حين تُدار براكين الشرق الأوسط بعقلية وول ستريت
د. أحمد فاتح محمد
2026-09-15 02:47
تنشأ الأزمات الكبرى في الفلسفة السياسية حين تُختزل مسألة الوجود السياسي في مجرد تبادل نفعي، وحين يُعامل التاريخ بوصفه لوحة إعلانات عقارية قابلة للتسعير والتفاوض. في تجربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الشرق الأوسط، نحن لسنا أمام مجرد خيارات دبلوماسية متباينة، بل أمام تصادم فلسفي حاد بين أنطولوجيا الإنسان الاقتصادي المشبعة بالبراغماتية النيوليبرالية الأمريكية، وأنطولوجيا الإنسان التاريخي المتجذرة في بيئات الشرق الأوسط؛ حيث السياسة شأن وجودي يرتبط بالمعنى والهوية والكرامة، لا بمجرد تعظيم الأرباح وتقليص الخسائر المادية.
ينطلق المنطق الترامبي من فرضية عقلانية إجرائية مفادها أن كل صراع إنساني يمكن إرجاعه، في نهاية المطاف، إلى مصفوفة تكلفة وعائد، وبناءً على ذلك، يصبح التهديد العسكري المباشر والضغط المالي الخانق أدوات كافية لتعديل سلوك أي فاعل عقلاني وإجباره على التراجع. غير أن هذا المنطق يسقط في فخ السذاجة المادية؛ لأنه يتجاهل ما أسماه الفلاسفة، من هيغل إلى فرانسيس فوكوياما، بـ«الكفاح من أجل الاعتراف». في الشرق الأوسط، لا تُقاس القرارات المصيرية بمقاييس الرفاه المعيشي أو النمو السنوي، بل بمقاييس الكرامة الجمعية والسيادة ورفض الاستتباع.
فحين يُخاطب مجتمع أو نظام سياسي بلغة الإكراه العلني والإملاء الإذلالي، فإن التراجع هنا لا يُعد خسارة تكتيكية في لعبة تفاوضية، بل يُنظر إليه كانتحار رمزي وتنازل عن جوهر الذات، وهو ما يجعل خيار المواجهة — مهما كانت كلفته المادية فادحة — خيارًا عقلانيًا تمامًا من منظور الحفاظ على الوجود المعنوي. يتصل بهذا الخلل عجز فكري عن التمييز بين ما هو دنيوي قابل للتفاوض وما هو مقدس غير قابل للمقايضة.
تفترض الفلسفة البراغماتية أن لكل قيمة مقابلًا ماديًا يمكن الوصول إليه عبر المساومة، لذا بدا منطقيًا في عقل ترامب أن تُحل نزاعات تاريخية معقدة عبر مشاريع استثمارية وحزم تنموية مليارية. إلا أن الفلسفة السياسية للمنطقة تقوم على مركزية القيم المطلقة؛ فالأرض والسيادة والذاكرة التاريخية ليست سلعًا تمتلك قيمة استعمالية أو تبادلية، بل هي كينونات تحمل شحنة رمزية تجعل مجرد عرض شرائها بالمال إهانة أخلاقية تقطع مسارات التفاوض بدلًا من أن تفتحها. إن إدخال منطق السوق إلى فضاءات مشحونة بالرمزية الدينية والقومية يؤدي بالضرورة إلى انغلاق المنظومات الإدراكية وتصلب المواقف؛ لأن الأطراف تصبح مقتنعة بأن الصراع لم يعد صراع حدود أو موارد، بل معركة على كينونة الهوية ذاتها.
ويمتد هذا الصدام الفلسفي إلى مفهوم الردع وآليات ممارسة القوة، فالعقلية القائمة على مركزية القوة المادية ترى أن إلحاق الألم وتدمير البنى المادية واغتيال الرموز عناصر كفيلة بكسر إرادة المقاومة وفرض الاستسلام. لكن هذه القراءة تتجاهل أن إرادة الصراع في الشرق الأوسط لا تستمد من التوازن المادي للقوى، بل من شرعية القضية في الوعي الجمعي.
ففي السياقات غير الغربية، لا يؤدي الألم الناجم عن الحصار أو القصف بالضرورة إلى الاستسلام، بل يتحول فلسفيًا إلى برهان إضافي على عدالة الموقف وضرورة الدفاع عن النفس، وبذلك تتحول أدوات الضغط القسري من عوامل ردع إلى وقود يمنح المنظومات المتصلبة تماسكًا داخليًا ومبررًا أخلاقيًا للاستمرار، مما يفرغ القوة العسكرية والاقتصادية العظمى من قدرتها على تحقيق أهدافها السياسية النهائية.
يتوج هذا التباين خلاف عميق حول مفهوم الزمن. يتحرك ترامب وفق زمن خطي، براغماتي، ومقتضب، تحكمه دورات البورصة، وعناوين الإعلام، ومواعيد صناديق الاقتراع؛ إنه زمن يطلب نتائج عاجلة وإعلانات انتصار سريعة تخدم اللحظة الراهنة. بينما يتحرك الشرق الأوسط في فضاء الزمن الحضاري الممتد، حيث تُقاس الأحداث بالقرون لا بالأعوام، وتُدار الصراعات وفق منطق النفس الطويل واستيعاب الصدمات المرحلية بانتظار تبدل التوازنات الدولية وتآكل إرادة الخصم البعيد.
هذا التناقض بين عجلة التاجر وصبر التاريخ يفقد السياسات الأمريكية ديمومتها، ويجعل الصفقات المفروضة بالقوة عابرة وهشة، سرعان ما تتهاوى أمام حقائق الجغرافيا والذاكرة الجمعية. هنا تكمن خطورة مقاربة ترامب في أنها تقود حتمًا إلى سوء تقدير استراتيجي مدمر. فالقوة المجردة، حين تنفصل عن الفهم الفلسفي والأنثروبولوجي العالي للإنسان وسياقاته التاريخية، تصبح قوة عمياء تسيء تفسير الصمت كتراجع، والتمسك بالحقوق كعناد لا عقلاني. وحين تُدار الصراعات الوجودية بالأدوات التقنية لأسواق المال، فإن النتيجة الحتمية ليست إنهاء الحروب أو إبرام صفقات تاريخية، بل تأجيج أزمات صامتة تدفع بالمنطقة بأسرها نحو مواجهات كبرى تتجاوز قدرة صانع القرار على التنبؤ بمآلاتها أو السيطرة على مساراتها.