بودكاست «حيرة» مع السيد مرتضى الشيرازي.. مقاربات تجديدية في الفكر والفقه والشورى والاقتصاد

شبكة النبأ

2026-09-15 03:06

في حوار فكري وفقهي موسع، يستضيف هادي محمد اللواتي، مقدم قناة «حيرة»، سماحة آية الله السيد مرتضى الحسيني الشيرازي، الأستاذ في البحث الخارج في الحوزة العلمية، وصاحب عدد من المؤلفات في الفقه والأصول والعقائد والفكر والاقتصاد الإسلامي، في لقاء أُجري في النجف الأشرف بالقرب من مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام. وينطلق الحوار من مدرسة أهل البيت عليهم السلام بوصفها مرجعية معرفية وأخلاقية، لكنه لا يبقى داخل الإطار النظري، بل ينتقل إلى أسئلة معاصرة تتصل بالعقل، والحوار، والاجتهاد، والحكم، والعقوبات، والاقتصاد، والمرأة، وعلاقة النص الديني بالعلوم الحديثة. والمصدر هو بودكاست «حيرة» على قناة Hira في يوتيوب، تقديم هادي محمد اللواتي.

يفتتح الحوار من سؤال روحي ومعرفي مستمد من المناجاة الشعبانية وتراث الإمام علي عليه السلام، في محاولة لتحديد ما يمكن أن تقدمه مدرسة أهل البيت للإنسان المعاصر في زمن يوصف بالعطش الروحي. ومن هذا المدخل ينتقل السيد مرتضى الشيرازي إلى بحث العلاقة بين العقل والوحي، مؤكدًا مركزية العقل الفطري المستقل في المعرفة، مع التنبيه إلى أن العقل البشري الواقعي قد يقع تحت تأثير الهوى والمسبقات والبيئة والمصالح؛ ولذلك يحتاج، وفق الرؤية التي يعرضها، إلى مرجعية تضبط حركته وتختبر نتائجه. ومن هنا يقدم تراث أهل البيت باعتباره «المنهل الصافي» والميزان الذي لا يمنع الانفتاح على علوم الآخرين وتجاربهم، بل يوجه عملية الاستفادة منها ضمن أصول وضوابط عامة.

ويمثل سؤال الانفتاح على المعرفة الإنسانية أحد الخطوط الحاكمة للحوار؛ إذ لا يدعو الشيرازي إلى الانغلاق داخل النصوص الدينية، بل يميز بين المرجعية وبين مصادر المعرفة والخبرة. فالإنسان، بحسب هذا التصور، مطالب بدراسة التاريخ والمجتمع والسياسة والاقتصاد والاستفادة من التجارب البشرية والعلوم الحديثة، على أن تخضع النتائج للمراجعة ضمن منظومة قيمية ومعرفية أوسع. ويستشهد الحوار بالدعوات الدينية إلى طلب الحكمة والسير في الأرض والنظر في تجارب الأمم، ليؤكد أن الانتماء إلى مدرسة معرفية لا يعني إغلاق أبواب التعلم من الآخر.

ومن أكثر محاور الحلقة توسعًا أخلاقيات الحوار مع المختلف، إذ يناقش الشيرازي مضمون كتابه «قولوا للناس حسنًا ولا تسبوا»، ويفرق بين امتلاك الحجة وبين اللجوء إلى الشتيمة والإهانة. ويطرح أن قوة الفكرة ينبغي أن تظهر من خلال البيان والحوار العلمي والدليل، لا من خلال العنف اللفظي، وأن السب قد يتحول إلى حاجز نفسي يمنع الآخر من الاستماع إلى الحقيقة، حتى في الحالات التي يعتقد الإنسان أن الطرف المقابل يستحق الإدانة. ومن هنا يناقش النصوص الدينية المتعلقة بالسب واللعن، ويميز بين الاستحقاق من جهة، والمصلحة والفعلية من جهة أخرى، مؤكدًا أن تقدير أثر الخطاب ومآلاته الاجتماعية والدعوية جزء من المسؤولية الأخلاقية والفقهية.

ويمتد هذا المبدأ إلى داخل المجال الديني نفسه، إذ ينتقد الحوار العنف اللفظي في النقاشات الفقهية والأصولية بين العلماء، ويرى أن الاختلاف العلمي لا يستلزم إسقاط الأشخاص أو الانتقاص منهم. وبذلك يصبح أدب الاختلاف جزءًا من منهج التفكير، لا مجرد أسلوب لغوي، لأن فتح باب الاجتهاد يعني بالضرورة قبول تعدد الآراء داخل المجال الفقهي ما دامت تستند إلى أدوات الاجتهاد المعروفة.

ومن هذا المدخل ينتقل الحوار إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية والفقهية حساسية، وهي ولاية الفقيه وشورى الفقهاء وإدارة الشأن العام في عصر الغيبة. ويعرض السيد مرتضى الشيرازي تصوره القائم على أن ثبوت الولاية، عند من يقول بها، لا ينبغي أن يؤدي إلى انفراد فقيه واحد بالقرار مع وجود فقهاء آخرين تنطبق عليهم الشروط نفسها، بل يرى أن الشؤون العامة تحتاج إلى «شورى الفقهاء» واتخاذ القرارات بالأكثرية. ويضيف إلى ذلك ركنين آخرين: الاستعانة بأهل الخبرة والاختصاص في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق، وقبول المجتمع الذي ستنعكس عليه نتائج القرار. وبذلك يقدم نموذجًا يقوم، بحسب تصوره، على ثلاثة أركان مترابطة: الشورى الفقهية، والخبرة التخصصية، ورضا الأمة. 

ولا يقف النقاش عند البنية السياسية، بل ينتقل إلى مقاصد الشريعة ومحاولة إعادة قراءتها داخل المنهج الأصولي الشيعي. ويطرح الشيرازي مفهوم «مقاصد المقاصد»، واضعًا الرحمة في مركزها؛ فالغاية النهائية لحفظ النفس والعقل والمال والدين والأعراض، وفق هذه القراءة، ترتبط برحمة الإنسان وتحقيق مصالحه ومنع الضرر عنه. ويحاول بذلك إيجاد مسار يسمح بالاستفادة من المقاصد في عملية الاجتهاد، من دون تحويلها إلى قياس أو استحسان منفصل عن الأدلة الشرعية. 

وفي الجانب الاقتصادي، يستعرض الحوار تجربة الإمام علي عليه السلام في الحكم، ومفهوم العدالة والرخاء الاقتصادي، ثم ينتقل إلى الربا وبنية الاقتصاد الحديث. ويعرض الشيرازي أطروحته القائلة إن الربا ليس ضرورة لازدهار الاقتصاد، بل يمكن أن يكون أحد أسباب الاختلالات الاقتصادية، مشيرًا إلى محاولته مناقشة القضية بأدوات علم الاقتصاد الحديث، وليس فقط من زاوية الحكم الشرعي. وهنا يظهر محور مهم في الحلقة يتمثل في ضرورة مخاطبة الإنسان المعاصر بلغة علمية تستطيع مناقشة النظريات الاقتصادية والفكرية الحديثة ضمن أدواتها ومفاهيمها.

ويختتم الحوار بسؤال أوسع عن العلاقة بين «عقل النص» والدراسات المعاصرة؛ إذ يدافع الشيرازي عن حاجة الفقيه والمفكر الديني إلى متابعة العلوم الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الحديثة، لأن استنباط نظرية قادرة على مخاطبة الواقع لا يكتمل بمجرد معرفة النص، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة دقيقة بالموضوع الذي يراد تطبيق النص عليه. ولهذا يدعو إلى استخراج المضامين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكامنة في تراث الإمام علي وأهل البيت عليهم السلام، وصياغتها بلغة علمية تسمح بدخولها في النقاش الأكاديمي المعاصر.

وبذلك لا تقوم الحلقة على موضوع واحد، بل على خيط فكري يجمع موضوعاتها المختلفة: كيف يمكن للتراث الديني أن يتحول من نص محفوظ إلى مصدر لإنتاج معرفة وحلول معاصرة. ومن هنا تكتسب الحلقة وحدتها، رغم تنوع موضوعاتها، بوصفها محاولة لربط العقل بالنص، والاجتهاد بالواقع، والرحمة بالقانون، والشورى بالسلطة، والتراث بأسئلة العصر.

حوارية مع سماحة السيد مرتضى الحسيني الشيرازي

وفيما يلي نص الحوارية الكاملة:

اللواتي:

مساء الخيرات، وأهلًا وسهلًا بكم في «حيرة» من العراق، ومن النجف الأشرف، وبجوار الحرم الطاهر لأمير المؤمنين وسيد المتقين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو يبعد عنا أمتارًا قليلة فقط.

نتشرف بالحوار مع سماحة السيد مرتضى الشيرازي، وهو أستاذ وباحث في الحوزة العلمية في مرحلة الدراسات العليا، ولديه مجموعة من المؤلفات والكتب المختلفة والقيمة، منها موسوعة صدرت مؤخرًا، وهي مستمرة في الصدور، بعنوان «التنمية الاقتصادية في نصوص الإمام علي عليه السلام - بحث مقارن»، ومنها أبحاث اقتصادية أخرى بعنوان «بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن»، وهي عدة مجلدات، وهناك بعض العناوين المعرفية الأخرى، منها هذا العنوان «القيمة المعرفية للشك»، و«فقه التعاون على البر والتقوى»، ومنها مجموعة من العناوين الأخرى في أبحاث الفقه المعاصر.

وهذا كتاب بعنوان «مقاصد الشريعة ومقاصد المقاصد - الرحمة واللين نموذجًا»، ولديه كتاب أيضًا بعنوان «قولوا للناس حسنًا ولا تسبوا»، وغيرها. وهذه، إن شاء الله، حوارية ننتقل فيها من غصن إلى آخر بإذن الله تعالى.

السلام عليكم سيدنا، وشكرًا على هذه الفرصة الطيبة.

سماحة السيد:

عليكم السلام والرحمة، وأهلًا بكم ومرحبًا، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا اللقاء لقاءً مباركًا ولقاء خير وعطاء ببركة أمير المؤمنين ومولى الموحدين، عليه صلوات المصلين.

اللواتي:

بإذن الله تعالى، وأيضًا لكم الشكر، حيث إنكم تهتمون بالمباحث المعرفية ومباحث السياسة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي وغيرها، فلكم الشكر ولكم الأجر والثواب أيضًا.

طبعًا قبل أن ندخل في المباحث المعرفية التي اتفقنا عليها، نحن في جوار الأمير، وأيام شعبان والمناجاة الشعبانية هي قمة وذروة مناجاة الأمير، وفيها تعبيرات عظيمة، منها: «إلهي هب لي قلبًا يدنيه منك شوقه»، أو «إلهي وألهمني ولهًا بذكرك إلى ذكرك»، أو «إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك»، أو «إلهي وألحقني بنور عزك الأبهج»[1]. كل هذه العبارات لعلها من درر عبارات المناجاة. فنحن ندخل من هذا الباب، من باب أن أئمة أهل البيت هم أئمة التوحيد والمعرفة والأخلاق والمناجاة، وأئمة هدايتنا لهذا الطريق، خاصة الآن في زمن العطش الروحي. أنتم لديكم إطلالة على الغرب والأبحاث الغربية، ومن كتبكم هذا الأمر معروف. ففي زمن العطش الروحي الشديد في كل مكان، ما الذي نستقيه من مشكاة أنوار الأمير في هذا المجال؟ نجعل هذا مدخلًا للكلام ومقدمة لحوارنا.

في رحاب مدرسة أمير المؤمنين عليه السلام

سماحة السيد:

أحسنتم، وجدتم، وبارك الله بكم، وتقبل الله أعمالكم، وشكر الله جهودكم. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة والحكمة فليأتها من بابها»[2]. وحيث إننا نعتقد بذلك، وحيث إن البرهان الإنّي، وهو الانتقال من المعلول إلى العلة، كشف عن ذلك أيضًا، فإنك عندما تقرأ نهج البلاغة، على سبيل المثال، بل أي فيلسوف أو مفكر، سواء أكان مسلمًا أم مسيحيًا أم حتى ملحدًا، عندما يقرأ نهج البلاغة مثلًا، فإنه يقر ويذعن، شاء أم أبى، في قرارة نفسه، سواء أعلن أم لم يعلن، بأنه أمام عظيم، ولو توغل أكثر وتدبر وتفكر لعرف أنه عليه السلام لا يرقى إليه خيال البشر.

هل العقل مرجع معرفي سليم تمامًا؟

فنحن في هذه المدرسة العلوية، وفي مدرسة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، نجد أنهم المنهل الصافي، والمنهل العذب، والمنبع المعرفي الذي لا ينضب، وحيث لا شائبة تشوب ذلك المنهل. الفكر البشري كثيرًا ما يعاني من قصور، وقد يعاني من تقصير، وقد يعاني من الشوب. وكما يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه أيضًا: «شهد على ذلك العقل إذا خلص من أسر الهوى وسلم من علائق الدنيا»[3]. فالعقل وإن كان حجة باطنة[4]، لكن له شرطان: ألا يُسجن في سجن الهوى، وقد ورد عنه عليه السلام: «كم من عقل أسير تحت هوى أمير»[5]، فإذا أُسر هلك، وألا تشوبه علائق؛ فقد لا يكون العقل أسيرًا، لكن تتعلق به بعض الشوائب.

وصفوة القول: إنه لا شك في أن أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم هم المنبع الصافي للعلم والمعرفة.

نعم، العقل المستقل الفطري أيضًا منبع صافٍ بلا كلام، ولكن هل يا ترى أنا عندما أفكر، وأنت عندما تفكر، والمسيحي عندما يفكر، والملحد عندما يفكر، والسوفسطائي عندما يفكر، هل أنطلق من العقل الصافي، العقل الفطري، أم لا؟ هذا ما بحثته بعض البحث في كتاب «مدخل إلى علم العقائد - نقد النظرية الحسية»[6]، وأيضًا بحثته بعض البحث في كتاب «نقد الهرمنيوطيقا»[7]، وأيضًا في كتاب «نسبية النصوص والمعرفة: الممكن والممتنع»[8].

بين العقل والعلم وأهل البيت عليهم السلام

فنحن إذن علينا أن نرجع إليهم، ولذا يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: «يا كميل، لا تأخذ إلا عنا تكن منا»[9]. وليس معنى ذلك المنع من الاستفادة من حصيلة أفكار الآخرين، لكن ذلك يعني أن أفكارهم هي المحك، وهي الضابطة.

لا شك أن كل الحقائق عند أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ لأنهم منابع العلم ومعادن الحكمة. نقرأ في دعاء شجرة النبوة: «اللهم صل على محمد وآل محمد، شجرة النبوة وموضع الرسالة ومعدن العلم»[10]، ولكن لا يعني ذلك ألا نستفيد من علوم الآخرين في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والحقوق، وإنما يعني أن هناك محكًا، وهناك ضوابط، وميزانًا ومعيارًا نرجع إليه.

إن كل العلوم مودعة لديهم عليهم السلام، لكنها لم تصلنا بأجمعها بالضرورة، فإذا لم تصلنا فيمكن أن نستفيد من الآخرين، ولكن بالرجوع إلى الضوابط والأسس العامة التي أسسوها لنا.

اللواتي:

هم، سيدنا، أيضًا يرشدون إلى طلب الحكمة أينما كانت، وإلى طلب العلم ولو في الصين[11]، وإلى السير في الأرض، وإلى الانفتاح على النتاج. وفي وصية الإمام علي للإمام الحسن يقول له: «وإني وإن لم أكن قد كنت في الأمم السابقة، ولكني أتيت لك بخلاصات» (مضمون الكلام)[12]. وبالتالي، هناك دعوة من أهل البيت إلى انفتاح كبير على الحكمة، وعلى المعرفة، وعلى الحضارة، وعلى التجارب، وعدم الاقتصار على نصوصهم؛ لأنهم في النهاية، حتى وإن لم يصلنا كل شيء، قدموا التوجيهات الكبرى، إن صح التعبير، والكلية، ولكن أبقوا لنا مجالًا.

سماحة السيد:

وأيضًا من تعابير أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: «فسر في ديارهم وانظر إلى آثارهم»[13]، بل قبل ذلك يقول جل اسمه في القرآن الكريم: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾[14]. إذن السير في الآفاق، والسير في الأنفس، وأيضًا دراسة التاريخ ودراسة فلسفة التاريخ. السيد الوالد قدس سره له كتاب باسم «فلسفة التاريخ». ودراسة علم المستقبل لها أسس موجودة أيضًا في كلام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وللعبد الفقير بحث عن علم المستقبل. فموطن الشاهد هو أن العلوم كلها لديهم عليهم السلام موجودة، لكنها لم تبرز إلينا، إما لأجل النقص في قابلية القابل، أو لمنع الظالمين، أو لغير ذلك. ولقد برز إلينا الكثير طبعًا، وقد أعطونا مرجعيات: «إنما علينا إلقاء الأصول وعليكم أن تفرعوا»[15]. فبهذا نجمع بين الحقين؛ يمكن، بل يلزم، على الإنسان أن يقتبس من علوم الآخرين في الصناعة والسياسة والاقتصاد، لكن مع الرجوع إلى هذه المرجعية.

اللواتي:

سيدنا، كان السؤال عن البعد الروحي المميز الذي نجده في المناجاة، والذي لا نجده في المدارس الروحية الأخرى لدى البشر، خاصة أنتم لديكم تأمل في التصوير الفني... كنا نتحدث عن المناجاة الشعبانية والشوق، وأيضًا الصلوات الشعبانية التي فيها تصوير لخيال الإنسان ورابطة المعاني من هذه الجهات.

القيمة المعرفية والعرفانية للصحيفة السجادية ونهج البلاغة

سماحة السيد:

كانت لي محاضرة قبل أيام، محورها يدور حول هذه الجمل الثلاث الموجودة في مناجاة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، التي أشرتم إلى جزء منها: «إلهي هب لي قلبًا يدنيه منك شوقه، ولسانًا يرفع إليك صدقه، ونظرًا يقربه منك حقه»[16].

ونقول إنه، على سبيل المثال، الصحيفة السجادية هي زبور آل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. كل المعالي، وكل المعاني السامية، وكل المعارف الحقيقية، وكل العرفان الحقيقي، تجده عند أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في الصحيفة السجادية، وفي دعاء الصباح، وفي دعاء السمات، وفي عالية المضامين الذي يُقرأ بعد زيارة الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم، وفي دعاء مكارم الأخلاق، وفي دعاء كميل، وعندنا في دعاء أبي حمزة الثمالي. لاحظوا هذه الأدعية؛ حقيقة رهيبة في مضامينها العرفانية أو المعرفية، والعرفان بالمعنى اللغوي لا بالمعنى المصطلح؛ لأن العرفان معنيان. مثلًا لاحظوا قوله في أول دعاء أبي حمزة الثمالي، الذي يُقرأ في أسحار شهر رمضان: «إلهي لا تؤدبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك، من أين لي الخير يا رب ولا يوجد إلا من عندك، ومن أين لي النجاة ولا تستطاع إلا بك»[17]... إلى آخر كلامهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فهم المعادن الحقيقية للمعارف في كل أبعادها.

اللواتي:

الجميل جدًا، سيدنا، من هذا الباب، ينفتح سؤال: دعوة الآخرين، وأنت في النهاية إذا كان عندك كنوز وجواهر فإنك تحب أن تشارك الآخرين إياها، صحيح؟ وأنتم لديكم في هذا الباب كتاب لعله مقاربة جديدة في هذا المجال، «قولوا للناس حسنًا ولا تسبوا»، وقد ورد أيضًا: «كونوا لنا زينًا»، و«إن الناس إذا سمعوا محاسن كلامنا لاتبعونا»، أو «ادفع بالتي هي أحسن». هذه الأدبيات موجودة كثيرًا في السيرة ونسمعها، لكن عندكم تأصيل لهذا الأمر. نريد الخلاصة التي قدمتموها في هذا البحث، والجديد الذي قدمتموه في بحث «لا تسبوا». قد يكون مركوزًا لدى بعض الطلاب أن أهل البدع أكثروا من سبهم ولعنهم والوقيعة فيهم وكذا، وهناك نصوص أخرى: «إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكن إذا ذكرتم أفعالهم ووصفتم حالهم لكان أبلغ في الأثر»[18].

فهنا السؤال الأول: الدعوة كيف ينبغي أن تكون للآخر، المسلم وغيره؟ وأيضًا كيف نعالج مجموعة من الروايات التي تدعو إلى التعامل العنيف مع الآخر، إن صح التعبير؟

كيف نعالج النصوص التي تحرض على العنف؟

سماحة السيد:

الإطار العام يهندسه، إن صح التعبير، لنا القرآن الكريم، أي يحدده لنا القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾[19]. هذا هو الإطار العام الذي ننطلق منه. ولا يخفى، وكما أشرتم، أن هناك منهجين في التعاطي مع الآخرين: منهج يدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة وتجنب السباب والشتائم ولاذع القول ومر الكلام وما يوجب نوعًا من الكدورة والامتعاض والحاجز النفسي بين الطرفين. وهذا المنهج هو الذي نتبناه، وفي هذا الكتاب حاولت أن أرسي، قدر المستطاع، دعائمه من الناحية الفقهية والأصولية. والمنهج الآخر يدعو إلى سب أهل الريب والبدع والآخرين ممن يختلف معهم بدرجة أو بأخرى، ولكل من المدرستين أو المنهجين أدلة وحجج.

فلنقرأ مثلًا كلام صاحب الجواهر قدس سره، ثم السيد الخوئي قدس سره.

يقول صاحب الجواهر: «ولو كان المقول له مستحقًا للاستخفاف، لكفر أو ابتداع أو تجاهر بفسق، فلا حد ولا تعزير»؛ أي على الساب، وهذا شرح لعبارة الشرائع، إذ في سب المؤمنين حد وتعزير، لكن إذا سب غيرهم، وعبارة الجواهر مزيجة بالشرائع: «فلا حد ولا تعزير بلا خلاف، بل عن الغنية الإجماع عليه، بل يترتب له الأجر على ذلك، فقد ورد من تمام العبادة الوقيعة في أهل الريب»... إلى أن ينقل صحيحة داود بن سرحان[20]، ويقول: «بل قد يترتب التعزير على ذلك إذا كان في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبين عليه لحصول الشروط». فإذا حسب الرأي الذي يطرحه صاحب الجواهر، فإن الساب للغير، للمبتدع ومن أشبه، إذا كان في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يسب، فإنه يستحق التعزير[21].

السيد الخوئي قدس سره يقول: «الوجه الأول أنه ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين ووجوب البراءة منهم وإكثار السب عليهم واتهامهم والوقيعة فيهم، أي غيبتهم؛ لأنهم من أهل الريب والبدع، وفي جملة من الروايات»[22]... إلى غير ذلك.

فهذا الكتاب عُقد بالأساس لمناقشة هذه القضية من الناحية الفقهية والأصولية. فذكرت في هذا الكتاب أن الطريقة الأصولية تقتضي أن نصنف الروايات إلى أصنافها؛ منها الحاكمة، بالمصطلح الأصولي، أي الدليل الناظر إلى الأدلة الأخرى والمهيمن عليها والمشرف عليها، والذي لا تراعى النسبة بينه وبين المحكوم، فحتى لو كانت النسبة بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه، فإنه يتقدم عليها[23].

الخلاصة والنتيجة التي توصلت إليها هي أن هناك ست طوائف من الروايات، بعضها حاكم على بعض، وقد تم بحثها في الكتاب، ومن الطوائف قوله عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي أشرتم إليه: «إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر»[24]. والآية الشريفة أيضًا تقول: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾[25]. والبحث الفقهي المفصل مذكور هناك.

ونحن نقول: نحن نمتلك الحجة، فلا تحتاج إلى أن تسب أو تتهم وما أشبه ذلك. الذي يمتلك الحجة ليس بحاجة إلى مثل ذلك، والذي لا يمتلك الحجة يتسلح بالسب. أنت لديك سلاح قوي؛ يعني الحوار العلمي، ودليل الحجة، والبيان، والنقاش الهادئ. هذه الأولوية له، وليست للأساليب السيئة والسباب والشتم والإهانة. هذه خلاصة في الحوار مع أي إنسان من دينك، من مذهبك... إلخ.

وكانت للوالد قدس سره عبارة لطيفة، يقول: «الإنسان المؤمن ينبغي أن يكون لسانه نظيفًا من السباب وسائر المعاصي والرذائل»، أي لا يلوث لسانه بالسباب والشتائم. وفي موضوع رموز مختلف الأديان ومختلف المذاهب والشخصيات التي يقدسها آخرون من مختلف الطوائف، هنا أيضًا لا نرى انتهاج منهج السب بالمطلق، وإنما نرى أن هذا هو المنهج الأسلم والأحمد عاقبة، والأكثر تأثيرًا، والأقل عرضة لمسببات الفساد، إن صح التعبير، وهو المنهج العقلائي، وعلى ذلك بناء العقلاء، بتعبير آخر.

اللواتي:

ربما تخطر في بال المستمع الكريم إشكالات، وأهم إشكال يُطرح هنا هو أن اللعن وارد في القرآن وفي الروايات وفي زيارات الأئمة: «ولعن الله بني أمية وبني مروان»، ولعن قتلة سيد الشهداء. واللعن في الثقافة المعاصرة هو السب؛ أنت إذا لعنت إنسانًا يعني سببته وأهنته، وبالتالي بهذا المعنى ينبغي تجنب الأمرين في الدعوة وفي الحديث مع الآخرين.

معالجة روايات اللعن والسب عبر القضية الخارجية

سماحة السيد:

في مقدمة هذا الكتاب ذكرت أنه يوجد عنوانان: العنوان الأول السباب والشتائم وما أشبه، والعنوان الثاني اللعن. فهما عنوانان، لكل منهما أدلته، ولكل منهما بعض المعالجات.

ولكن توجد معالجة عامة؛ فهما بحثان، أدلة اللعن تختلف عن أدلة السب، وهناك أدلة خاصة لكل منهما ينبغي أن تعالج بشكل خاص، وهذا الكتاب تخصص في معالجة روايات السباب والشتائم، مثل هذه الرواية التي مضت.

ولكن مع ذلك فإننا نذكر الإطار العام والجواب المشترك؛ فإنه لا شك في أن القرآن يتضمن لعنًا كثيرًا، مثل: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾[26]، وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾[27]، بل ورد غير اللعن من الآيات الشديدة: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾[28]. فنحن نقول إن الإطار العام هو أنه يجب علينا أن نفرق بين القضية الحقيقية والقضية الخارجية.

القضية الخارجية تعني تلك القضية التي أُنيطت بزمن دون زمن، أو حال دون حال، وتختلف باختلاف الأزمنة، أي أمر قد يكون في زمن حسنًا، وفي زمن قد لا يكون حسنًا.

أما القضية الحقيقية فإنها تنصب على الكلي الطبيعي بما هو؛ وآيات اللعن وما أشبه تذكر الواقع. الواقع هو أن الإنسان الذي ابتعد عن منهج الله يبتعد عن رحمة الله، واللعن هو الإبعاد، والملعون هو المُبعَد، فهي تعطيك معادلة تكوينية شهودية غيبية حقيقية: الذي ابتعد عن منهج الله سبحانه وتعالى في شؤون الدنيا وفي شؤون الآخرة، فإنه يبتلى بالبعد عن رحمة الله، فهذه قاعدة عامة من نحو القضية الحقيقية لا شك فيها.

لكن السؤال هو: في هذا الزمن أو الظرف، هل أستخدم في مواجهة هذا الطرف الآخر طريقة اللعن واللعنة؟ هذا بحث آخر انتقلنا فيه إلى القضية الخارجية. إذن نفكك بين القضية الحقيقية التي تشير إلى الوقائع الحقيقية الثبوتية، والقضية الخارجية، وهي: ما وظيفتك في هذا الموقع؟ ويوضحه مثال مقرب للذهن: التقية؛ نحن نعتقد بأن ما نؤمن به حق، لكن هل في كل مكان تقول ذلك الحق؟ ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾[29]. إذن القضية الخارجية أمر، والقضية الحقيقية أمر آخر.

نصوص ضد العنف بأنواعه

القرآن الحكيم تطرق إلى تلك الحقائق، وهي مما لا شك فيها ولا ريب، ولكن أنا الآن ما دوري في هذا الموطن أو ذاك الموطن؟ يقول تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾[30]، وقال عز وجل: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا﴾[31]. والحكمة تقتضي مراعاة الشرائط ومداراة الناس، وهناك مجموعة من الروايات بأن مداراة الناس فريضة: «مداراة الناس نصف العقل»[32]، وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وآله: «ما نزل جبرائيل علي إلا وأوصاني بمداراة الناس»[33]. وهذه تعليم لنا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾[34].

وطائفة أخرى من الروايات تصرح بأننا في زمن هدنة إلى ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ففي زمن الهدنة عليك أن تتجنب ما يؤدي إلى استفزاز الطرف الآخر والإخلال بالهدنة، وسيرة العقلاء على ذلك.

اللواتي:

وكذلك كل هذه الروايات، وقوله تعالى: «قولوا للناس حسنًا»[35]، ومراعاة التدرج والحكمة، وما كل ما يُعرف يُقال. فالآخر المختلف معك ليس بالضرورة أن تثير معه كل الأمور التي هي مورد النقاش والاختلاف، وإلا ستخسره نهائيًا.

سماحة السيد:

والإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه له رسالة لشيعته تؤكد هذا المعنى، والسيد العم شرح هذه الرسالة بعنوان «نهج الشيعة». نهج الشيعة أن يعاشروا الناس، والناس في مصطلح الروايات أي العامة، بالحسنى وبالتي هي أحسن: «صلوا في مساجدهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم»... إلخ[36]. وفي الرواية أيضًا: «ما من جرعة يتجرعها العبد أحب إلى الرب من جرعة غيظ يتجرعها»[37]، يعني الطرف يستفزك وأنت تصبر وتحلم، يسبك وتحلم عنه. وفي رواية أخرى: «إن لم تكن حليمًا فتحلم»[38]، أي تعامل كما يتعامل الحلماء، فإنك ستكون بالتدريج حليمًا.

اللواتي:

سيدنا، هذه الرواية أو القصة لبعض أصحاب أمير المؤمنين، ولعله عمار، حينما سبوا بعض أفراد أو قادة جيش معاوية، فقال لهم: «إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكن لو وصفتم أفعالهم لكان أبلغ في الأثر والحجة». هنا ينهاهم عن السب لأجل هداية الناس، ولأجل التأثير والإقناع وقوة الحجة. إن ثقافة السب، حتى مع من يستحقه، منهي عنها في الإسلام.

السؤال: هل هو أيضًا ينهاهم عن ثقافة اللعن، أم أنتم تفرقون بين السب، أنه لا، واللعن لا إشكال فيه؟

الفرق بين استحقاق السب وبين الفعلية والمصلحة

سماحة السيد:

هذه الرواية وأمثالها تشير إلى بُعدين: البعد الأول الاستحقاق؛ هل يستحق أو لا يستحق؟ والبعد الثاني المصلحة والفعلية؛ إذ قد يستحق الشخص التعزير في الحكومة الإسلامية، لكن لا يُعزر؛ لأنه قد يلتحق بجبهة الكفر. وفي حال المعركة وأرض العدو لا تُجرى الحدود، لئلا يتقوى بهم العدو. فهناك بحث عن الاستحقاق، وهناك بحث عن المصلحة.

«إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين»[39]: رغم أنهم يستحقون أن يُسبوا، حسب المستفاد من صحيحة داود بن سرحان وغيرها؛ لأنهم أعرضوا عن منهج الله، وأفسدوا في الأرض، وخرجوا على إمام زمانهم، فإن الذي يخرج على إمام زمانه شاهرًا سيفه يستحق أن يُقاتل ويُقتل، فكيف لا يستحق أن يُسب؟ فهو يستحق، لكن المصلحة لا تقتضي ذلك، أو المفسدة قد تترتب على ذلك. بتعبير آخر: العنوان الثانوي هو الحاكم، كما أشار إليه تعالى في قوله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾[40].

مثلًا رد الأمانة واجب، فلو أودعك أحدهم سكينًا أو رشاشًا، والآن يريد استرجاعه، وأنت تدري أنك لو أرجعته له سيقتل به مؤمنًا، فهل يجوز أن ترجعه؟ لا يجوز. فالاستحقاق أمر، والمصلحة والعنوان الثانوي أمر ثانٍ. ومن جهات المصلحة هنا لحاظ جهة التأثير والهداية، وإمكانية عودة بعض هؤلاء عن غيهم، وتذويب الحواجز النفسية؛ لأن كلام أهل البيت عليهم السلام نور يخترق القلوب، ولكن الستائر تحجز وتمنع، والسب يولد حاجزًا نفسيًا وحمية وعصبية. ولذلك الآية تقول: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾. الآية تعلل بعلة خارجية وبعنوان ثانوي؛ إذ لا يقول جل اسمه إنهم لا يستحقون، بل يقول: ﴿لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾. فالعنوان الثانوي حاكم، والعنوان الأولي محكوم. بتعبير آخر: فالاستحقاق أمر، والمصلحة أمر آخر.

المرجعية في الشؤون العامة، ومنها السباب العام، لمن؟

ولكن هنا سؤال مهم، وهو: من يشخّص أن هذا المقام ليس من مقامات العنوان الثانوي، وأنه لا يزال على عنوانه الأولي؟ ومن بيده القرار؟

والجواب: ليس لآحاد المكلفين أن يتخذوا القرار في الشؤون العامة. هناك شؤون خاصة، أي أحوال شخصية، وأخرى شؤون عامة. والسباب ونحوه على مستوى الجرائد والمجلات والإذاعات والفضائيات، وعلى مرأى ومسمع الآخرين، مما ينعكس سلبًا أو إيجابًا على الشيعة بشكل عام، هو شأن عام. فالقرار فيه يعود إلى وكلاء الأئمة صلوات الله عليهم، وهم المراجع الكرام، حيث يقول سلام الله عليه: «فإني قد جعلته عليكم حاكمًا»[41]، و«أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله»[42]. فكل ما يرتبط بالشأن العام وتشخيص المصلحة العامة يعود إلى المراجع الكرام.

اللواتي:

سيدنا، في الحديث عن الأخلاق والقول الحسن، نجد في بعض آثار وكتب علمائنا ظاهرة يسميها البعض بالعنف اللفظي أثناء مناقشة رأي فقهي أو أصولي لفقيه آخر: «هذا لم يفقه شيئًا»، «هذا لا يقوله إلا جاهل». هل هذا الأمر نستقيه من سيرة أهل البيت، أم هو أمر غير محمود؟

سماحة السيد:

تقييم ما قام به غيرنا أمر، ووظيفتنا أمر آخر. قد تكون للشخص ظروف معينة، ونحن لسنا في مقام تقييم عالم قبل خمسمائة سنة هاجم عالمًا آخر، إذ للغائب عذره حتى يحضر، كما قيل. نحن كمبدأ لا نقبل ذلك. أما تقييم ظروفه أو محاكمته، بتعبير آخر، فإنه ليس صحيحًا. نحن نقول إن المنهج الأسلم هو تجنب العنف اللفظي مطلقًا، خاصة وأن باب الاجتهاد مفتوح، فللكل أن يبدي رأيه. وأتذكر أن السيد الوالد قدس سره، في تدريسه الخارج، عندما كان يستعرض رأي الشيخ الأنصاري مثلًا، لم يكن ينتقد أو يستشكل عليه بعبارة عنيفة، بل بدلًا من أن يقول مثلًا: «هذا التعليل عليل»، كان يقول: «وجه عدم فهمي لكلام الشيخ هو أولًا، ثانيًا، ثالثًا»؛ مراعاة للأدب. ونحن نرى أن هذا المنهج هو الأسلم.

تنوع الاجتهادات في ولاية الفقيه والحكومة الإسلامية

اللواتي:

سيدنا، نحن في زمن الغيبة، ومن بركات مذهبنا فتح باب الاجتهاد. هناك مدارس تؤمن بالانعزال وعدم التصدي للشؤون السياسية إلا بالقدر المتيقن، ومدرسة تؤمن بحرمة إقامة أي سلطة في زمن الغيبة، ومدارس أخرى ترى الولاية العامة أو الشورى أو غير ذلك. نحب أن نسمع خلاصة تصوركم في هذا المجال.

سماحة السيد:

أمهد لذلك بمقدمة مهمة: إن باب الاجتهاد لدينا مفتوح، والاختلاف الاجتهادي لا ينبغي أن يفسد ود المؤمنين وتوادهم وتراحمهم، بل وتعاونهم أيضًا. فإن الفقيه إذا توصل إلى هذا الرأي أو ذاك، فلك أن تناقشه علميًا، ولكن ليس من الصحيح أن يقوم مثلًا بعض أتباع هذا العالم بتسقيط العالم الآخر، وتسقيط بعضهم لبعض بسبب اختلاف الفتوى. فمثلًا في عدد الرضعات المحرِّمة، البعض يقول عشر رضعات توجب الأخوة الرضاعية، والبعض يقول بل خمس عشرة رضعة، وعلى الفتويين يترتب الحكم بجواز الزواج بينهما أو حرمته. فإذا تزوج مقلد من يرى محرمية الخمس عشرة رضعة مع التي ارتضعت معه أربع عشرة رضعة أو أقل، فهل للآخر أن يهاجمه بأنك تزوجت أختك الرضاعية، حيث إنه بنظر مرجعي العشر رضعات هي المحرمة؟ كلا وألف كلا. وكذا الحال في ثبوت الهلال وإفطار من ثبت لديه شهر شوال، وبقاء الآخر على صيامه؛ ليس لأحدهما مهاجمة الآخر بأنه: لماذا تفطر في شهر رمضان؟ أو العكس.

وفي كتاب «شورى الفقهاء» تطرقت إلى هذا الموضوع بالتفصيل، وانطلقنا من قوله تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾[43]، وهي من محكمات القرآن الكريم وحاكمة على الأدلة الأخرى. ونحن في زمن الغيبة الكبرى، ولسنا في زمن الغيبة الصغرى؛ ففي الغيبة الصغرى كان الإمام يعين نائبه باسمه وشخصه، فلا يجوز تجاوزه.

أما في الغيبة الكبرى، فالفقهاء نُصِّبوا نصبًا عامًا عبر تحديد ضوابط عامة، مثل رواية: «من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه... فللعوام أن يقلدوه»[44]، و«أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا»[45]. فإذا انطبقت هذه الضوابط على عشرة أشخاص، فللمجموع الولاية، وليس لأحدهم دون الآخر؛ إذ هذه الأدلة تفيد الولاية المنبسطة على المجموع.

فمن يقول بالولاية ينبغي أن يقول بشورى الفقهاء الولاة. ومن لا يقبل ولاية الفقيه، كالسيد الخوانساري[46] والسيد الخوئي[47]، بل يرى الأمر فقط في دائرة الأمور الحسبية، فالأمر سالبة بانتفاء الموضوع.

وهناك رأي ثالث متوسط، وقد يكون سلوكًا عمليًا متوسطًا، وهو ما جرت عليه سيرة السيد البروجردي قدس سره العملية، وسيرة السيد السيستاني دام ظله، على حسب ممارسته الميدانية والعملية وتعاطيه مع الشأن السياسي؛ وهو يلتزم، على مستوى السلوك، بالإشراف والرقابة والضغط والإنكار والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دون التصدي المباشر لتشكيل الحكومة وإدارة مفاصل الحكم؛ فلا هو انعزال ولا تصدٍّ مباشر.

والحاصل أن الالتزام بـ«شورى الفقهاء» لا يستلزم القول بإقامة الدولة الإسلامية أو القيادة السياسية أو عدمها، وإنما شورى الفقهاء، بالمعنى الذي نطرحه، هي أنه في الحدود التي نقول فيها بثبوت الولاية، فإنها يجب أن تكون شورية.

اللواتي:

هل تشمل القضاء أيضًا؟

سماحة السيد:

بحث شورى الفقهاء إنما هو عن الشؤون العامة، ولا يشمل القضاء وفصل الخصومات؛ لأنه من الأحوال الشخصية.

إن كلامنا خاص بالشؤون العامة، لا الأحوال الشخصية التي تعني ترافع شخصين مثلًا، كنزاع بين زوج وزوجة، أو خلاف بين شريك وشريك؛ فهذه كلها شؤون وأحوال شخصية. أما نحن فنتكلم حول فقه الدولة والشؤون العامة.

اللواتي:

بما أنكم قلتم إننا نتكلم في فقه الدولة، والقضاء من الشؤون الشخصية، لكن الكثير يقول إن القضاء الآن يمثل قوة قضائية وسلطة من شؤون الدولة، بما يحتاج إلى شرطة وسجون وأجهزة تنفيذية، فإن البعض يحاول من خلاله القول: «إذا ثبت حق القضاء للفقيه، فقد ثبتت له الدولة والحكم والولاية بالتبع».

سماحة السيد:

في كتاب «السلطات العشر» تطرقت إلى أن القضاء يُقسم إلى أقسام؛ مثلًا التحاكم بين المحافظات، فإذا حدث نزاع وصراع بين محافظتين، أو بين محافظ ومحافظ آخر، حول مسألة كمنع استيراد البضائع عبر أراضيهم مثلًا، فهذا يُعد شأنًا عامًا وقضاءً نوعيًا، وليس قضاءً شخصيًا. وكذلك المحكمة الدستورية؛ فإذا حدث خلاف في تفسير الدستور، فاللازم أن نرجع إليها؛ لأن هذا شأن عام، بينما كلامنا السابق كان يدور في الشأن الخاص والأحوال الشخصية.

اللواتي:

والموضوع هنا أن «شورى الفقهاء» قد تصلح للتطبيق بحسب مباني الولاية، سواء القول بالولاية المتوسطة أو الولاية الواسعة، فيترتب عليها أثر ملموس بحسب المبنى الفقهي. وحتى في موضوع الاستفتاءات قد يرى فقيه أن هناك ما يُسمى بـ«شورى الاستفتاء».

السؤال: هل هناك بذور في كتابات العلماء السابقين لذكر شورى الفقهاء؟

سماحة السيد:

نادرًا ما نجدها مطروحة، والمسألة تحتاج إلى استقراء وتتبع واسع. وعلى أي حال، فقد بحث السيد الوالد هذا الأمر في كتاب باسم «الشورى في الإسلام»، استعرض فيه، على ما ببالي، حوالي مئتي رواية. فالروايات الواردة في تراثنا عن الشورى والاستشارة كثيرة جدًا، وتُقدر بالمئات، من قبيل: «أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله»[48]، وقيل: «يا رسول الله، ما الحزم؟ قال: أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره»[49]، وعن أمير المؤمنين عليه السلام: «من شاور الرجال شاركها في عقولها»[50]، إلى غير ذلك من الأحاديث التي استعرضت أربعة عشر حديثًا منها في هذا الكتاب، مع بحث أسانيدها ودلالاتها.

والخلاصة أن السيد الوالد طرح هذه النظرية، والشهيد الصدر طرحها كذلك[51]، مع وجود بعض الاختلافات بينهما، وتاريخيًا لا أتذكر غيرهما.

لماذا لم يطرح الفقهاء مسألة شورى الفقهاء؟

لكن السؤال هو: لماذا لم يطرح فقهاؤنا موضوع الشورى، ولا حتى موضوع الحكومة الإسلامية سلبًا ولا إيجابًا؟ لماذا؟

ربما يكون من أهم الأسباب أن الشيعة كانوا على مر التاريخ مهمشين مظلومين، والحكومات كانت بأيدي الأمويين ثم العباسيين ثم العثمانيين على مر التاريخ، فالفقيه لم تكن لديه مندوحة إلا أن يتصدى للشؤون الشخصية، والحكومات لم تكن تبدي حساسية تجاه ذلك الحقل، إلا في فترات معينة. كما أن الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه كان في فترة معينة في تقية شديدة، بحيث إن أحدهم أراد أن يستفتيه، فأخذ طبق خيار والتقى بالإمام الصادق عليه السلام بعنوان «بائع خيار» كي يسأل مسألة[52]. لكن هذه كانت ظروفًا استثنائية. وبشكل عام، الحكام ما كانوا حساسين تجاه القضايا التي لم تكن من الشأن العام. عكس كلامنا يتعلق بشأن الحكومة، فكيف للفقيه أن يبدي رأيه في الحرب والسلم والمعاهدات الدولية وغير ذلك، أو أي شأن عام آخر؟ وهل يسمح الخليفة العباسي أو العثماني أو نحوهما بذلك؟ إلا إذا أراد الفقيه، وحاشاه، أن يكون مؤيدًا لهم فقط.

وفي هذا الزمن، حيث توفرت حرية عالمية نسبية، صار المجال مفتوحًا لكي يبحث الفقهاء الكرام في هذا الأمر وأشباهه، بين نافٍ وبين مثبت وبين مفصل.

اللواتي:

سيدنا، هنا يبقى موضوع معين، وهو: لا بد أن يكون هذا المجلس الذي يتشكل من الفقهاء، بغض النظر عن سعة هذه الولاية، عدده فرديًا دائمًا؛ لأنه عند التصويت، إذا فُرض أنهم كانوا ثمانية، فأربع آراء هنا وأربع آراء هناك، فما المرجح؟

سماحة السيد:

هذا فرع لطيف، لكن ليس بالضرورة كذلك، أي أن يكون فرديًا؛ إذ يمكن أن يُلجأ إلى القرعة عندئذ. فإذا كانوا جامعين للشرائط، أي لو فرض أن هناك ثمانية مراجع للأمة، يعني بالحمل الشائع الصناعي يصدق عليهم أنهم مراجع تقليد، وكانوا ثمانية، فإنه لا يمكن أن نُخرج أحدهم أو أن نضيف شخصًا آخر، لا يعقل ذلك. وعليه يجب التصويت بعد التداول المكثف والبحث في الشؤون العامة المشتركة، فإذا تكافأت الأصوات فيجب الرجوع إلى سائر المرجحات، فإن لم تكن مرجحات، فإنه يمكن حينئذ أن نرجع إلى القرعة، إذ القرعة لكل أمر مشكل[53]، وإن قيل بأنها لا بد فيها من العمل، لكن المهم أنه توجد مرجعيات أخرى، والمرجعية الأولى هي الأكثرية.

هل يمكن تعدد مراكز القرار وتشتتها؟

اللواتي:

سيدنا، أيضًا قد يقال هنا إن مسيرة العقلاء عبر التاريخ، وفي مختلف المجتمعات، هي الحسم والحزم، وربان السفينة الواحد، والطباخ الواحد، وإلا لفسدت الطبخة. ولذلك نجد الأمير والملك والحاكم والصدر الأعظم دائمًا في كل الأمم على اختلاف سلائقها. حتى في البيت إذا كان القرار موزعًا بين الزوج والزوجة تحصل الفوضى. فمهما كان من مشورة، فإنه في نهاية المطاف لا بد من قائد، يعني مهما كان من استشارة ومن الاستفادة من مختلف العقول، خاصة أنه عندما تختار فقيهًا جامعًا للشرائط، فهو يكون ذروة عقول هذا المجتمع، وبالتالي يأخذ كل الآراء والأنظار، ويمحصها ويفلترها، إن صح التعبير، ثم يأخذ ما يراه الأوفق للحكمة وللمصلحة. هذا طبعًا من ناحية الاستقراء العقلائي للأمم. أليس هذا إشكالًا قويًا على الموضوع، سواء ذهبنا إلى مثل القرعة أم لا؟

سماحة السيد:

نعم، في ظاهره هو إشكال قوي، ولكن في باطنه لا.

أما في ظاهره فنعم، لما يقوله الشاعر الفارسي، وهو شعر لطيف، يقول:

«كشور آباد نگردد به دو شاه

بشكند از دو سپه‌دار سپاه

مرگ بيمار دواي دو طبيب

رنج طفل است اذاي دو اديب»

من الواضح أن القرار النهائي لا يمكن أن يحال إلى شخصين مختلفين في الاجتهادات، ولكن الذي نقوله هو أن الحاكم، أي الذي يتخذ القرارات الكبرى والمصيرية، ليس الشخص، بل أكثرية شورى الفقهاء. هنا الكلام. أما التنفيذ فيُحوّل إلى شخص من الأشخاص، لكن الكلام في القرار: من الذي يتخذ القرار؟ هل الذي يتخذ القرار الشخص أو المجموعة بالأكثرية؟ ولا نقول مجموعة ضائعة أو هلامية أو ضبابية، وإنما بالأكثرية.

مثال يقرب فكرة شورى الفقهاء

وكان السيد الوالد يمثل مثالًا لطيفًا جدًا يقرب الفكرة بشكل واضح. قال: هَبْ أن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بعث سلمان المحمدي حاكمًا على المدائن، والواقع الخارجي هو أن عمر نصبه، لكنه رفض حتى استأذن الإمام أمير المؤمنين فأذن له، ففي الواقع كان مخولًا من قبل الأمير، ومن الناحية الظاهرية من قبل عمر، أو بعث إلى مصر مالكًا أو غيره، أي بعث شخصًا واحدًا، فإن من الطبيعي أن يكون هو الولي من قبل الأمير صلوات الله عليه.

لكن هَبْ أن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بعث إلى مصر خمسة أشخاص في وقت واحد بلا ترجيح، كما لو قال لمالك وعمار والمقداد وابن التيهان وأبي ذر: أنتم الحكام على مصر. لو أطلق هكذا، كما أن الإمام الحجة والإمام الصادق أو الإمام العسكري أطلق: «من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»، فهذا المثال يقرب الفكرة. فإذا قال لهؤلاء الخمسة: اذهبوا إلى مصر فأنتم من قبلي الحكام، فما الذي يجب عليهم أن يصنعوه؟ هل واحد يجر طولًا وواحد يجر عرضًا؟ أو كل يقتطع ويجتزئ قطعة من مصر ويحكم عليها؟ ليس ذلك عقلائيًا، بل مقتضى القاعدة أنه إذا منحهم مجموعًا الولاية، أن تكون الولاية للمجموع. وأما كيف يفعلونها؟ فعن طريق الشورى والأكثرية، والآية تقول: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾.

بعبارة أخرى، الموضوع قد تحقق فالمحمول يترتب، والموضوع هو «أمرهم»؛ إذ بعد النصب صار أمرهم، يعني حكم مصر، صار أمر هؤلاء الخمسة، فـ﴿أمرهم شورى بينهم﴾. وأما الآن فإن الولاية على الشيعة، في الحدود التي يقبلها الفقيه، صارت أمرًا للفقهاء، فيجب أن يكون أمرهم شورى بينهم.

هل للفقيه الحاكم مزية على سائر الفقهاء؟

اللواتي:

سيدنا، الآن هذا سؤال معاصر. قد تكون هنا قضية كبرى وحساسة، وتحديات يواجهها المسلمون أو الشيعة، إذا نتحدث في الدائرة الخاصة، في العقود الأخيرة، مثل حرب ضد التكفيريين، والآن المواجهة مع الصهاينة. ونحن بحمد الله باب الاجتهاد مفتوح، والآراء الفقهية متنوعة، والعلماء أيضًا مختلفون نوعًا ما. هنا، ألا ينبغي من أجل مراعاة الحكمة والمصلحة أن نكون صفًا واحدًا أمام الأخطار المشتركة، وأن نظهر، ولو في العلن، توجهًا واحدًا، وأن نتخلى عن بعض الآراء التي قد تكون آراء شخصية في مثل هذه التحديات؟

سماحة السيد:

يجب أن نتقدم خطوة واحدة على هذا السؤال، يعني أن نرجع إلى المباني. وهذه مسألة مهمة يغفل الناس عنها عادة، وقد ذكرت هذه المباني في كتاب «السلطات العشر والبرلمانات المزدوجة»، وهي فكرة مبتكرة في حد ذاتها تشكل تطورًا بنيويًا في الأنظمة السياسية عما ذكره مونتسكيو في بحث فصل السلطات. في هذا الكتاب، وكتاب «قولوا للناس حسنًا ولا تسبوا»، وفي كتب أخرى عديدة، أشرت إلى أصل هام، وهو أنه في الشؤون العامة تكون المرجعية لشورى الفقهاء، أي لأكثرية الفقهاء، كما سبق، فهذا أولًا، ولكن بالتشاور مع الخبراء وأهل الحل والعقد؛ لأن القضايا العامة معقدة، والعالم الآن ليس ببساطة ما كان عليه قبل مئات السنين. والحاصل: إن المسائل السياسية والاقتصادية وما أشبه ذلك متشابكة بشكل غريب، ولها أبعاد وبطون. السياسة مثلًا تحتاج إلى تخصص وممارسة وتجربة، وربما يحتاج المرء إلى سبعين سنة مثلًا حتى يستطيع أن يناطح أمثال كيسنجر.

الفقيه كم له من الوقت؟ إن الفقيه متخصص بالأساس في الفقه والأصول والقواعد الفقهية، أليس كذلك؟ أضف إلى ذلك علم الكلام، وأضف إلى ذلك علم التفسير، كل ذلك يأخذ منه وقتًا كبيرًا. والسياسة بحر واسع، والاقتصاد بحر واسع، والقضايا الاجتماعية بحر واسع، فكيف يمكن للفقيه الواحد أن يحيط بكل هذه العلوم وبالوقائع الخارجية وتشابكاتها أيضًا، وذلك بحيث يستطيع أن يناطح أولئك الذين ليسوا أفرادًا فحسب، بل هم مدارس ومؤسسات كبيرة، ومن ورائهم مراكز دراسات ترصد لها عشرات الملايين من الدولارات، كما تعلمون.

أركان ولاية الفقهاء

وخلاصة ما نرتئيه أنه لا بد من وجود ثلاثة أركان متكاملة:

1- الشورى

الركن الأول: شورى الفقهاء في القمة.

2- رأي الخبراء وأهل العقل والحجى

الركن الثاني: الخبراء المتخصصون في السياسة والاقتصاد والاجتماع والحقوق وغير ذلك، الذين يتشاور معهم الفقهاء باستمرار وبكثافة، حيث يقدمون تصورًا واضحًا للفقهاء عن الموضوعات والمعطيات. فمثلًا: هل ندخل الآن في معاهدة دولية، أو مقاطعة، أو حتى حرب مع الصين أو كوريا الشمالية أو أفغانستان أو تركيا، أو لا؟ ثم ما حدود تلك الحروب أو المعاهدات الدولية؟ كل ذلك يتداوله الفقهاء بالتشاور مع أهل الحل والعقد، أي أهل الخبرة وأهل العقل والحجى.

3- رضا الأمة بالقرار

الركن الثالث، وهو ليس مطروحًا عادة، هو قبول أكثرية المؤمنين الذين سيسري عليهم القرار بآثاره السلبية والإيجابية، وتفصيل الأدلة مذكور في بعض الكتب السابقة. والسباب على المستوى العام أيضًا من هذا القبيل؛ إذ على الفقيه أن يقوم بالتشخيص الموضوعي بالتشاور مع أهل الحل والعقد، مثل علماء الاجتماع، وعلماء النفس، وعلماء نفس الأمم، كي يعطوا رأيهم في الموضوع: هل هذا القرار هو بالفعل لصالحنا أم أنه بضررنا؟ بل ومراكز أبحاث ودراسات تعمل كفريق متكامل مع الفقهاء.

فهذا من جهة، ومن جهة أخرى المؤمنون أيضًا، الذين ينعكس عليهم القرار بالسلب والإيجاب، يجب أن يكون لهم رأي. فلا يصح فرض قرار السب أو الحرب أو غيرهما على المؤمنين إذا لم يرضوا به. فإذا عامة الناس لم يقبلوا، فإن وظيفة الفقيه تنتهي عند هذا الحد؛ إذ عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإرشاد، لا الإكراه. وهذا مع قطع النظر عن أن الأولوية، مهما أمكن، لعدم الزج بالناس في حروب وضغوط ونحوها.

ولذا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يقول في عهده للأشتر[54]: «وَلَا تَدْفَعَنَّ صُلْحًا دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلَّهِ فِيهِ رِضًى؛ فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْنًا لِبِلَادِكَ».

بعبارة أخرى، ذهبت في الكتاب إلى أن ولاية الفقيه، على القول بها، تعليقية وليست تنجيزية، بل هي معلقة على رضا أكثرية الناس؛ فهي شأنية، وليست فعلية إلا بالرضا.

الولاية للفقهاء بوزان ومستوى واحد

اللواتي:

سيدنا، هذا نظركم، لكن الواقع إذا كان مثلًا أحد متصدٍ هنا أو هناك، وتصديه يؤثر على الواقع الشيعي بشكل عام، والتحدي يكون أمام صهاينة وأمام أعداء، فهل ينبغي أن نكون جبهة واحدة أو لا؟ ما في غير أن يكون هناك تنوع آراء؟

سماحة السيد:

لا شك في أن باب الاجتهاد مفتوح لدى الإمامية، وهذا مما لا شك فيه، لكن يبقى الكلام أنه إذا تصدى شخص للأمر وكانت بيده السلطة، فهل الولاية تنحصر به؟ كلا. بل حتى السيد الخميني يرفض هذا الرأي في كتاب «الحكومة الإسلامية»[55]، وأيضًا في كتاب «البيع»[56]، ويقول إن ولاية الفقيه ليست منوطة بالسلطة الفعلية وبالقوة.

ويوضحه: إن الإمام الكاظم عليه السلام في ولايته وهو في السجن والطامورة، لا ينقص شيئًا عن أمير المؤمنين عليه السلام الذي كانت الأمور مبسوطة له ومنقادة له.

وفي الفقهاء ليس من المرجحات أن ترسو الولاية على أحد الفقهاء أن يكون الأمر بيده؛ وذلك لأن الأدلة لا تنيط ثبوت ولاية الفقيه بالسلطة الفعلية. فسواء أكانت القوة والسلطة بيد الفقيه أم لا، فإن له الولاية، بناء على القول بها.

بل كلهم لهم الولاية، فإذا وقع بيد أحدهم الأمر، فإنه يجب عليه أن يتعامل مع سائر الفقهاء كالنظير للنظير.

بتعبير آخر: ليس لمن بيده السلطة والقوة حق إضافي وصلاحية أعلى من الناحية القانونية أو الشرعية.

والحاصل: أننا ندعو إلى العمل بقوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، ولكن الخطاب موجه للطرفين، وهنا بيت القصيد. يعني لا نقول للفقيه الذي ليست بيده أزمة الأمور: إن عليك أن تنقاد للفقيه الذي بيده أزمة الأمور وأن تطيعه كي لا يحدث خلاف؛ إذ العكس موجود أيضًا[57].

بل نقول للطرفين: تعاونوا حسب آية التعاون، واعملوا بالشورى حسب آية الشورى، ولا يتفرد الفقيه الحاكم بالأمر دون مشورة سائر الفقهاء، ثم اتخاذ القرار بالأكثرية.

بعبارة أخرى، نقول للفقيه الذي بيده أزمة الأمور: حيث إن أدلة ولاية الفقيه واحدة، بناء على القول بها، وحيث إن السلطة والقوة ليستا من المرجحات في إعطاء الولاية، ولذا فإن الفقيه حتى في زمان الشاه هو فقيه وولي، فلا فرق بين أن تكون السلطة بيده أو لا تكون. فإذا كانت له الولاية شرعًا، فإن له الولاية في الحالتين. فنحن نخاطب جميع الأطراف، لا نخاطب طرفًا واحدًا.

وبوجه آخر، مع فرض وجود مراجع جامعين للشرائط، ووقوع الحكم بيد أحدهم، فإنه لا يصح أن يضعف أي طرف أي طرف، سواء أكان متصديًا أم كان غير متصدٍ، بل الواجب تحكيم آية التعاون: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾، وآية الشورى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾، ونحوهما؛ فهي أطر حاكمة عامة.

اللواتي:

أنا لا أقصد الإضعاف مطلقًا، أنا أقصد أنه في هذه الهجمة الصهيونية، في هذا الظرف، قد يكون صحيحًا أن نوعًا من التعاون الأكثر مطلوب.

سماحة السيد:

التعاون في كل أمر مطلوب، وفي الأمور المهمة أكثر مطلوبية، لكن وجوب التعاون لا يلغي وجوب الشورى أيضًا، ولا يلغي حقوق الفقهاء في النقد والرقابة ونحوهما. لاحظوا مثلًا الصهيونية؛ لا يوجد فقيه يرى جواز التعاون مع الصهاينة، ولا يوجد فقيه يقول إن الصهاينة لهم نوع من الشرعية، ولا يوجد فقيه يقول إن إسرائيل ليست دولة غاصبة. لا يوجد فقيه يقول ذلك.

كل ذلك لا كلام فيه، إنما الكلام، كل الكلام، أنه قد يكون هناك اختلاف في التشخيص في كيفية التعامل مع هذه الدولة المحتلة أو الغاصبة أو المستبدة والظالمة أو تلك: الصين مثلًا، وأمريكا مثلًا، كيف نتعاطى مع هذه الدول؟ قد يكون للفقيه رأي معين، وقد يكون لفقيه آخر رأي آخر، من حرب، ومقاطعة، وصلح، ومعاهدات على درجاتها المختلفة، إلخ. فهنا نحن نقول: باب الاجتهاد مفتوح، لا يستطيع هذا الفقيه أن يفرض رأيه على ذلك الآخر. افرضوا أنه إذا شخّص بعض الفقهاء، سواء أكان في الحكم أم خارجه، بأن الصين أسوأ من أمريكا؛ لأنها دولة تنكر أصل وجود الله تعالى، أما أمريكا فهي دولة مسيحية، ولأنها تظلم مسلمي الإيغور بشكل لا يتصور.

أو شخّص بأن روسيا مثلًا حكومة تنكر وجود الله تعالى، فهل له أن يجر البلاد إلى الدخول في حرب مع الصين أو روسيا أو غيرهما، من دون أخذ رأي شورى المراجع، وأخذ رأي أهل الخبرة والعقل والحجى، ورضا الناس كما سبق؟

إن الرأي الآخر قد يقول: ليست مصلحتنا أن ندخل في حرب مع الصين مثلًا، رغم أنها تظلم، وكما سبق، الإيغور بشكل مذهل، فإن مسلمي الإيغور يقارب عددهم عشرة ملايين تقريبًا، والظلم الذي توجهه الصين نحوهم شيء غريب ورهيب. فإذا شخّص أحد الفقهاء، رغم جلالة موقعه، أن علينا أن ندخل في حرب مع هذه الدولة ومع تلك، فإن الفقيه الآخر أيضًا له رأي، فقد يقول: لا، ليس من المصلحة.

والحاصل: إننا ننظر إلى الفقهاء بوزان واحد من حيث شمول أدلة ولاية الفقيه لهم، بناء على القول بها.

بحث عن مقاصد الشريعة

اللواتي:

سيدنا، كنت أطالع لكم كتاب «المقاصد»، والآن هو بحث حيوي، وخاصة مع تحديات العصر التي تطرح على الفقه موضوع العقوبات. دائمًا يثار مثل الرمي من شاهق، والجلد، وقطع اليد، وكل نظام العقوبات والجزاء في الإسلام، سواء في موضوع الزنا أو السرقة أو غيره من أنواع الفساد والمنكر. فإذا وجد مثلًا مجتمع إسلامي وحكومة إسلامية، هنا، خاصة مع الدراسات الحديثة الآن، علم النفس وعلم الاجتماع وعلم نفس الأمم والسجون وكل هذه الأمور، وهناك تجارب أيضًا صارت، الآن هم يستعيضون عن أنواع من العنف بالسجن المربي والسجن الهادف وأنواع مختلفة، والنتيجة يرونها أفضل، يعني يعود هذا المجرم إلى المجتمع إنسانًا صالحًا، إن صح التعبير.

فهل العقوبات الإسلامية طريقية أو موضوعية؟ وهل هي إلى يوم القيامة، أي لها إطلاق زماني وأحوالي؟ أو يمكن للفقيه أن يحكّم المقاصد العليا، وأن يقول: الآن ثبت بحسب الدراسات الحديثة أنه لو لم نقطع يده، وقمنا له ببرنامج متكامل من سجن ومن إعادة ترميم وكذا، قد تكون النتيجة أنه يعود أفضل، فلماذا نتمسك بالشكل على خلاف الهدف؟ هنا ما المرونة المتاحة عندنا؟

مقاصد الشريعة ومقاصد المقاصد

سماحة السيد:

نذكر لكم في البداية روايتين من سيرة أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، ثم نرجع إلى الإطار الكلي. إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يطلق السجناء من الجمعة إلى الجمعة[58]؛ فلأن يوم الجمعة يوم عيد، كان يطلق السجين ويكفلهم أولياؤهم كي يضمنوا رجوعه.

وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾[59]، وأما إذا كان محصنًا فحكمه أشد. ولكن في الرواية أن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، عندما تصدى للحكم الظاهري في الكوفة، تلك الإمبراطورية الواسعة التي وقعت تحت سلطته، كيف تعامل مع الزانيات؟ هل أجرى عليهن الحد؟ كلا. ففي رواية لطيفة ذكرها أيضًا السيد الوالد في كتاب «أمير المؤمنين شمس في أفق البشرية»، أنه عليه السلام طلب بعض الزانيات وزوجهن؛ إذ هي الزانية لماذا تزني؟ كثير منهن يزنين لأجل الفقر وأثر الحاجة، كما أن كثيرًا منهن قد تجهل المسألة قصورًا أو تقصيرًا، وهناك طبعًا بعضهن خبيثات النفس. فالإمام اختار، بدل إجراء الحد، حل المشكلة من أصلها. إذ ما هو الأفضل للمرأة من أن يتكفلها شخص بالزواج ويرعى شؤونها؟ مما يستفاد من ذلك ونحوه أن للإمام حق العفو وعدم إجراء الحد والانتقال إلى ما هو الأصلح بنظره، وذلك على حسب رأي بعض الفقهاء.

والآن لنرجع إلى السؤال عن كتاب «مقاصد الشريعة»، فأقول: العامة تحدثوا عن مقاصد الشريعة عبر المئات من الكتب؛ الشاطبي وابن عاشور وغيرهما، وعلى مر التاريخ هناك مئات من الكتب كتبها علماء العامة عن مقاصد الشريعة.

لكن علماء الشيعة أهملوا هذا الأمر بالمرة، لماذا؟ لأنهم أدرجوه في دائرة القياس أو الاستحسان؛ إذ يراد عن طريق مقاصد الشريعة استنباط حكم شرعي، مع أن المقاصد هي حِكَم في عالم الجعل، فلا يمكن تسريتها إلى عالم المجعول واستخراج حكم فعلي منها، حسب التفصيل المذكور؛ لأنها حِكَم تندرج في باب التزاحم، ولها شروط وهناك موانع. فالمدخلات صحيحة، لكنها مقتضيات، فلا يحرز بها حال المخرجات وما كُلفنا به فعلًا. ولذا علماء الشيعة أهملوا مقاصد الشريعة بالمرة؛ لأنها تندرج في القياس أو الاستحسان.

في هذا الكتاب عن مقاصد الشريعة، قمت أولًا بتطوير النظرية؛ إذ هناك المقاصد الخمسة المعروفة للعامة، وهي: حفظ الأموال، والنفوس، والأعراض، والعقل، والدين، لكنني قلت إنه يوجد فوقها مقاصد سميتها «مقاصد المقاصد»، وأهمها الرحمة، وقد استقيناها وانتزعناها من القرآن الكريم، حيث يقول تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾[60]، وفي الرواية: «أي للرحمة خلقهم»[61].

إذن خلقنا الله تعالى لكي يرحمنا، فالرحمة هي مقصد المقاصد. وبعبارة مبسطة: لماذا حرم الله قتل النفوس؟ رحمة بنا: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾، و﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾[62]. ولماذا الأموال محفوظة؟ ولماذا العقل يحرم أن يضيع بالمسكر وغيره؟ كل ذلك رحمة من الله لنا، فالرحمة هي مقصد المقاصد.

واللين مقصد من المقاصد. إذن هذا هو الإطار العام والفرشة العامة.

كيف نستثمر مقاصد الشريعة في الفقه بعيدًا عن القياس والاستحسان؟

ثم بعد ذلك فكرت في أنه كيف نستطيع أن نستثمر مقاصد الشريعة في الفقه، من دون أن نتجاوز التراث الأصولي المسلّم المستقى من الآيات والروايات من جهة، ومن دون أن نهمل المقاصد بالمرة من جهة أخرى؟ فخطر بالبال القاصر طريق وسط عرضته في هذا الكتاب، وهذه إشارة سريعة إلى بعض ما ذكرته.

إن مقاصد المقاصد يمكن استثمارها في مباحث عديدة، منها مبحث الانصراف وعدمه. وهذا ينسجم مع مبانينا الأصولية؛ إذ الدليل قد يكون منصرفًا عن، أو منصرفًا إلى...

قلت مثلًا إن مقاصد المقاصد يمكن أن يستفاد منها كموازن استراتيجي للاحتياط؛ لأن الأصوليين مثلًا، في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجج، يقولون بالتعيين نظرًا لقاعدة الاحتياط؛ لأن هذا هو القدر المتيقن. مثلًا إذا دار الأمر بين أن تقلد الأعلم وغير الأعلم، فإنه تارة يقول الفقيه بأن بناء العقلاء على تعيين الأعلم، وتارة يقول فقيه آخر بأن بناء العقلاء على الأعم. والعبد الفقير يرى أن بناء العقلاء ليس على تعيين تقليد الأعلم في الطب أو الهندسة أو غيرهما. نعم، هو أرجح، ولذلك الناس يرجعون إلى مختلف الأطباء في البلد شرط أن يكون خبيرًا ثقة ضابطًا، لكنهم لا يقيدون أنفسهم بأن يكون الطبيب أو المحامي أو المهندس الذي يرجعون إليه حتمًا هو الأعلم، وإن كان أفضل طبعًا. ولذلك لو كان هذا الطبيب أقرب إلى داره رجع إليه، رغم أن الأقربية ليست مناطًا، خاصة إذا لم تكن مشقة وحرج في الرجوع إلى الطبيب الأبعد.

المهم: قسم من الفقهاء إذا تحيروا في بناء العقلاء ولم يحرزوه، فإنهم يقولون: عند دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجج نلتزم بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن هو الأعلم. وهذا صحيح حسب القواعد، لكن الإضافة، حسب فقه المقاصد، أن الرحمة هي الموازن الاستراتيجي للاحتياط، أو قل قاعدة التيسير: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك»[63]، أو مصلحة التسهيل: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾[64]. فهذه من مقاصد الشريعة. فانطلاقًا من هذا نقول: إن كان الاحتياط هو بالأخذ بالقدر المتيقن، فإن التيسير بالتخيير، نظرًا للمصلحة السلوكية أو الموضوعية في التيسير، يكون مكافئًا ومعادلًا.

العقوبات المخففة في الإسلام وحقوق السجين

اللواتي:

إذن، في موضوع العقوبات كيف تكون النتيجة؟

سماحة السيد:

في موضوع العقوبات، مثلًا السجن، للسيد الوالد كتاب عن حقوق السجين، ذكر فيه أربعين حقًا للسجين. أشرت إلى بعضها في كتاب «مقاصد الشريعة». مثلًا يقول: من حقوق السجين في الإسلام، حسب القواعد العامة التي منها الرحمة واليسر وما أشبه، أن يكون لأهله مطلق الحق في أن يزوروه متى شاؤوا، ويجب على إدارة السجن أن توفر لهم غرفًا للمبيت عنده متى أرادوا ذلك.

وليس فقط كما جرت عليه بعض الدول الإسلامية، في الأسبوع أو أسبوعين مرة، كلا، بل تخصص غرفة للسجين وأهله، فإذا أرادوا أن يسكنوا عنده فلهم ذلك، وذلك مقتضى الرحمة الإلهية، ولا يوجد في الأدلة ما يفيد أن السجين لا يجوز لزوجته أن تزوره.

وكذلك له أن يجري كل معاملاته التجارية من السجن، وهكذا. أي إن الحكومة مسؤولة عن أن توفر له الأرضية الكاملة لإدارة أعماله التجارية. وكذلك إذا سُجن أستاذ جامعي، فإن على الحكومة أن توفر له قاعات للدراسة، وأن تسمح لتلامذته بأن يدرسوا عنده، وهكذا ذكرنا مجموعة من الأمثلة الأخرى.

والحاصل أن السجن بالطريقة التقليدية الموجودة في أذهاننا لا نجد عليها دليلًا شرعيًا. يعني بعبارة جامعة: هو سجين بجسده، وليس سجينًا بحقوقه.

اللواتي:

هذا تشويق سيدنا! يأكل ويشرب وينام ببلاش، وكل أموره ماشية! لكن الغرب بدأوا من زمان مثل هذا العمل.

سماحة السيد:

إن هذا منهج الإصلاح بالحب والرحمة، بقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾[65]. ولاحظ الأمر الذي يوجهه الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر، ومن ثم لكل الحكام: «وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعًا ضَارِيًا تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ...»[66].

وهذا يعني أن الحاكم يجب أن يكون كالأب الرحيم لكل الرعية. فكما أن الأب إذا تمرض ابنه يأخذه إلى أحدث المستشفيات في الخارج أو الداخل، فإن على الحاكم بالنسبة إلى آحاد الشعب أن يكون كذلك.

وبكلمة: إن السجين إذا تعاملت معه الحكومة بالحب، فإنه غالبًا يهتدي، وتتعافى جروحه من ذاك الانحراف الذي ابتُلي به.

اللواتي:

الحب والرحمة، كيف تكون حاكمة على القطع والجلد والرمي؟

سماحة السيد:

نعم، ما دامت تؤدي الغرض، وما دام يلزم من الحد نقض الغرض من إصلاح السجين والمجتمع، بشكل أفضل. ويوضحه أن الحدود، حسبما ذكره السيد الوالد، هي بالأساس لأجل ردع المجرم عن أن يرتكب جريمة، لا لأجل التشفي أو الانتقام أو نحو ذلك. وللسيد الوالد بحث مفصل أشار فيه إلى أن الأيدي التي قُطعت، أي الأصابع الأربع، حسب الاستقراء التاريخي طوال مئتي سنة في الإمبراطورية الإسلامية الواسعة، لم تتجاوز ست أيدٍ فقط! فقط ست أيدٍ! وبتعبير آخر، كان يقول إنها عقوبات رمزية، الأصل فيها ردع المجرم عن أن يرتكب الجريمة، وليس الأصل التنفيذ.

اللواتي:

حسب كلام بعض العلماء، إذا لم تمنعوا الأسباب المؤدية للسرقة، فلا تلجؤوا إلى القطع، أو لا بد للدولة من أن توفر العدل مثلًا...

سماحة السيد:

أيضًا السيد الوالد يقول إنه من شروط إجراء الحدود أن تكون القوانين الإسلامية الاقتصادية مطبقة بحيث تنتفي دواعي السرقة بالمرة، فلا يكون الشخص حينئذ سارقًا إلا لخبث نفسه، فيؤدب[67] حينئذ.

وقد استعرض السيد الوالد لإجراء الحد على السارق حوالي أربعين شرطًا، وهي أشبه بالشرط التعجيزي.

اللواتي:

سيدنا، إذا في موضوع حرق الأمير للغلاة، أو مثلًا قتل ساب النبي، كيف تكون القضية؟

سماحة السيد:

حرق الغلاة ليس ثابتًا أصلًا، أما قتل ساب النبي صلى الله عليه وآله، فإنه كحكم موجود، لكن الكلام، كل الكلام، في التنفيذ. وكانت للسيد الوالد كلمة لطيفة، كان يقول إن عمل الرسول صلى الله عليه وآله والأمير عليه السلام وسيرته تعد بمثابة القرينة الحالية الحافة التي قد تفيد أن المراد الجدي منفك عن المراد الاستعمالي، أو أن التشريع سيق لغرض آخر بالأساس، كالردع والتخويف، لا لكي يطبق. طبعًا هذا الرأي هو ما تبناه قدس سره، والأمر بحاجة إلى مزيد تدبر وتأمل.

المرأة في كلمات الإمام علي عليه السلام

اللواتي:

سيدنا، أمير المؤمنين في موضوع المرأة تُنسب له كثير من الكلمات، وأنتم لكم رأي في فهم هذه الكلمات: «المرأة عي وعورة»، و«شاوروهن وخالفوهن»، و«المرأة شر كلها وشر ما فيها أنه لا بد منها»، إلى آخره. كلمات أيضًا متنوعة، لكن حبذا تذكرون هذا السياق حتى يُلتفت إلى ما المقصود.

وجهة نظر مختلفة ومهمة

سماحة السيد:

حسب عدد من الفقهاء، إن هذه كانت من نحو القضايا الخارجية المرتهنة بزمن خاص وظروف معينة، لا الحقيقية. وتوضيحه: أن النبي صلى الله عليه وآله عمومًا كان يمدح المرأة: «الجنة تحت أقدام الأمهات»[68]، و«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»[69]، والقرآن الكريم من البداية تكلم ضد وأد البنات بشكل شديد[70]. وذاك الرجل الذي جاء إلى النبي وقال إنه دفن عددًا من بناته بيده، فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وآله، وقال له ما مضمونه: ما أقسى قلبك، وإني أخاف غضب الله أن يحل علينا وأنت عندنا، وطرده.

ولعل السبب الأساس هو أنه في زمن النبي صلى الله عليه وآله كانت كفة الميزان منحرفة متحاملة على المرأة بشكل كبير، فاستدعى ذلك التشديد على احترام المرأة وحب المرأة وتقدير المرأة. حتى إن النبي صلى الله عليه وآله في طريق الحج أمر الناس بالحلق، فامتنعوا، والنبي لم يكن يريد جبرهم، فاستشار بعض زوجاته، وكانت أم سلمة، فأشارت عليه بأن يبدأ هو صلى الله عليه وآله بحلق رأسه، فإذا حلق صلى الله عليه وآله رأسه، فإن الناس سوف يقتدون به. وهكذا فعل صلى الله عليه وآله، خرج أمام الناس وحلق رأسه، وعندما حلق رأسه صلى الله عليه وآله حلقوا رؤوسهم[71].

أما زمن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقد انعكس الأمر؛ إذ كان قد أصبح للمرأة، خاصة الأجنبية غير المسلمة، واقعًا، وإن كانت مسلمة ظاهرًا أو لعلها بقيت غير مسلمة، دور عجيب في الحياة الإسلامية؛ لأن الفتوحات كثرت زمن عمر بالذات، والأسرى من رجال ونساء انتشروا في بيوت الناس بشكل مذهل، وقد تكون أسيرة رومية وغير ذلك، وهي بالفعل جميلة، وليس كل أحد يمتلك قوة شخصية بحيث لا يتأثر بهذه النساء الوافدات اللاتي ملأن بيوت المسلمين، وكثير منهن كن جميلات أو مثقفات بالثقافة الأجنبية، ثم صرن أمهات أولاد ونحو ذلك، ولذلك نجد أن الكفة مالت إلى ذلك الجانب.

اللواتي:

وجود نساء كثيرات من مختلف الثقافات، وبالتالي لا بد من تحصين هذا المجتمع وتحذيره.

سماحة السيد:

ومع ذلك كله، فمن الطبيعي أنه كان من اللازم أن يضغط بهذا الاتجاه.

وقد يمكن الاستشهاد على أصل المطلب والجامع بمثل قوله: «شاوروهن وخالفوهن»؛ إذ نسأل بنحو القضية المنفصلة الحقيقية: هل المقصود بـ«شاوروهن وخالفوهن» هو: شاوروهن وخالفوهن إن أمرنكم بالمعروف، أو إن نهوكم عن المنكر، أو إن أشرن برأي صائب؟ كلا، بل القرينة العامة الحافة تفيد أنه: شاوروهن وخالفوهن إذا خالفن الحق، إذا انطلقن من منطلق الغيرة مثلًا.

ومن الملاحظ أيضًا في كثير من النساء توجد ظاهرة أنها تنطلق في قراراتها الاقتصادية من الغيرة، أو من التأثر الشديد بالأخريات المنافسات، فتطالب بهذا الثوب وذاك الملبس وهذه الموضة وتلك، ولا تتفهم أبدًا أن دخل الزوج محدود وأنها ترهقه بلا حدود. وفي مثل ذلك ورد: «شاوروهن وخالفوهن»، حسب بعض الفقهاء الذين يرون أن هذه الروايات محمولة على القضية الخارجية. طبعًا ذلك إن صح سندها، فإن العديد منها في سندها إشكال.

وبعض الفقهاء حمل بعض هذه الروايات على أن المقصود المرأة المعهودة في قضية الجمل، فهي قضية خاصة بامرأة خاصة.

الرخاء في دولة الإمام علي عليه السلام

اللواتي:

سيدنا، هنا سؤال أيضًا مهم. البعض يسأل: إن حكومة الأمير هي تجربة أربع سنوات، فكم مقدار العدل الذي انتشر؟ عندنا بعض المرويات تقول إن الكوفة كانت تنعم، والآن الكوفة لعلها تعني دارًا من العراق، وليس فقط المقصود مدينة النجف. ولكن هل من خلال هذه السنوات، مع الحروب الثلاثة ومع الغارات في آخر سنة أيضًا، استطاع الأمير أن يحقق نوعًا من الرخاء الاقتصادي والعيش الهنيء؟ لأنه عنده عبارة: «ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع ولا طمع له بالقرص»، ففي كلام أن الأمير ما استطاع أن يعمم العدل. هل هذا صحيح؟

سماحة السيد:

كتبت عن ذلك بالتفصيل في كتاب «التنمية الاقتصادية»، في نص الإمام علي عليه السلام في المقدمة ثم في متن الكتاب: إن الرخاء الذي حدث في زمن أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان مذهلًا بمقاييس تلك الأيام، وذلك لتطبيقه قوانين الإسلام. فمثلًا الكوفة، التي يقول عنها جورجي زيدان إن نفوسها ذلك الوقت أربعة ملايين، وليس هذه الكوفة الحالية، بل الكوفة التي كانت تتقاسم العراق مع البصرة، يعني نصف العراق تقريبًا، وليس المقصود تبني هذا الرقم، بل بيان أنها كانت تضم نفوسًا كثيرة جدًا.

ومع ذلك نجد الرخاء الذي عبّر عنه الإمام عليه السلام بقوله: «ما أصبح بالكوفة أحد إلا ناعمًا، إن أدناهم منزلة ليأكل البُر، ويجلس في الظل، ويشرب من ماء الفرات»[72]. وخبز البر هو أفضل أنواع الخبز، فهذا أسوأ الناس حالًا في الكوفة كان يأكل خبز البر، والبر أفضل أنواع الحنطة؛ إذ هناك خبز الشعير، الذي كان الأمير يأكل منه، وهذا هو أدنى الأنواع، وهناك الحنطة، وفوق الحنطة البر، أي إن البر هو النوع الفاخر الراقي. يقول عليه السلام: أسوأهم، أو أرداهم، أو أدناهم حالًا، يأكل خبز البر، ويستظل، يعني له منزل، ويشرب الماء العذب. إذ تعلمون أن توفير الماء العذب حتى في هذا الزمان لكل الناس يعد مشكلة، فكيف في ذاك الوقت والآلات بدائية؟ فلاحظ كيف كانت شبكات الري متكاملة، بحيث إن كل أهل الكوفة كان الماء العذب في متناول أيديهم من دون أية مشكلة، حتى في أيام الصيف الشديد.

اللواتي:

هذا كله بسبب السياسات السريعة لمكافحة الفساد أو التسوية بالعطية التي كانت في السنة الأولى، هذه آثارها عمت سريعًا.

سماحة السيد:

أيضًا كما نلاحظ في عهده للأشتر[73]. وأما رواية: «ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع»[74]، فإنها لعلها كانت في بداية حكمه صلوات الله عليه.

ثم إنه لو كان بالفعل يوجد فقير بذلك النحو، لما عبّر عليه السلام بـ«لعل». سلمنا، لكنه يرمز إلى الندرة الشديدة لوجود هكذا فقير، كاحتمال مثلًا من بين مليون إنسان. وأنتم تعلمون أن نسبة الفقر في أمريكا، التي تمتلك ثروات مذهلة، قد لا تجد في تاريخ البشر دولة بثرائها، إذ الناتج الإجمالي المحلي لها فوق الاثنين وعشرين تريليون دولار[75]، وميزانية الحكومة هي أربعة تريليونات دولار، ولكن مع ذلك، وحسب إحصائهم، فإن أكثر من أربعين مليونًا في أمريكا يعيشون تحت خط الفقر، وهو عدد كبير جدًا. فقوله «لعل...» يرمز إلى ندرة وجود مثل هذا الشخص وشذوذه، هذا إن وجد أصلًا مثله.

اللواتي:

ألا يتعارض هذا مع الروايات التي تقول إنه كان في كل ليلة يحمل جراب الطعام على كتفه، ويذهب إلى بيوت أناس قد يعرفونه أو لا يعرفونه، وغيرها؟

سماحة السيد:

الظاهر أن ذلك كان في البداية، وبداية حكومته عليه السلام، لا نهايتها. على أنه يحتمل أنه كان يحمل طعامًا أفضل من المتوسط الذي يناله الفقراء عادة.

هل الربا عامل بناء للاقتصاد أو عامل هدم؟

اللواتي:

نعم، سيدنا العزيز، نحن طبعًا هذا الكتاب يستحق حوارًا كاملًا بعد أن نطالعه، ولعله يحتاج إلى جلسة بحثية وورشة عمل فكرية. لكن أنا كنت أطالع موضوع الربا، وأنتم بشكل كبير تتحدثون عن هذا الموضوع، وأنها مسألة وخيمة. نلاحظ بعض الشهادات المعاصرة الآن تقول: لا، الربا هو مقابل الغلاء، ومقابل الخدمة التي يقدمها البنك. بعض الفقهاء أيضًا أجازوا حتى القرض الاستثماري والقرض الشخصي أيضًا. هنا في هذا الموضوع، ما رأيكم؟

سماحة السيد:

لا يوجد فقيه شيعي ولا سني أجاز الربا، وإنما أجاز بعضهم فارق التضخم، وفارق التضخم أمر آخر غير الربا، وتفصيله في الكتاب. والمهم التنبيه إلى أن الاقتصاد الحديث مبني على الربا، بحيث إن المصارف إذا توقفت عن إعطاء القروض الربوية، فإن كثيرًا من المعامل تتوقف، والمصانع والاستثمارات الكبرى كذلك؛ لأن التجار والمستثمرين بشكل عام يعتمدون على القروض الربوية المصرفية، التي تبدأ من المصرف أو البنك المركزي الذي يضخ في بنوك التجارة والزراعة وغير ذلك.

لكنني في هذا الكتاب، وفي الكتاب السابق الذي هو «بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن»، تطرقت إلى الموضوع من الناحية العلمية؛ إذ كان المبنى أن المخاطب قد لا يعتقد بالدين مطلقًا، أو لا يقبل حتى وجود الله تعالى، فحتى هذا كان المقصود أن نثبت له بشكل علمي أن الربا هو أساس تحطيم الاقتصاد، وليس أساس ازدهار الاقتصاد. ولذا ذكرت في الكتاب عشرة أدلة علمية على أن الربا هو أساس الخراب.

والمهم في الأمر أن هذا الكتاب، قبل أن يُطبع، بعثته إلى مجموعة من أساتذة الاقتصاد المتخصصين في الاقتصاد، والذين يعتقدون بالربا، ويقول بعضهم إن الربا المحرم لا يرتبط بالربا الإنتاجي، بل حرمة الربا في الشريعة تعلقت، فيما يرون، بالربا الاستهلاكي. وبعض هؤلاء هو أستاذ اقتصاد في الجامعة منذ أكثر من أربعين سنة، وتلامذته، وهم بالعشرات، صاروا أساتذة جامعات. بعثته لهم حتى ينتقدوه نقدًا موضوعيًا، والمراسلات كلها موجودة، وقسم كبير منها أدرجته في الكتاب.

والحاصل: إن الكتاب قام ببرهنة أن الربا يحطم الاقتصاد العالمي، وأن التضخم الموجود في العالم والبطالة الموجودة والفقر الموجود، قسم كبير منها يعود إلى الربا، لا العكس. كما طرحنا البديل الإسلامي مع أطر واضحة محددة.

في البداية ناقش بعضهم كل الأدلة، لكن مع استمرار البحث والمراسلة اقتنع بأربعة منها، علمًا بأن الدليل الواحد يكفي شاهدًا على أن الربا هو سبب دمار الاقتصاد. ثم استمرت النقاشات، وناقشناهم وناقشوني وناقشتهم وهكذا، والأوراق والمراسلات موجودة محفوظة، وراحت الأوراق ورجعت بيننا وبين أساتذة في الكوفة والكويت وأمريكا وبريطانيا، والنتيجة أن عددًا منهم اقتنعوا بتسعة من تلك الأدلة، وعددًا منهم لم يكن لديهم، على الأقل، جواب عنها، أو وجدوها وجهة نظر محترمة. نعم، وجدت إشكالهم على الإشكال العاشر صحيحًا، لذلك طورته وغيرته.

بل ذكرنا في الكتاب أن بعض الدول المتطورة انتهجت منهج تصفير نسبة الفائدة والربا، وذكرت أربعة من الدول الغربية المعاصرة.

بين عقل النص والدراسات المعاصرة

اللواتي:

سيدنا، أنتم أيضًا، كما كنا نتحدث البارحة معكم، عندكم إطلالة جيدة على الأبحاث المعاصرة في موضوع الاقتصاد وغيره، وصرفتم لعل سنوات كثيرة في الاطلاع على النتائج والنظريات المختلفة في هذا المجال. ماذا لو تحدثوننا عن هذا الاهتمام؟ لأنه عادة الفقيه يؤمن بالنص، وهو عقل النص لا عقل الدراسات المعاصرة. فأنتم ترون أن إنتاج النظرية يقتضي الاطلاع على الدراسات المعاصرة؟

سماحة السيد:

الحاجة والتحديات لها كلمتها. ولقد كان لدي حوار مع بعض الأفاضل في هذا الموضوع، فقلت لهم إن الشيخ الطوسي في كتبه، كـ«المبسوط» مثلًا و«الخلاف» وما أشبه، واجه تحديات كبرى. ومن التحديات أنه كانت هناك موجة ضد التشيع وضد الشيعة، تسقيطية من العامة، تقول إن الشيعة لا فقه لهم، مستدلين على كونهم جامدين على النص، وأنه ليست لديهم تفريعات كثيرة؛ لأنهم لا يؤمنون بالقياس أو الاستحسان، فلذا تفريعاتهم قليلة جدًا.

ولذا تصدى الشيخ الطوسي لتصحيح هذه النظرية عمليًا؛ إذ أكثر من التفريعات إلى درجة كبيرة جدًا. إضافة إلى ذلك، فإنه أكثر من استثمار علم الأصول في الفقه، وزاد على ذلك أنه استخدم منهج الفقه المقارن بشكل موسع؛ إذ لم يكن من قبل منهج الفقه المقارن موجودًا، أو كان بشكل طفيف، فالحاجة والتحديات لها كلمتها.

ووجه الحاجة: أن كليات الاقتصاد في العالم تطرح نظرية كل شرقي وغربي في الاقتصاد، من آدم سميث، الذي يعتبر مؤسس علم الاقتصاد، إلى جون مينارد كينز، إلى مدرسة واشنطن في الاقتصاد وغيرها، والمدرسة الكلاسيكية، والمدرسة النيوكلاسيكية، وغير ذلك، ولكن الجامعات لا تطرح آراء الإمام علي عليه الصلاة والسلام في الاقتصاد، مع أن هناك مئات من النصوص العلوية عن الاقتصاد، أعني عن علم الاقتصاد، وليس عن المذهب الاقتصادي أو النظام الاقتصادي أو السياسة الاقتصادية أو التشريعات الاقتصادية.

اللواتي:

سيدنا، هناك نصوص دينية لم تتحول إلى منهج علمي متكامل، بحيث لم يُنظر لها، أي لم يُستنبط منها. وإلا فالنصوص الدينية ليست محل تداول في الجامعات، لا الإسلامية ولا المسيحية، ولكن إذا حُولت إلى نظرية، بعد ذلك يمكن.

سماحة السيد:

ومهمة الكتاب كانت هي الاستنباط من هذه النصوص الدينية الاقتصادية، وعرضها بما يفهمه العقل العلمي المعاصر. مثلًا، ذكرنا قانون فيشر في الاقتصاد، وهذا قانون معروف: MV=PT، و(M) تشير إلى كمية الأموال المتداولة، و(V) تشير إلى سرعة دوران النقد، وهذه تضرب[76] في (T)، أي كمية المعاملات التي تجرى، فتنتج الأسعار (P). يعني ما الذي يحدد الأسعار للبضائع المختلفة؟ هذه العوامل الثلاثة. وقد ذكرت المقارن الموضوعي لأمثال هذه القاعدة في كلمات الأمير عليه السلام، وأن قواعده عليه السلام كيف تؤثر في هذه القاعدة سلبًا أو إيجابًا.

فهي إذن موجودة، لكنها كانت بحاجة إلى استنباط واستخراج.

اللواتي:

جميل جدًا سيدنا. نحن بدأنا بأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، ونختم معه. طبعًا أنتم ذكرتم الآية الكريمة: ﴿والذين آمنوا أشد حبًا لله﴾، وفي الدعاء الذي نقرأه كل أسبوع: «واجعل لساني بذكرك لهجًا، وقلبي بحبك متيمًا». فالحديث عن الحب، وهو صاحب عبادة المحبين والشاكرين، فالكلمة الأخيرة حول الأمير، وحول أن المحبة التي ذكرتم كونها محورية في المجتمع وفي العلاقة مع الله، هناك أهمية كبيرة لهذا الأمر، ونحن لا بد أن يكون عندنا، من «قولوا للناس حسنى»، فنيات معاصرة في عرض ما لدينا بأساليبها في هذا الموضوع.

سماحة السيد:

بإيجاز شديد، إن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، وفاطمة الزهراء، وأمير المؤمنين، وسائر أئمتنا الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، علينا أن ننتهج نهجهم وأن نقتدي بهم، والطريق إلى ذلك أن نتعرف على كلماتهم وخطبهم وحواراتهم. المؤسف أن كثيرًا من الناس لا يقرأ نهج البلاغة ولو مرة واحدة في العمر، هذا ما يؤسف له، مع أنها عيون الحكم، وجواهر الدرر موجودة في هذه الكلمات.

أحد العلماء كان يقول لي إنه حاول جمع كلمات أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه الموجودة في أيدينا، فيما تناثر في بطون الكتب، فبلغت حوالي خمسين ألف كلمة[77]. والسؤال هو: هل هذه الكلمات الحكمية تدرّس في الجامعات؟ في المدارس؟ في الحوزات العلمية؟ الآمدي جمع حوالي أحد عشر ألف كلمة، وأحد العلماء جمع واحدًا وعشرين ألف كلمة، لكنها في الواقع حوالي خمسين ألف كلمة، بما فيها نهج البلاغة. هذه ثروة، ثروة معرفية كبرى. فكلمتنا الأخيرة هي أن لدينا ثروات مذهلة: الصحيفة السجادية، وتحف العقول عن آل الرسول، وأصول الكافي وغيرها، وقبل ذلك القرآن الكريم. هذه كلها علينا أن نستثمرها، وأن نستخرج منها الكنوز والمعارف، ففي ذلك خير الدنيا والآخرة.

اللواتي:

سيدنا، أحسنتم، بارك الله فيكم.

سماحة السيد:

الله يحفظكم ويبارك بكم، سررنا بكم، شكر الله جهودكم، وأجرى الله الخير على أيديكم، وأنتم شركاء في الثواب كله؛ إذ الدال على الخير كفاعله، فكيف وأنت دال ومتحدث مشارك.

...............................................

الهوامش

[1] كتاب مصباح المتهجد للشيخ الطوسي

[2] أصول الكافي ج1 ص 222 

[3] نهج البلاغة باب الرسائل والكتب كتاب رقم 3 كتابه لشريح بن الحارث   

[4] عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) قال: يَا هِشَامُ، إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً، وَحُجَّةً بَاطِنَةً؛ فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ (عليهم السلام)، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ . أصول الكافي ج1ص16 كتاب العقل والجهل

[5] نهج البلاغة ج1 ص506 الكلمة 211 دار الكتاب اللبناني

[6] كتاب مدخل الى علم العقائد، نقد النظرية الحسية من ص45الى ص90

[7] كتاب نقد الهرمينوطيقا للسيد مرتضى الشيرازي من ص 145 الى 160 يوضح أن الملحد عندما يفكر فانه لا ينطلق من عقل تجرد من الموانع بل ينطلق من مسبقات فكريه أو من ضغوط البيئة أو العناد النفسي.

[8] كتاب نسبية المعرفة الممكن والممتنع من ص 58

[9] كتاب تحف العقول ص 171

[10] كتاب مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص 828

[11] كتاب وسائل الشيعة ج 27 كتاب القضاء ص27 «مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَتَّالُ فِي رَوْضَةِ الْوَاعِظِينَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ): اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ».

[12] كتاب أصول الكافي ج8 ص 241 رقم الحديث330 أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِـي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِـهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ، حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَتَه وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ، وَمُقْتَبِلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ، وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلاَمِ وَأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لا أُجَاوِزُ ذلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ إِحْكَامُ ذلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلاَمِكَ إِلَى أَمْرٍ لا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْـهَلَكَةَ، وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ، وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ، فَعَهِدْتُ إِلَيْكَ وَصِيَّتِي هذِهِ.

 [13] كتاب أصول الكافي ج8 ص241

[14] سورة فصلت ايه 53. 

[15] كتاب السرائر للشيخ ابن ادريس الحلي ج 3 ص 575 عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: إِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْقِيَ إِلَيْكُمُ الْأُصُولَ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تُفَرِّعُوا

كتاب وسائل الشيعة ج 27 ص 62 عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنِ الرِّضَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ، وَعَلَيْكُمُ التَّفْرِيعُ

[16] كتاب مصباح المتهجد للشيخ الطوسي اعمال شهر شعبان المناجات الشعبانية ص 829

[17] دعاء أبي حمزة الثمالي.

[18] كتاب نهج البلاغة خطبه 206وَمِنْ كَلَامٍ لَهُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَقَدْ سَمِعَ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ يَسُبُّونَ أَهْلَ الشَّامِ أَيَّامَ حَرْبِهِمْ بِصِفِّينَ: إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ لَكَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ .

[19] سورة النحل: الآية 125.

[20] كتاب أصول الكافي ج 2، ص 375 كتاب الإيمان والكفر إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرِّيَبِ وَالْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وَأَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ وَالْقَوْلِ فِيهِمْ وَالْوَقِيعَةِ، وَبَاهِتُوهُمْ كَيْ لَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الْإِسْلَامِ وَيَحْذَرَهُمُ النَّاسُ وَلَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ بِدَعِهِمْ، يَكْتُبِ اللَّهُ لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ وَيَرْفَعْ لَكُمْ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ.

[21] جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام كتاب الحدود ص 412.

[22] مصباح الفقاهة في المعاملات -باب غيبة المخالفين ص 504.

[23] يراجع تفصيل البحث عن (الحكومة) وتعريفاتها في كتاب (الحكومة والورود) لسماحة السيد.

[24] نهج البلاغة الخطبة 206.

[25] سورة الأنعام الآية 108. 

[26] سورة البقرة: الآية 159.

[27] سورة المائدة الآية 78.

[28] سورة المسد الآية 1.

[29] سورة آل عمران: الآية 28 

[30] سورة النحل: الآية 125

[31] سورة البقرة: الآية 269.

 [32] كتاب تحف العقول 231 قَالَ الامام الحسن (عَلَيْهِ السَّلَامُ): حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَمُدَارَاةُ النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَالْقَصْدُ فِي الْمَعِيشَةِ نِصْفُ الْمُؤْنَةِ.

[33] أصول الكافي ج2 ص 117 -كتاب الايمان والكفر- باب مداراة الناس- عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله) أَمَرَنِي رَبِّي بِمُدَارَاةِ النَّاسِ كَمَا أَمَرَنِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ.

[34] سورة الأحزاب: الآية 21.

[35] سورة البقرة ايه 83 كتاب معاني الاخبار للشيخ الصدوق ص 127: والرواية الواردة في تفسير هذه الآية عن الامام الباقر عليه السلام انه قال: قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يُقال لكم.

[36] كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ص 383 وَرَوَى عَنْ الامام الصادق عَلَيْهِ السَّلَامُ زَيْدٌ الشَّحَّامُ أَنَّهُ قَالَ: «يَا زَيْدُ خَالِقُوا النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ، صَلُّوا فِي مَسَاجِدِهِمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ فَافْعَلُوا، فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ، رَحِمَ اللَّهُ جَعْفَراً مَا كَانَ أَحْسَنَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ، وَإِذَا تَرَكْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا: هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ، فَعَلَ اللَّهُ بِجَعْفَرٍ مَا كَانَ أَسْوَأَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ.

[37] أصول الكافي كتاب الايمان والكفر باب كظم الغيظ ج2 ص111، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «مَا مِنْ جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُهَا الْعَبْدُ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَتَجَرَّعُهَا عِنْدَ تَرَدُّدِهَا فِي قَلْبِهِ، إِمَّا بِصَبْرٍ وَإِمَّا بِحِلْمٍ.

[38] كتاب نهج البلاغة الحكمة 207 قَالَ امير المؤمنين (عَلَيْهِ السَّلَامُ): إِنْ لَمْ تَكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ.

[39] كتاب نهج البلاغة خطبه 206 عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَقَدْ سَمِعَ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِهِ يَسُبُّونَ أَهْلَ الشَّامِ أَيَّامَ حَرْبِهِمْ بِصِفِّينَ: «إِنِّي أَكْرَهُ لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، وَلَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ، وَذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ، وَأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ. وَقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا وَدِمَاءَهُمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَبَيْنِهِمْ، وَاهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ؛ حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَهُ، وَيَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ وَالْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِهِ.

[40] سورة الأنعام: الآية 108.

[41] كتاب أصول الكافي باب كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور ج7 ص412 ح5 عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟ فقال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا لأنه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به قلت: كيف يصنعان قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فارضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله قد استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. 

 [42] كتاب غيبة الطوسي ص 176 فورد في التوقيع المطول المعروف عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فوردت في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح.. وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم. وأما محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت.. وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي.. وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالإنتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء. فأغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ذلك فرجكم. والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى.

[43] سورة الشورى الآية 38.

[44] تفسير الامام العسكري ص 300 فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه.

[45] بحار الانوار ط دار التراث ج75 ص380.

[46] جامع المدارك ج 3، ص 111: (والمتفطّن اللبيب إذا لاحظ الروايات الواردة في هذا الباب لا يكاد يظهر له جعل الولاية للفقيه في التصرف في الأموال والأنفس، بل المستفاد منها إما كونهم مراجع في الأحكام، أو مراجع في المخاصمات والمرافعات، أو جواز القضاء لهم، أو المرجعية في الأمور الحسبية).

جامع المدارك ج5، ص 411: (لاستدلال بمثل "فإني قد جعلته عليكم حاكماً" على جواز إقامة الحدود في عصر الغيبة في غاية الإشكال، فإن الظاهر من الحاكم هو الفصل في الخصومات والمرافعات، وليس المراد منه من له التصرّف في الأنفس والأموال على الإطلاق كالحكّام والسلاطين).

[47] مصباح الفقاهة ج5 ص52: (فتحصل أنه ليس للفقيه ولاية بكلا الوجهين على أموال الناس وأنفسهم، فليس له أن يزوّج بنتاً صغيرة لابن صغير أو كبير، ولا تزويج ابنٍ صغير ولا يجوز له بيع داره وهكذا، إلا أن يكون الصغير بدون ذلك في معرض التلف ويدخل تحت الأمور الحسبية).

[48] كتاب من لا يحضره الفقيه ج4 ص395_رقم الحديث4981 عن رسول الله صلى اللع عليه وال وسلم قال: أعْقَلُ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ عُقُولَ النَّاسِ إِلَى عَقْلِهِ.

[49] وسائل الشيعة ج12 ص39_ باب استحباب مشاورة أصحاب الرأي _حديث رقم ١٥٥٨٢ أحمد بن محمد البرقي في (المحاسن) عن جعفر بن محمد الأشعري، عن ابن القداح، عن جعفر بن محمد، عن آبائه عليهم ‌السلام قال: قيل: يا رسول الله ما الحزم، قال: مشاورة ذوي الرأي واتباعهم.

[50] نهج البلاغة: قصار الحكم، الرقم 161 وهي مذكورة أيضاً في غرر الحكم: ص266 و284، وفي ربيع الأبرار باب العقل والفطنة للزمخشري.

[51] كتاب المرجعية الموضوعية والطالب الصالح: (يجبُ تحويلُ المرجعيَّةِ مِنْ حَالَةِ العَمَلِ الفَرْدِيِّ إِلى حَالَةِ المَجْلِسِ المَوْضُوعِيِّ المُؤَسَّسَاتِيِّ، حَيْثُ يَتَشَكَّلُ جِهَازٌ مَرْجِعِيٌّ يَضُمُّ لِجَاناً مُتَخَصِّصَةً مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالفِقْهِ وَالكِفَاءَةِ، وَتُتَّخَذُ فِيهِ القَرَارَاتُ المَصِيرِيَّةُ وَالاسْتِفْتَاءَاتُ العَامَّةُ بِنَاءً عَلَى التَّدَاوُلِ وَالمَشُورَةِ الجَمَاعِيَّةِ، لِتَكُونَ المرجعيَّةُ مُعَبِّرَةً عَنْ عَقْلِ الأُمَّةِ المَجْمُوعِ لا عَنْ رَأْيٍ فَرْدٍ وَاحِدٍ).

كتاب خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء _تحت عنوان خط الشهادة وعلاقته بالمرجعية (الخطَّ الثَّاني للمرجعيَّةِ يُمثِّلُ خَطَّ الشَّهادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، فالمرجِعُ الفَقِيهُ هُوَ النَّائِبُ العَامُّ عَنِ الإِمَامِ مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرعِيَّةِ، وَهُوَ المُمَثِّلُ الأَعْلَى لِخَطِّ الشَّهَادَةِ... وَأَمَّا خَطُّ الخِلَافَةِ فَتُمَارِسُهُ الأُمَّةُ عَبْرَ أَجْهِزَتِهَا التَّشْرِيعِيَّةِ وَالتَّنْفِيذِيَّةِ المُنْبَثِقَةِ عَنِ الشُّورَى، حَيْثُ تَكُونُ الأُمَّةُ هِيَ صَاحِبَةُ الحَقِّ فِي تَدْبِيرِ أُمُورِهَا دَاخِلَ إِطَارِ الشَّرِيعَةِ).

 [52] كتاب الخرائج والجرائح للقطب الراوندي ج2، ص635 هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً، فَسَأَلَ أَصْحَابَنَا فَقَالُوا: لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ فقَالَتِ امْرَأَتُهُ: لَا أَرْضَى حَتَّى تَسْأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ بِالْحِيرَةِ إِذْ ذَاكَ أَيَّامَ أَبِي الْعَبَّاسِ.

قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى الْحِيرَةِ وَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى كَلَامِهِ، إِذْ مَنَعَ الْخَلِيفَةُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، وَأَنَا أَنْظُرُ كَيْفَ أَلْتَمِسُ لِقَاءَهُ، فَإِذَا سَوَادِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ يَبِيعُ خِيَاراً.

فَقُلْتُ لَهُ: بِكَمْ خِيَارُكَ هَذَا كُلُّهُ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ. فَأَعْطَيْتُهُ دِرْهَماً وَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي جُبَّتَكَ هَذِهِ، فَأَخَذْتُهَا وَلَبِسْتُهَا، وَنَادَيْتُ: مَنْ يَشْتَرِي خِيَاراً؟

وَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَإِذَا غُلَامٌ مِنْ نَاحِيَةٍ يُنَادِي: يَا صَاحِبَ الْخِيَارِ!

فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) لِي لَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ: مَا أَجْوَدَ مَا احْتَلْتَ! أَيُّ شَيْ‏ءٍ حَاجَتُكَ؟

قُلْتُ: إِنِّي ابْتُلِيتُ فَطَلَّقْتُ أَهْلِي فِي دَفْعَةٍ ثَلَاثاً، فَسَأَلْتُ أَصْحَابَنَا فَقَالُوا: لَيْسَ بِشَيْ‏ءٍ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ قَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تَسْأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.

فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْ‏ء

[53] من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج 3 ص 92 ح3386 مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لِي: كُلُّ مَجْهُولٍ فَفِيهِ الْقُرْعَةُ». فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ الْقُرْعَةَ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ؟ فَقَال : كُلُّ مَا حَكَمَ اللَّهُ بِهِ فَلَيْسَ بِمُخْطِئٍ.

[54] نهج البلاغة الرسائل والكتب الكتاب رقم53.

[55] كتاب الحكومة الإسلامية فصل الولاية الاعتبارية ص 51 عندما نقول إنّ الفقيه له نفس الولاية التي كانت للرسول والأئمة (ع)، فلا ينبغي أن يتبادر إلى الأذهان أنّ للفقيه مقامًا يضاهي مقام الرسول والأئمة؛ لأنّ الكلام هنا ليس في المقامات المعنوية، بل في الوظيفة الفكرية والسياسية الإدارية... فالولاية التي نتحدث عنها هي أمر اعتباري جعلي، جعله الشارع للحفاظ على النظام وإجراء الأحكام، ولا تتقوم بالسلطة الفعلية، فالفقيه وليٌّ ولايته مستمدة من جعل الشارع، ساندته الأمة أم لم تسانده، وإن كان تصديه الفعلي للحكم مشروطاً بالتمكن والقدرة.

[56] كتاب البيع ج2 الكلام في شروط المتعاملين ص 624 الولاية ليست إلّا جعلاً اعتبارياً، كجعل الأحكام التكليفية والوضعية... فالولاية والامرة السياسية وإن كانت في أنفسها نوعاً من الصلاحيات والوظائف، ولكنها في نظر الشارع وسيلة لإجراء الأحكام الإلهية وإقامة النظام العادل، وليست منصبًا دنيويًا ومقامًا شخصيًا يطلب لذاته. ومن هنا فإنّ الولاية ليست منوطة بالسلطة الفعلية والقوة؛ بل هي منصب مجعول للفقيه الجامع للشرائط من قِبل الشارع، سواء تمكن من إقامة الحكومة والسيطرة الفعلية أم لم يتمكن.

[57] أي وإلا لنقض بأنه علينا أن نقول للفقيه الحاكم انقد للفقيه المحكوم واطعه، مادام هو أيضاً ولي للأمر.

 [58] وسائل الشيعة الشيخ الحر العاملي ج 7 كتاب الصلاة أبواب صلاة الجمعة باب عدم جواز إقامة الجمعة في السجن وعزل مسجونه لشهودها وضمان أوليائهم لهم: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ آبَائِهِ، عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ): "أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ أَهْلَ السُّجُونِ فِي الدَّيْنِ وَالْجَرَائِمِ لِشُهُودِ الْجُمُعَةِ، وَيَضْمَنُهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ حَتَّى يَرُدُّوهُمْ.

مستدرك وسائل الشيعة الميرزا النوري، ج 18، ص232 كَانَ يَعْرِضُ المَسْجُونَ كُلَّ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَقَامَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ خَلَّى سَبِيلَهُ.

تهذيب الأحكام الشيخ الطوسي، ج6، ص 301 عَلَى الإِمَامِ أَنْ يُخْرِجَ المَحْبُوسِينَ فِي الدَّيْنِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَى الجُمُعَةِ، وَالمَحْبُوسِينَ فِي الحُدُودِ إِلَى الحُدُودِ.

[59] سورة النور الآية 2.

[60] سورة هود الآيه 119.

[61] تفسير البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، في ذيل تفسير الآية 119 من سورة هود: عن الصادق عليه السّلام أنه قال: في قوله تعالى: ولذلك خلقهم، قال: "أي للرحمة خلقهم وقال: والرحمة التي يقول طاعة الامام عليه السّلام.

الكافي الشريف ج1 ص 429 عن ابي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الاستطاعة وقول الناس، فقال: وتلا هذه الآية " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك، قال: قلت: قوله: " إلا من رحم ربك "؟ قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله: " ولذلك خلقهم " يقول: لطاعة الإمام...

[62] سورة ال عمران الآية 159.

[63] من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج1 ص55 رقم الحديث123 وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ وُضُوءِ كُلِّ صَلَاةٍ.

[64] سورة البقرة الآية 185.

[65] سورة البقرة الآية 165.

[66] نهج البلاغة الرسائل والكتب رساله رقم53 تولية أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر على مصر. 

[67] موسوعة «الفقه» للسيد محمد الحسيني الشيرازي_(كتاب الحدود والتعزيرات) تحت عنوان شَرَائِطُ السَّارِقِ وَانْتِفَاءُ الشُّبْهَةِ : إنَّ الإِسْلَامَ لَا يُطَبِّقُ الحُدُودَ -كَحَدِّ السَّرِقَةِ- إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُؤَمِّنَ لِلْفَرْدِ الحَيَاةَ الكَرِيمَةَ وَيَسُدَّ حَاجَاتِهِ المَادِّيَّةَ وَالاقْتِصَادِيَّةَ؛ فَإِذَا طُبِّقَتِ القَوَانِينُ الإِسْلَامِيَّةُ فِي الاقْتِصَادِ، وَانْتَفَتْ دَوَاعِي السَّرِقَةِ وَالحَاجَةِ بِالمَرَّةِ، فَإِنَّ مَنْ يَسْرِقُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَسْرِقُ إِلَّا لِخُبْثٍ فِي نَفْسِهِ، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤَدَّبَ وَيُقَامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.

. في كتاب الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام تحت عنوان قَانُونُ العُقُوبَاتِ وَتَأْثِيرُ البِيئَةِ: إن المجتمع الذي يكثر فيه العاطلون عن العمل بسبب القوانين المعرقلة، لا يمكن علاجه بالسجون والحدود فقط، بل بالحرية وتأمين سُبل العيش... والسارق في المجتمع الإسلامي المتكامل لا يسرق من عوز، بل يسرق بدافع المرض الأخلاقي المتمثل بخُبث السَّريرة والاعتداء، وحينئذٍ يستحق النكال العقابي والتأديب الشرعي.

كتاب الحدود والتعزيرات (موسوعة الفقه) تحت عنوان مَسْأَلَة: شُرُوطُ السَّارِقِ عنوان عَدَمُ الاِضْطِرَارِ: يشترط في السارق أن لا يكون مضطراً، فلو سرق لِسدّ خَلَّته أو جوعه أو عطشه، أو لِحاجةٍ أساسيةٍ لا يجد لِسدّها سبيلاً، فلا قَطْعَ عليه بلا خلافٍ تجده؛ لأن الاضطرار شُبهة عقلية وشرعية، والحدود تدرأ بالشُّبهات. وعلى الحاكم أولاً أن يرفع حاجة الفقراء من بيت المال، فإذا قَصّر بيت المال في تأمين حاجات الناس، كان ذلك مانعاً من إقامة الحَدّ؛ لأن التقصير من قِبل النِّظام يورث الشبهة الدارئة للحد.

[68]القطب الراوندي في لب اللباب عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال : الجنة تحت أقدام الأمهات . وقال (صلى الله عليه وآله): تحت أقدام الأمهات، روضة من رياض الجنة.

[69] كتاب من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق: ج3، ص553، الحديث رقم (4908).

[70] سورة التكوير الآية 8و9.

[71] تفسير القمي ج2 ص 314: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ: انْحَرُوا بُدْنَكُمْ وَ احْلِقُوا رُءُوسَكُمْ- فَامْتَنَعُوا وَ قَالُوا كَيْفَ نَنْحَرُ وَ نَحْلِقُ- وَ لَمْ نَطُفْ بِالْبَيْتِ وَ لَمْ نَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةِ، فَاغْتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ ذَلِكَ وَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ انْحَرْ أَنْتَ وَ احْلِقْ- فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ حَلَقَ- وَ نَحَرَ الْقَوْمُ عَلَى حَيْثُ يَقِينٍ وَ شَكٍّ وَ ارْتِيَابٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص تَعْظِيماً لِلْبُدْنِ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ- وَ قَالَ قَوْمٌ لَمْ يَسُوقُوا الْبُدْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الْمُقَصِّرِينَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَسُقْ هَدْياً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْحَلْقُ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص ثَانِياً رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ- الَّذِينَ لَمْ يَسُوقُوا الْهَدْيَ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ الْمُقَصِّرِينَ- فَقَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُقَصِّرِينَ، ثُمَّ رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ إِلَى التَّنْعِيمِ وَ نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، فَجَاءَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَيْهِ الصُّلْحَ- وَ اعْتَذَرُوا وَ أَظْهَرُوا النَّدَامَةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ وَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ص أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمْ- فَنَزَلَتْ آيَةُ الرِّضْوَانِ نَزَلَ‌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً- لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.

[72] محمد بن شهر آشوب المازندراني مناقب آل أبي طالب (عليه السلام) ج2 ص99، احمد بن حنبل فضائل الصحابة ج1 ص531، المتقي الهندي كنز العمال ج14 ص172.

[73] نهج البلاغة الرسائل والكتب رساله رقم53 تولية أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الاشتر على مصر: (هذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللهِ عَلِيٌ أَميِرُ الْـمُؤْمِنِينَ، مَالِكَ بْنَ الْـحَارِثِ الأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ، حِينَ وَلاَّهُ مِصْرَ: جِبْوَةَ خَرَاجِهَا، وَجِهَادَ عَدُوِّهَا، وَاسْتِصْلاَحَ أَهْلِهَا، وَعِمَارَةَ بِلاَدِهَا. أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللهِ، وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: مِنْ فَرَائِضِهِ وَسُنَنِهِ، الَّتِي لا يَسْعَدُ أَحَدٌ إِلَّا بِاتِّبَاعِهَا.... وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لأَنَّ ذَلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً.

[74] نهج البلاغة الرسائل والكتب، الكتاب45، من كتاب له عليه السلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاري وهو عامله على البصرة.

[75] بل وأكثر بكثير في السنين الأخيرة.

[76] حسب إحدى الصيغ والمعادلات.

[77] والمقصود مع تقطيع الخطب والكلمات الطوال إلى فقرات أو جمل حكمية.

ذات صلة

آليات التوظيف السياسي للتشيع في الاستراتيجية الإيرانية تجاه العراقسيكولوجية الرشوة: لماذا يأخذ من لا يحتاج؟في يومها الدولي.. الديمقراطية في العراق بين صوت الناخب وأثر القرارالنقد التربوي في الفلسفة الكانطيةحين تُدار براكين الشرق الأوسط بعقلية وول ستريت