تجربة عالم أو مفكر أو مبدع لا يتعلم معلومات عن شخص فحسب، وإنما يتدرب على اكتشاف العلاقة بين الفكرة والإنجاز، وبين المثابرة والنتيجة، وبين الخطأ والتعلم. والمدرسة والجامعة تستطيعان أن تجعلا سير المتميزين مادة لتحليل التجارب، بحيث يتعلم الطالب كيف يسأل: كيف وصل هذا الإنسان؟ ماذا واجه؟ كيف تعامل مع الفشل؟ وكيف حوّل المعرفة إلى أثر؟
ومن هذه الزاوية يمكن أن تتحول قيمة الاعتبار إلى ثقافة اجتماعية واسعة؛ ثقافة تجعل النجاح قابلًا للتعلم، والتجربة قابلة للتحليل، والإنجاز قابلًا للبناء عليه. وعندها لا يعود المجتمع مضطرًا إلى انتظار ظهور العباقرة في كل جيل، لأنه يستطيع أن يراكم الخبرة، وينقلها، ويطورها، ويمنحها لأجيال جديدة قادرة على إضافة شيء مختلف إليها.
ربما تكمن إحدى مشكلات المجتمعات المتأخرة في أنها تبدأ كل مرة من نقطة الصفر، فتكرر الأخطاء نفسها، وتعيد اكتشاف ما اكتشفه الآخرون، وتستهلك وقتًا طويلًا في تجارب كان يمكن اختصارها بالاستفادة من خبرات سابقة. أما المجتمع الذي يمتلك ثقافة الاعتبار، فإنه يبني طبقة فوق طبقة؛ يأخذ من السابقين ما ينفعه، يصحح أخطاءهم، يضيف إليها، ثم يترك لمن يأتي بعده أرضًا أكثر صلابة.
لهذا لا ينبغي أن يبقى الاعتبار قيمة أخلاقية فردية محدودة، وإنما يمكن أن يصبح منهجًا في بناء الإنسان والمؤسسة والمجتمع. أن نقرأ تجارب العلماء لنتعلم منهم، ونراجع تجارب الدول لنعرف أسباب تقدمها، ونحلل إخفاقاتنا حتى لا تتكرر، ونمنح أصحاب الإنجازات فرصة لأن يتحول أثرهم إلى معرفة عامة؛ كل ذلك يجعل الاعتبار جزءًا من حركة المجتمع نحو المستقبل.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم: هل نريد أن نفتخر بالنماذج التي صنعت التقدم، أم نريد أن نتعلم منها كيف نصنع نماذج جديدة؟ الفارق بين الخيارين هو الفارق بين ذاكرة تحفظ الأسماء وذاكرة تنتج المستقبل. فالاعتبار يمنح الإنسان قدرة نادرة على تحويل ما يراه إلى معرفة، وما يعرفه إلى سلوك، وما يتعلمه من الآخرين إلى إضافة جديدة في مسيرته. وحين يصبح التعلم من التجارب عادة اجتماعية، تتحول إنجازات الأفراد من قصص شخصية إلى رأس مال معرفي تتوارثه الأجيال، وتصبح قيمة الاعتبار واحدة من الأدوات الهادئة التي يستطيع بها المجتمع أن يغادر منطقة التكرار نحو فضاء أوسع من الوعي والتقدم.