الرأسمالية ودين الحداثة.. حين يتحول المال من وسيلة إلى قوة مقدسة

دراسة في كتاب «سحر المامون: كيف أصبحت الرأسمالية دين الحداثة» ليوجين مكاراهر

شبكة النبأ

2026-08-26 03:37

تتمحور هذه الدراسة حول كتاب المؤرخ والمفكر الأميركي يوجين مكاراهر «سحر المامون: كيف أصبحت الرأسمالية دين الحداثة»، وتعرض أطروحته وتكوينها التاريخي والفلسفي، ثم تناقش قوتها وحدودها وصلتها بتحولات العمل والاستهلاك والتقنية في العصر الحديث.

تُقدّم الحداثة عادة بوصفها لحظة تحرر الإنسان من عالم السحر والأسطورة، وانتقاله من الخضوع للمقدّس إلى الاحتكام للعقل، ومن تفسير الحياة بالإرادة الإلهية إلى إدارتها بالعلم والتقنية والحساب. ووفق هذه السردية، تراجع الدين تدريجيًا عن مركز الحياة العامة، بينما تقدمت المؤسسات الاقتصادية والسوقية باعتبارها مجالات عقلانية ومحايدة لا تحتاج إلى عقيدة أو طقس أو إيمان، بل إلى المصلحة والمنفعة والكفاءة. غير أن يوجين مكاراهر يقلب هذه الفكرة من أساسها، ويذهب في كتابه الضخم «سحر المامون: كيف أصبحت الرأسمالية دين الحداثة» إلى أن العالم الحديث لم يفقد حاجته إلى المقدّس، وأن الرأسمالية لم تطرد الدين بقدر ما احتلت موقعه، ونقلت التوق إلى الخلاص والامتلاء والخلود من الله والكون إلى المال والسوق والنمو والتقنية.

لا يقول مكاراهر إن الرأسمالية دين بالمعنى العقدي التقليدي، أو إن المصارف تحولت حرفيًا إلى معابد والشركات إلى كنائس، وإنما يدرسها بوصفها نظامًا شاملًا للمعنى والولاء والخيال. فهي لا تنظّم إنتاج السلع وتبادلها فقط، بل تعيد تعريف الإنسان نفسه، وتحدد له معنى النجاح والفشل، وتخبره بما يستحق الرغبة، وكيف يقيس حياته، وفي أي شيء يضع ثقته، وما الصورة التي ينبغي أن يكون عليها مستقبله. وحين يصبح المال مقياس القيمة، والنمو وعدًا لا يجوز التراجع عنه، والعمل دليلًا على الجدارة، والاستهلاك طريقًا إلى تحقيق الذات، والتقنية أفقًا للخلاص، يغادر الاقتصاد موقعه الجزئي داخل المجتمع ويتحول إلى رؤية للعالم.

تكمن قوة الكتاب في أنه لا يناقش الرأسمالية بلغة المؤشرات والأسعار وحدها، بل يبحث في روحها وصورها ورموزها وأخلاقها ووعودها. إنه يسأل عما يحدث داخل الإنسان حين يتعلم أن كل شيء قابل للتسعير، وأن وقته رأس مال، وجسده مشروع، وعلاقاته شبكة منافع، ومعرفته استثمار، وراحته فرصة ضائعة للإنتاج. وفي المقابل، تبرز مشكلة أطروحته في اتساعها؛ إذ يمكن أن تتحول الرأسمالية عنده إلى تفسير يغطي كل مظاهر الحداثة، بما يجعل الفصل صعبًا بين السوق والرأسمالية، وبين الاقتصاد الصناعي والتقدم التقني، وبين الحرية الاقتصادية وعبادة المال. لذلك تستدعي قراءة الكتاب الجمع بين الإنصات إلى عمق نقده، ومساءلة تعميماته، والتمييز بين مشروعية النشاط الاقتصادي وتحول الاقتصاد إلى سلطة تستوعب الحياة كلها.

كتاب استغرق عقدين للبحث عن روح الرأسمالية

صدر الكتاب عن دار بلكناب التابعة لجامعة هارفارد سنة 2019 في نحو ثمانمائة صفحة، بعد مشروع فكري استغرق من مؤلفه قرابة عشرين عامًا. وهو ليس كتابًا تقنيًا في علم الاقتصاد، ولا تاريخًا مؤسسيًا لتطور الشركات والأسواق، بل عمل مركب في التاريخ الفكري والثقافي، يستعين بالأدب واللاهوت والفلسفة والفن وتاريخ الإدارة والإعلان والتقنية لفهم المخيلة التي أحاطت بالرأسمالية ومنحتها سلطتها الأخلاقية والروحية. وتشير [صفحة الكتاب لدى جامعة هارفارد إلى أن مكاراهر يتتبع الكيفية التي استولت بها الرأسمالية على توق الإنسان إلى الألوهية، ويبحث عن بديل أكثر إنسانية وقربانية في تراث الرومانسيين ونقاد المجتمع الصناعي.

حظي الكتاب باهتمام واسع في الصحافة والدوريات الأكاديمية؛ فنوقش في [المجلة الأميركية للتاريخ] و[مجلة تاريخ الأعمال] و[مجلة تاريخ الكنيسة] و[مجلة التاريخ الحديث]، أما مراجعة «الغارديان» فوصفته بأنه عمل استثنائي في التاريخ الفكري، ومرافعة سجالية، ونبوءة مسيحية في وقت واحد، مع ملاحظة أن سعته تكاد تجعله ثلاثة كتب مجتمعة في كتاب واحد.

هذه الطبيعة المركبة ضرورية لفهم مستواه وحدوده. فمكاراهر ليس اقتصاديًا يحاول قياس آثار الأسواق في النمو والفقر، بل مؤرخ أفكار يسعى إلى الكشف عن الميتافيزيقا المستترة تحت اللغة الاقتصادية. لذلك لا ينبغي محاكمة الكتاب كما لو كان تقريرًا عن الناتج المحلي أو دراسة عن كفاءة الأسعار، كما لا ينبغي قبوله بوصفه حكمًا نهائيًا على كل أشكال السوق. إنه يقدم عدسة قوية لرؤية ما لا تظهره الحسابات عادة: تحويل المنفعة إلى معيار أخلاقي، وامتداد منطق السوق إلى العلاقات، وتكوين الإنسان على اعتبار ذاته أصلًا قابلًا للاستثمار، واستبدال السؤال «ما الحياة الجيدة؟» بالسؤال «ما الأكثر ربحًا وكفاءة؟».

«المامون».. عندما يحتل المال موقع القيمة العليا

اختيار كلمة «المامون» في عنوان الكتاب يحمل دلالة لاهوتية مباشرة. فالمامون في التراث المسيحي رمز للثروة حين تتحول إلى سيد ينازع الله ولاء الإنسان، وليس مجرد اسم للنقود أو الممتلكات. ومن هنا فإن «سحر المامون» لا يعني قوة المال الشرائية وحدها، بل القدرة التي يكتسبها المال على جذب الخيال، وتحديد المرغوب، وصناعة الهيبة، ومنح الشعور بالأمن والمعنى. يصبح المال عندئذ أكثر من أداة محايدة؛ يتحول إلى وعد بأن الإنسان يستطيع بواسطته أن يسيطر على القلق والمستقبل والمرض والمكانة، وأن يحقق استقلالًا شبه مطلق عن الآخرين وعن الطبيعة.

يستعمل مكاراهر معنى «السحر» بعكس السردية الحديثة التي ترى العقلنة الاقتصادية نقيضًا للسحر. فالسوق في ظاهرها عالم من الأسعار والحوافز والحساب، لكنها في المخيلة الحديثة تُمنح قدرة شبه غيبية على تنظيم المصالح المتعارضة وتحقيق الخير العام. ويُتحدث عنها كما لو أنها تعرف أكثر مما يعرف الأفراد والدول، وتعاقب السياسات السيئة، وتكافئ الكفاءة، وتستعيد توازنها بعد الأزمات. ولا يعني ذلك أن آلية الأسعار وهم كامل؛ فللأسواق وظائف حقيقية في تنسيق المعلومات والطلب والعرض، لكن المشكلة تبدأ حين تنتقل هذه الوظيفة إلى إيمان بأن السوق حكم أخلاقي أيضًا، وأن النتائج التي تنتج عنها عادلة لمجرد أنها نتجت عن التبادل.

المال في هذه المنظومة ليس الإله الوحيد، بل الوسيط الذي يجعل العالم قابلًا للمقارنة والقياس. أشياء مختلفة في طبيعتها، مثل الأرض والوقت والعمل والفن والرعاية والتعليم، يمكن أن تُترجم إلى أسعار، فتدخل في فضاء واحد من التقييم. وهذه القدرة مفيدة للتبادل، لكنها تصبح خطرة عندما يختفي الفرق بين ما له سعر وما له قيمة؛ فالرعاية الأسرية قد تكون غير مربحة لكنها جوهرية للحياة، والتأمل لا يضيف إلى الناتج لكنه يحمي معنى الوجود، والطبيعة ليست مجرد مخزون من المواد حتى إذا عجز السعر عن التعبير عن قيمتها.

لهذا لا تكون عبادة المال فعلًا صريحًا يعترف به الإنسان، بل ترتيبًا ضمنيًا للأولويات. فحين تصبح القرارات الكبرى في التعليم والصحة والسياسة والثقافة خاضعة لما يمكن قياسه ماليًا فقط، يكون المال قد انتقل من خدمة القيم إلى تقريرها. وحين يُنظر إلى الفقير بوصفه أقل جدارة، وإلى الثري بوصفه أكثر نجاحًا واستحقاقًا، يتحول الثراء من واقع اقتصادي إلى علامة أخلاقية. عندها لا يعود المال شيئًا نملكه، بل يصبح قوة تحدد كيف نرى أنفسنا والآخرين.

العالم لم يفقد سحره.. بل غيّر موضع المقدّس

يدخل مكاراهر في حوار عميق مع ماكس فيبر، ولا سيما مع أطروحته عن «نزع السحر عن العالم» وعن العلاقة بين الأخلاق البروتستانتية ونشوء روح الرأسمالية. رأى فيبر أن الإصلاح الديني، وخصوصًا في تياراته التقشفية، أسهم في تكوين إنسان منضبط يعمل بانتظام، ويعيد استثمار أرباحه، ويتعامل مع النجاح الدنيوي بوصفه علامة محتملة على القبول الديني. ومع الزمن تراجعت الغاية الدينية وبقي الانضباط الاقتصادي داخل ما وصفه فيبر بالقفص الحديدي للعقلنة الحديثة.

يتفق مكاراهر مع فيبر في وجود صلة تاريخية عميقة بين الدين وتكوّن الرأسمالية، لكنه يختلف معه بشأن النتيجة. ففي رأيه لم تنتهِ العملية إلى عالم بلا سحر، بل إلى سحر جديد ومشوّه؛ لم يختفِ التوق إلى المقدّس، وإنما أُعيد توطينه داخل الاقتصاد. تحولت العناية الإلهية إلى ثقة في آليات السوق، والخلاص إلى تقدم مادي، والدعوة الدينية إلى مهنة، والفضيلة إلى إنتاجية، والبركة إلى نمو، والفردوس إلى مستقبل تقني وفير. لذلك يصف الرأسمالية بأنها شكل من «السحر السيئ»، لأنها تعد الإنسان بالامتلاء لكنها تعيد إنتاج نقصه باستمرار.

وتتقاطع هذه الرؤية مع قطعة والتر بنيامين القصيرة «الرأسمالية بوصفها دينًا»، التي كُتبت سنة 1921. كان بنيامين أكثر حدة؛ إذ رأى الرأسمالية ديانة شعائرية مستمرة لا تعرف أيام راحة، ولا تقدم التكفير والخلاص، بل تراكم الذنب والدَّين. وتكتسب الفكرة عمقًا إضافيًا من التداخل في اللغة الألمانية بين الدَّين المالي والشعور بالذنب. فالإنسان المديون لا يحمل التزامًا ماليًا فقط، وإنما قد يشعر بأنه أخفق أخلاقيًا، وأن عليه أن يعمل أكثر ويستهلك أقل ويعيد تشكيل حياته كلها لإرضاء النظام الذي أدانه.

غير أن مكاراهر لا يكرر فيبر أو بنيامين، بل يبني تاريخًا واسعًا للصور التي أعطت الرأسمالية سحرها. يستدعي الأدباء والشعراء والمصلحين الدينيين ونقاد الصناعة ومفكري الإدارة والمعلنين والمصممين والتقنيين، ليبين أن الرأسمالية ليست فكرة اقتصادية تقيم في الكتب، بل خيال حضاري يتجسد في المصنع والمدينة والإعلان والمكتب والسلعة. وهي تستمر لأنها لا تُفرض بالقوة وحدها، بل تنجح في تقديم نفسها بوصفها طريقًا إلى الحرية والازدهار وتحقيق الذات.

كيف أصبحت الرأسمالية نظامًا دينيًا للمعنى؟

لا يكفي للقول إن الرأسمالية تشبه الدين أن يكون الناس شديدي التعلق بالمال؛ فالتعلق موجود في حضارات كثيرة. ما يريد مكاراهر إظهاره هو أن الرأسمالية الحديثة تبني شبكة مترابطة من القيم والوعود والطقوس، وتعيد تفسير العالم من خلالها. ففي الأديان توجد صورة للإنسان والخير والشر والخلاص والجماعة والمستقبل، والرأسمالية، وفق قراءته، تنتج بدورها تصورًا للإنسان باعتباره كائنًا يسعى إلى المنفعة، وللخير باعتباره نموًا ووفرة، وللشر باعتباره فشلًا أو تعطيلًا للكفاءة، وللخلاص باعتباره تحررًا من الندرة بواسطة التقنية والاستهلاك.

السوق في هذا النظام ليست مجرد مكان، بل مبدأ تفسيري. يُفترض أن المنافسة تكشف الكفاءة، وأن السعر يعبر عن القيمة، وأن الاختيار الفردي يحقق الحرية، وأن التراكم يوسع الفرص. وقد تكون لهذه المبادئ صحة جزئية في ظروف محددة، لكن تحويلها إلى قواعد تشمل كل مجالات الحياة يجعلها أقرب إلى العقائد غير القابلة للمساءلة. فعندما يُعاد تنظيم المدرسة والمستشفى والجامعة والأسرة وفق منطق المؤسسة التجارية، لا يعود السوق أداة داخل المجتمع، بل يصبح المجتمع نفسه سوقًا.

أما النمو الاقتصادي فيؤدي وظيفة الوعد المستقبلي. فالتفاوت والضغط البيئي والعمل المرهق يمكن تبريرها مؤقتًا لأن النمو القادم سيزيد الثروة ويتيح معالجة المشكلات. وإذا لم يتحقق الوعد، لا يُعاد النظر في مركزية النمو، بل تُطلب جولة أخرى منه. وهكذا يصبح المستقبل أرض الخلاص المؤجل باستمرار. ومع أن رفع الإنتاج وتحسين المعيشة ضرورة إنسانية، فإن الفارق كبير بين نمو يخدم حاجات المجتمع ونمو يتحول إلى غاية ذاتية لا يستطيع النظام البقاء من دونها.

ويؤدي الاستهلاك وظيفة شعائرية؛ إذ لا يشتري الفرد الشيء لمنفعته فقط، بل يشتري صورة عن نفسه. تمنحه السلعة موقعًا وهوية وشعورًا مؤقتًا بالتجدد، ثم تفقد جاذبيتها لتبدأ دورة جديدة. وتعمل الإعلانات على تحويل الاحتياجات إلى رغبات، ثم تربط الرغبات بمعانٍ مثل الحرية والحب والنجاح والتميز. بذلك لا تبيع الرأسمالية السلعة فقط، بل تبيع حالة روحية يتوقع المستهلك أن يبلغها عبر السلعة، لكنها لا تكتمل؛ لأن اكتمالها سيوقف الاستهلاك.

الإنسان الاقتصادي واختزال الطبيعة البشرية

من أكثر الجوانب أهمية في الكتاب نقده لصورة «الإنسان الاقتصادي»، أي ذلك الفرد الذي يُفترض أنه يتخذ قراراته وفق حساب المنفعة والتكلفة ويبحث عن تعظيم مصلحته. يدرك الاقتصاديون أن هذا النموذج أداة تحليلية مبسطة، وليس بالضرورة وصفًا أخلاقيًا مكتملًا للإنسان. لكن مكاراهر يهتم بما يحدث عندما تتجاوز الأداة حدودها وتتحول إلى تصور ثقافي: يبدأ الناس في إعادة تشكيل أنفسهم بما يطابق النموذج، ويصبح السلوك الذي كان مجرد افتراض نظري معيارًا للمؤسسات والسياسات.

الإنسان في هذا التصور كائن مستقل، يملك نفسه وقدراته، ويدخل علاقاته كما يدخل العقود. وهو يقيس التعليم بمقدار العائد المتوقع، والعمل بمقدار الدخل والمكانة، والعلاقات بمقدار ما تضيفه إلى فرصه. حتى العناية بالصحة قد يعاد تفسيرها بوصفها حفاظًا على «رأس المال البشري»، والقراءة استثمارًا في المهارات، والصداقات شبكة اجتماعية، والسمعة علامة شخصية قابلة للتسويق. ولا يعني ذلك أن التخطيط للمستقبل أو تنمية المهارات أمران سلبيان، بل إن المشكلة في اللغة التي تعيد وصف الإنسان كله بمفردات رأس المال.

يعارض مكاراهر هذا الاختزال برؤية ترى الإنسان كائنًا باحثًا عن المعنى، لا عن المنفعة وحدها، وأن الحياة الجيدة تقوم على المحبة والصداقة والجمال والعمل المتقن والانتماء إلى الطبيعة والجماعة. فالبشر يقدمون تضحيات لا يمكن تفسيرها بمنطق الربح، ويعملون أحيانًا لما يحبونه حتى حين يكون العائد قليلًا، ويرتبطون بأماكن وأشخاص لا يمكن استبدالهم ببدائل أكثر كفاءة. وإذا عجز النموذج الاقتصادي عن رؤية هذه الأبعاد، فالمشكلة لا تبقى نظرية؛ إذ قد تصمم المؤسسات بطريقة تعاقب السلوك التعاوني وتكافئ السلوك الأناني، ثم تستخدم النتيجة دليلًا على أن الإنسان أناني بطبيعته.

هذه إحدى أقوى أفكار الكتاب؛ لأن تحول الإنسان إلى مشروع اقتصادي لا يحتاج إلى مؤامرة أو سلطة مركزية. يكفي أن تصبح المؤسسة مطالبة بقياس كل شيء، وأن تُربط المكافآت بما يمكن قياسه، حتى يبدأ الأفراد في تكييف حياتهم مع المؤشرات. وعندما تنفصل الأرقام عن الغايات، قد تتحسن النتائج المقاسة بينما تتدهور القيمة الحقيقية؛ يزداد عدد المنشورات العلمية وتتراجع المعرفة، وتتسع ساعات العمل وتضعف الإنتاجية، ويرتفع الإنفاق الصحي ولا تتحسن الصحة بالقدر نفسه.

أخلاق العمل.. من عمارة الحياة إلى عبودية الإنتاج

يمنح مكاراهر العمل موقعًا مركزيًا في تشكل دين الرأسمالية. فالعمل في الحضارات السابقة كان ضرورة وواجبًا ومجالًا لإتقان الحرفة وخدمة الجماعة، لكنه بقي محاطًا بأزمنة للراحة والاحتفال والعبادة. أما الرأسمالية الحديثة فوسعت الزمن الاقتصادي تدريجيًا، وحولت الانضباط والإنتاجية إلى فضيلتين مستقلتين، حتى أصبح التوقف عن العمل يحتاج إلى تبرير، بينما يبدو الانشغال الدائم علامة على الأهمية والنجاح.

لقد تحرر كثير من العمال بفضل الحداثة من أشكال قديمة من التبعية، ووفرت الأسواق إمكانات للحركة والاستقلال، لكن هذا التحرر اقترن بتبعية جديدة للأجر والسوق. العامل حر قانونيًا، لكنه يحتاج إلى بيع وقته كي يعيش، ويخضع عمله لمقاييس الكفاءة والسرعة والتكلفة. ومع تطور الإدارة العلمية، جرى تفكيك المهارة إلى حركات محسوبة، ونُقلت المعرفة من العامل إلى النظام الإداري، ثم جاءت الرقمنة لتجعل الرقابة مستمرة وقابلة للقياس.

المشكلة عند مكاراهر ليست في العمل، بل في فصل العمل عن الغاية والمعنى والجمال. فالعمل الإنساني ينبغي أن يجمع العقل واليد والخيال والتعاون، لا أن يحول العامل إلى ملحق للآلة أو للخوارزمية. ولهذا ينجذب المؤلف إلى التراث الرومانسي والحرفي الذي دافع عن العمل المتقن وعن حق الإنسان في رؤية ثمرة جهده والمشاركة في تقرير كيف يُنتج ولماذا.

تظهر راهنية هذا النقد في اقتصاد المنصات وثقافة الأداء؛ فالعامل لا يغادر النظام حين يعود إلى منزله، والهاتف يحمل إليه الرسائل والطلبات والتقييمات. وحتى من يعمل لحسابه قد يخضع لإيقاع أشد قسوة، لأنه يصبح مديرًا ومسوقًا ومراقبًا لنفسه في الوقت نفسه. ويتحول النجاح إلى قدرة على الاستمرار في العمل، بينما يُفسر الإرهاق بوصفه ضعفًا في إدارة الذات لا نتيجة لتنظيم اقتصادي يلتهم الحدود بين العمل والحياة.

الاستهلاك.. طقس متكرر لصناعة هوية غير مكتملة

إذا كانت الرأسمالية الصناعية احتاجت إلى عامل منضبط، فإن الرأسمالية الاستهلاكية احتاجت أيضًا إلى مستهلك لا يصل إلى الاكتفاء. ولذلك لم يعد الإعلان يقدم معلومات عن السلعة فقط، بل تعلم كيف يربطها بأعمق تطلعات الإنسان: الأمان والجاذبية والقبول الاجتماعي والتحرر والنجاح. تشتري السلعة مكانًا داخل قصة يرويها الفرد عن نفسه، وتصبح العلامة التجارية لغة لإعلان الهوية.

لا يمكن تفسير هذه العملية بالجشع الفردي وحده؛ فالرغبات تُصنع داخل بيئة كاملة من الصور والمقارنات والتجديد المتسارع. ما كان كافيًا بالأمس يصبح اليوم قديمًا، وما كان ترفًا يتحول إلى ضرورة اجتماعية، ثم تظهر سلعة جديدة تعد بإصلاح النقص الذي أنتجته السلعة السابقة. وهكذا لا يعتمد النظام على إشباع الرغبة بقدر اعتماده على تجديدها.

من هنا يصف مكاراهر الرأسمالية بأنها «سحر سيئ»: فهي تلمس توقًا إنسانيًا حقيقيًا إلى الجمال والوفرة والانتماء، لكنها تعيد توجيهه نحو أشياء لا تستطيع تحقيقه. فالإنسان لا يريد السيارة أو المنزل أو الهاتف بوصفها مادة فقط، بل يريد ما ترمز إليه من حرية وأمان واعتراف، غير أن المعنى المنشود لا يستقر داخل السلعة. لذلك قد يرتفع الدخل وتتوسع الممتلكات من دون أن يتولد الشعور بالكفاية.

ولا تعني هذه القراءة إدانة الاستهلاك في ذاته؛ فالإنسان يحتاج إلى السلع، وتحسين مستوى العيش مكسب حضاري. السؤال هو: متى ينتقل الاستهلاك من تلبية الحاجة إلى صناعة الإنسان؟ ومتى يصبح حق الاختيار بين المنتجات بديلًا عن الحرية السياسية والاجتماعية؟ ومتى تُختزل المواطنة في قدرة الفرد على الشراء؟ هنا يقدم الكتاب تفسيرًا مهمًا لقوة الرأسمالية؛ فهي لا تستمر بالقهر فقط، بل بتقديم سلع ورموز تمنح الأفراد متعًا حقيقية، وإن كانت لا تفي بالوعود الوجودية التي تُحمّل بها.

التقنية والخلاص من حدود الإنسان

يولي مكاراهر اهتمامًا كبيرًا للعلاقة بين الرأسمالية والتقنية، لكنه لا يقع في رفض مبسط للآلة. جوهر نقده أن التقنية حملت تدريجيًا معنى يتجاوز وظيفتها العملية، وصارت وعدًا بحل كل مشكلة بشرية: زيادة الإنتاج ستقضي على الندرة، والأتمتة ستحرر الإنسان من العمل، والطب سيهزم المرض، والاتصال سيقضي على العزلة، والبيانات ستجعل القرارات أكثر عقلانية.

حققت التقنية بالفعل إنجازات هائلة، ولا يمكن تقييم الحداثة من دون الاعتراف بتراجع وفيات الأطفال، وتحسن العلاج والاتصال والنقل والإنتاج. لكن المشكلة تكمن في تحويل الإمكان التقني إلى غاية أخلاقية، وفي افتراض أن كل ما يمكن صنعه ينبغي صنعه، وأن كل تسارع تقدم، وأن حل الأزمات الاجتماعية يحتاج دائمًا إلى جهاز أو منصة جديدة. فالتقنية لا تدخل عالمًا محايدًا؛ تتشكل وفق المصالح والملكية وأنماط التمويل، وقد تستخدم لتقليل العمل أو لتكثيفه، ولتوسيع المعرفة أو لمراقبة الإنسان وتحويل انتباهه إلى سلعة.

تبدو هذه الفكرة أكثر وضوحًا في عصر المنصات والذكاء الاصطناعي. لم يناقش مكاراهر موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي الراهنة بصورتها الحالية، لكن منطقه يساعد على فهم اللغة الخلاصية المحيطة بها؛ إذ تُقدم التقنية أحيانًا بوصفها عقلًا أعلى سيحل مشكلات التعليم والصحة والإدارة، ويحرر البشر من الأعمال المملة، من دون سؤال كافٍ عن ملكية الأدوات وتوزيع ثمارها وأثرها في المعنى والمهارة والسلطة. ويتحول انتظار المستقبل التقني إلى طريقة لتأجيل إصلاح الحاضر: بدل إعادة توزيع الوقت والثروة، ننتظر آلة تزيد الوفرة؛ وبدل إصلاح المؤسسات، ننتظر خوارزمية تتخذ القرار الأفضل.

البديل عند مكاراهر ليس العودة إلى ما قبل التقنية، بل إخضاعها لمعيار الحياة الجيدة. قيمة التقنية لا تُحدد بقدرتها على زيادة السرعة فقط، وإنما بما تتيحه من وقت وكرامة ومشاركة وجمال، وبمدى خضوعها لاحتياجات الإنسان بدل إخضاع الإنسان لمنطقها. وهذا يلتقي مع نقده للنمو: فالسؤال ليس كم نستطيع أن ننتج، بل ماذا ينبغي أن ننتج، ولأي غاية، ومن يقرر، ومن يتحمل الأضرار.

الرأسمالية بين الحرية والتبعية

من أهم وعود الرأسمالية أنها توسع حرية الفرد في التملك والعمل والاختيار، وقد كان لهذا الوعد أثر تاريخي حقيقي في تفكيك كثير من البنى الإقطاعية والقيود الموروثة. غير أن مكاراهر يلفت إلى أن الحرية السوقية قد تخفي تبعيات جديدة؛ فالعامل حر في بيع عمله، لكنه لا يملك دائمًا بديلًا واقعيًا، والمستهلك حر في الاختيار بين السلع، لكنه يعيش داخل بيئة تصنع رغباته، وصاحب المشروع حر في المنافسة، لكنه قد يخضع لشركات احتكارية تتحكم في المنصات والتمويل والمعلومات.

بهذا المعنى، لا تكفي الحرية القانونية لتفسير توزيع القوة. فعقد العمل قد يكون طوعيًا من الناحية الشكلية، مع وجود تفاوت كبير في القدرة على التفاوض. والقرض قد يكون اختيارًا، لكنه يصبح ضرورة في مجتمع تُربط فيه الدراسة والسكن والعلاج بالدَّين. وحين تتراكم الديون، يتحول المستقبل نفسه إلى ضمانة للحاضر، ويصبح على الإنسان أن يبيع سنوات عمله المقبلة قبل أن يعيشها.

يعيد ذلك الدراسة إلى فكرة بنيامين عن تداخل الدَّين والذنب. فالرأسمالية لا تعرض نفسها بوصفها بنية يمكن أن تنتج الإخفاق، بل تعلم الفرد أن يحمل مسؤولية مصيره كاملة. إذا فشل مشروعه أو فقد وظيفته أو عجز عن شراء المنزل، فقد يُقال إنه لم يخطط جيدًا أو لم يطور نفسه بما يكفي. وهنا تتحول الحرية إلى عبء أخلاقي؛ يُطلب من الفرد أن يدير المخاطر التي تنتجها مؤسسات لا يملك السيطرة عليها.

مع ذلك، يحتاج نقد مكاراهر إلى تمييز واضح بين الحرية الاقتصادية وبين أيديولوجيا السوق المطلقة. فإمكان اختيار المهنة وتأسيس المشروع والتبادل الطوعي مكاسب لا ينبغي التقليل منها، كما أن سيطرة الدولة المركزية يمكن أن تنتج تبعية أشد. الإشكال ليس أن السوق تمنح الاختيار، بل أن اختيار المستهلك يُعامل بوصفه الصورة الكاملة للحرية، وأن علاقات القوة داخل السوق تُترك خارج المساءلة.

من المصنع إلى الشركة «ذات الروح»

يتتبع مكاراهر تاريخ المحاولات التي سعت إلى منح المؤسسة الرأسمالية معنى يتجاوز الربح. فمع اتساع الشركات وظهور الإدارة الحديثة، لم يعد ممكنًا تقديم العمل بوصفه صفقة أجر فقط؛ احتاجت المؤسسة إلى ولاء العامل، وإلى إقناعه بأن الشركة مجتمع ورسالة وهوية. ظهرت لغة «روح الشركة» و«ثقافتها» و«رؤيتها»، وأصبحت الإدارة معنية بتشكيل الدوافع والمشاعر، لا بتنظيم المهام وحدها.

ليس وجود رسالة للمؤسسة أمرًا سلبيًا في ذاته؛ فالمؤسسات تحتاج إلى قيم، وقد تحقق أغراضًا اجتماعية حقيقية. لكن مكاراهر يرى أن الرأسمالية قادرة على امتصاص النقد الموجه إليها وإعادة بيعه. فإذا انتقد الناس العمل البيروقراطي، قدمت الشركات المرونة والإبداع؛ وإذا رفضوا الصرامة الهرمية، تبنت لغة الفرق والمشاركة؛ وإذا بحثوا عن المعنى، أصبحت الوظيفة رسالة شخصية. وفي كل مرة يُدمج التطلع الإنساني داخل نظام الإنتاج من دون أن تتغير بالضرورة ملكية القرار أو توزيع العوائد.

تتضح هذه العملية في ثقافة الشركات التقنية التي جمعت بين العمل واللعب، وقدمت المكاتب بوصفها مجتمعات إبداعية، وطلبت من الموظف أن يجلب «ذاته الكاملة» إلى العمل. ظاهريًا يبدو ذلك أكثر إنسانية من المصنع القديم، لكنه يسمح أيضًا للمؤسسة بالوصول إلى المشاعر والخيال والهوية. لم تعد تشتري ساعات العامل فقط، بل تطلب حماسه وإبداعه وإيمانه بالمشروع.

هذه إحدى صور الرأسمالية بوصفها دينًا: المؤسسة لا تكتفي بالطاعة، بل تطلب الإيمان. وتعلن غاية سامية، وتنتج طقوسًا جماعية، وتكرم المؤسسين، وتبني سردية عن المستقبل. غير أن الاختبار الحقيقي يبقى في توزيع السلطة والثروة؛ فإذا كانت الرسالة الإنسانية تغطي علاقات غير عادلة، تصبح القيم أداة إدارية بدل أن تكون قيدًا أخلاقيًا على المؤسسة.

البديل الرومانسي.. استعادة العالم بوصفه ذا معنى

لا يلجأ مكاراهر إلى الماركسية التقليدية بوصفها البديل الأساسي، لأنه يرى أن تيارات واسعة من اليسار شاركت الرأسمالية إيمانها بالنمو والتقنية والسيطرة على الطبيعة، واختلفت معها أساسًا في ملكية وسائل الإنتاج وتوزيع الثروة. وهو يبحث بدلًا من ذلك في تراث رومانسي وقرباني يضم شعراء وفنانين ومصلحين دينيين ونقادًا للصناعة، رأوا العالم أكثر من مادة خام، والعمل أكثر من وسيلة للدخل، والطبيعة أكثر من مخزن للموارد.

المقصود بـ«القربانية» هنا تصور يرى العالم مشبعًا بالمعنى، وأن الأشياء والكائنات لا تستمد قيمتها من منفعتها الاقتصادية وحدها. في هذا التصور لا يقف الإنسان خارج الطبيعة مالكًا مطلقًا لها، بل يعيش داخل شبكة من العلاقات والمسؤوليات. والعمل الجيد يربط العقل باليد والإبداع بالتعاون، ويتيح للإنسان المشاركة في صنع عالم مشترك.

يستدعي مكاراهر الحرفة والمشاعات والتعاون والجمال، ويضع المحبة والتأمل واللعب ضمن الأعمال التي لا تقاس بالربح لكنها تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. وهو لا يدعو ببساطة إلى العودة إلى القرية القديمة، بل يريد استعادة عناصر همشتها الحداثة الرأسمالية: حدود النمو، وقيمة الوقت غير المنتج، وكرامة العمل اليدوي، والمشاركة المحلية، والانسجام مع الطبيعة.

لكن هذا البديل هو أيضًا أضعف أجزاء الأطروحة من الناحية المؤسسية. فهو غني أخلاقيًا وفقير نسبيًا في بيان كيفية تنظيم اقتصاد معقد يضم مدنًا ضخمة وسلاسل توريد عالمية وطبًا متقدمًا وبنى تحتية كثيفة. كيف تُحدد الأسعار؟ وكيف تُوزع الموارد النادرة؟ وكيف تُمول المشروعات الكبيرة؟ وكيف تُمنع المجتمعات المحلية من الانغلاق والاستبعاد؟ لا تكفي الدعوة إلى الحرفة والجمال للإجابة عن هذه الأسئلة، وإن كانت ضرورية لتذكير الاقتصاد بغاياته.

أين يصيب مكاراهر؟

تتمثل الإصابة الأولى في كشفه أن الرأسمالية ليست جهازًا خارجيًا يمكن فصله عن الثقافة، بل طريقة في النظر إلى الإنسان والعالم. فهي تنتج مفرداتها الأخلاقية: الكفاءة، والجدارة، والمنافسة، والمرونة، والاستثمار في الذات. وهذه الكلمات ليست خاطئة بذاتها، لكنها تكتسب سلطة حين تُفصل عن أسئلة العدالة والغاية.

أما الإصابة الثانية فهي نقد وهم الحياد. فالسوق لا تعمل في فراغ؛ تحدد القوانين ما يمكن تملكه وتبادله، وتحدد المؤسسات من يتحمل المخاطر، وتؤثر الأعراف في تقدير الأعمال. لذلك فإن تحويل نتيجة السوق إلى حكم طبيعي يخفي القرارات السياسية والأخلاقية التي سبقتها.

وتتمثل الإصابة الثالثة في الربط بين الاستهلاك والبحث عن المعنى. فالدعاية الحديثة لا تستطيع النجاح لو كانت الرغبات مادية خالصة؛ إنها تنجح لأنها تلامس حاجة حقيقية إلى الحب والاعتراف والجمال، ثم تربطها بالسلع. ويساعد هذا التفسير على فهم لماذا لا يقود ارتفاع الاستهلاك بالضرورة إلى الاكتفاء.

أما الإصابة الرابعة فهي نقد عبادة النمو. فالمجتمع يحتاج إلى الإنتاج، لكن النمو الكمي لا يخبرنا وحده بنوعية الحياة أو توزيع الثروة أو كلفة التلوث أو تماسك العلاقات. وقد يرتفع الناتج بسبب معالجة الأضرار التي أنتجها الاقتصاد نفسه. لذلك يجب أن يبقى النمو وسيلة تخضع لغايات أوسع.

وتتمثل الإصابة الخامسة في دفاعه عن الوقت غير الخاضع للربح. فالراحة والعناية والتأمل والصداقة ليست فراغًا اقتصاديًا، بل شروط لإعادة إنتاج الإنسان والمجتمع. وإذا لم تظهر قيمتها في الحسابات، فذلك يكشف حدود الحساب لا انعدام القيمة.

أين تتسع الأطروحة أكثر مما ينبغي؟

المشكلة الأولى أن مفهوم الرأسمالية في الكتاب واسع إلى درجة قد تضم داخله كل الاقتصاد الحديث تقريبًا. فالرأسمالية التجارية والصناعية والمالية والرقمية ليست شكلًا واحدًا، كما تختلف اقتصادات السوق الاجتماعية عن النماذج النيوليبرالية. وإذا لم تُراع هذه الفروق، تصبح الممارسات المتباينة تجليات لدين واحد، ويضعف التفسير التاريخي.

المشكلة الثانية أن تشبيه الرأسمالية بالدين قد يكون كاشفًا، لكنه يظل تشبيهًا يحتاج إلى حدود. فالدين يتضمن تصورًا للوجود وعبادة وجماعة وأخلاقًا وعلاقة بالمطلق، بينما الرأسمالية نظام ملكية وإنتاج وتبادل تطور تاريخيًا. صحيح أنها قد تؤدي وظائف دينية، لكن وصفها بالدين الكامل قد يطمس الاختلاف بين الإيمان الصريح وبين الخضوع العملي لمنطق السوق.

المشكلة الثالثة أن مكاراهر لا يمنح الإنجازات المادية للأسواق والتقنية وزنًا يوازي نقده. فقد أسهمت الأسواق والاستثمارات والمنافسة، إلى جانب الدولة والعلم والمؤسسات الاجتماعية، في رفع الإنتاج وتحسين الصحة وتوسيع الخيارات. ولا يعني الاعتراف بهذه النتائج تبرئة الرأسمالية من الاستغلال، بل يمنع بناء بديل أخلاقي يتجاهل مسائل الحوافز والندرة والتنسيق.

وقد ركزت مراجعة ناقدة نشرها [معهد كاتو] على هذا القصور، معتبرة أن الكتاب لا يشتبك بما يكفي مع الاقتصاديين والمؤرخين الذين درسوا منافع الأسواق والابتكار، وأنه أغفل حوارًا ضروريًا مع أعمال ديردري مكلوسكي المدافعة عن القيم البرجوازية. ورغم أن المراجعة تنطلق من موقع مؤيد للسوق، فإن اعتراضها مشروع: لا يمكن تقييم الرأسمالية أخلاقيًا من دون مقارنة أضرارها بمكاسبها وبالبدائل الواقعية.

المشكلة الرابعة أن البديل الرومانسي قد يتحول إلى حنين إلى مجتمعات سابقة كانت بدورها فقيرة وغير متكافئة ومقيدة للحريات. قيمة الحرفة والمجتمع المحلي لا تعني أن كل ما قبل الصناعة كان أكثر إنسانية. لذلك ينبغي ترجمة الرؤية الأخلاقية إلى مؤسسات معاصرة: شركات تعاونية، وملكية موزعة، وحماية للعمل، وسياسات للمنافسة، ووقت للراحة، وحدود بيئية، وخدمات عامة، لا الاكتفاء بصورة شاعرية للعالم.

هل يمكن تحرير الاقتصاد من دين المال؟

لا يقود نقد مكاراهر بالضرورة إلى إلغاء السوق، الطريق الأكثر واقعية هو إعادة الاقتصاد إلى موقعه الطبيعي بوصفه وسيلة لتنظيم الموارد وخدمة الحياة، لا نظامًا يقرر معنى الحياة. وهذا يتطلب مراجعة المفاهيم قبل السياسات؛ لأن المؤسسات تعكس تصورًا ضمنيًا عن الإنسان والنجاح والحرية.

الخطوة الأولى هي التمييز بين القيمة والسعر. فالسعر أداة ضرورية لتنسيق جانب من الموارد، لكنه لا يستطيع التعبير عن كل القيم. لذلك تحتاج المجتمعات إلى حماية مجالات لا يجوز تركها بالكامل للقدرة الشرائية، مثل العدالة والتعليم الأساسي والصحة والبيئة والعلاقات الأسرية. وليس المقصود إخراجها تمامًا من الحساب، بل منع الحساب المالي من أن يكون الحكم الوحيد عليها.

الخطوة الثانية إعادة تعريف العمل. فإذا كان الإنسان أكثر من منتج، فلا بد أن تحمي المؤسسات حقه في الراحة والأسرة والمشاركة والتعلم، وأن تُقاس جودة الوظيفة بمعناها وأمانها وعدالتها، لا بالأجر وحده. ويمكن أن تؤدي التقنية دورًا تحرريًا إذا استُخدمت لتقليل الأعمال المرهقة وتقاسم ثمار الإنتاجية، لا لزيادة الرقابة ورفع الإيقاع بلا حدود.

الخطوة الثالثة تفكيك التلازم بين الاستهلاك وتحقيق الذات. وهذا لا يتم بالمواعظ الفردية فقط؛ لأن الرغبات تصنعها بنى الإعلان والتنافس الاجتماعي والائتمان السهل والتقادم المتعمد للسلع. يحتاج الأمر إلى ثقافة للاكتفاء، وسياسات تحمي المستهلك، وتصميم لمدن وخدمات تسمح بحياة جيدة لا تعتمد كليًا على الشراء.

الخطوة الرابعة إخضاع النمو لأسئلة التوزيع والغاية والبيئة. ليس كل نمو متساويًا؛ فالنمو الناتج عن تحسين الصحة والتعليم والطاقة النظيفة يختلف عن نمو يعتمد على استنزاف الموارد أو توسيع الديون أو علاج أضرار كان يمكن تجنبها. لذلك ينبغي أن تسأل السياسات: ماذا ينمو؟ ولمن تذهب ثماره؟ وما الذي يتدهور في المقابل؟

الخطوة الخامسة توزيع الملكية والقوة. فالمشكلة ليست تفاوت الدخل وحده، بل تمركز القرار في الشركات والمنصات والمؤسسات المالية. ويمكن توسيع المشاركة عبر التعاونيات، وملكية العاملين، والمنافسة العادلة، ومنع الاحتكار، وشفافية الخوارزميات، وتقوية المؤسسات المحلية. بذلك تصبح الحرية الاقتصادية قدرة فعلية على المشاركة، لا مجرد حرية شكلية في التعاقد.

أما الخطوة السادسة فهي استعادة حدود المال أخلاقيًا. فالملكية حق لكنها ليست مطلقة، والربح مشروع لكنه ليس مبررًا للضرر، والنمو مطلوب لكنه ليس معبودًا، والعمل فضيلة لكنه ليس مقياس قيمة الإنسان، والسوق نافعة لكنها ليست مصدر التشريع الأخلاقي.

خاتمة: حين يستعيد المال حجمه الطبيعي

لا تكمن أهمية كتاب «سحر المامون» في أنه أثبت بصورة نهائية أن الرأسمالية دين، فهذا الوصف سيظل موضع نقاش، وإنما في أنه كشف البعد الذي تغفله التحليلات الاقتصادية عندما تقدم السوق بوصفها جهازًا محايدًا. لقد أصبحت الرأسمالية في الحداثة أكثر من نظام للإنتاج؛ دخلت إلى اللغة والخيال والوقت والرغبة، وأعادت تعريف النجاح والحرية والعمل والتقدم. ومن هذه الزاوية يبدو المال قادرًا على أداء وظيفة شبه مقدسة: يمنح الأمان والاعتراف، ويعد بالاستقلال، ويحدد مواقع الناس، ويقيس ما لا يُقاس.

غير أن اتساع الأطروحة هو مصدر قوتها وضعفها معًا. فهي ترى روابط عميقة بين المال والتقنية والإدارة والاستهلاك، لكنها قد تذيب الفروق بين السوق والرأسمالية، وبين أشكالها المتعددة، وبين منافعها وأضرارها. كما أن البديل الرومانسي الذي يستحضره مكاراهر غني في رؤيته للإنسان والطبيعة والعمل، لكنه يحتاج إلى بناء مؤسسي يوضح كيفية تنظيم اقتصاد حديث ومعقد.

فأزمة الرأسمالية لا تبدأ من وجود المال، وإنما من لحظة انتقاله من الوسيلة إلى الغاية؛ ولا تبدأ من وجود السوق، وإنما من تحولها من مؤسسة داخل المجتمع إلى معيار يحكم المجتمع؛ ولا تبدأ من العمل والإنتاج، وإنما من اختزال الإنسان في عمله وإنتاجيته. وحين يستعيد المال حجمه الطبيعي، يستطيع أن يكون وسيلة للعمران والحرية والكفاية. أما حين يصبح مصدر المعنى والقيمة والخلاص، فلا يعود الإنسان مالكًا للثروة، بل يصبح تابعًا للنظام الذي صنعها.

هوية الكتاب
- الكتاب: العنوان الأصلي: The Enchantments of Mammon
- العنوان الفرعي: How Capitalism Became the Religion of Modernity
- العنوان العربي المقترح: سحر المامون: كيف أصبحت الرأسمالية دين الحداثة
- الكاتب: يوجين مكاراهر (Eugene McCarraher)
- المجال: التاريخ الفكري، نقد الرأسمالية، فلسفة الحداثة، اللاهوت السياسي
- الناشر: دار بلكناب التابعة لجامعة هارفارد
- مكان النشر: كامبريدج، ماساتشوستس، الولايات المتحدة
- تاريخ الإصدار: 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2019
- اللغة الأصلية: الإنجليزية
- عدد الصفحات: 799 صفحة، تسبقها صفحات تمهيدية
- الطبعة: الأولى
- نوع الغلاف: غلاف مقوّى
- ملاحظة: العنوان العربي المذكور تعريب للعنوان الأصلي، وليس توثيقًا لطبعة عربية منشورة.

ذات صلة

البيان الجلي في تفسير الإمام الحسن المجتبى(ع)هل يكون الحقّ وسيلة للتفوّقأثر فقدان مصداقية الدولة على قوتها وهيبتها ونفوذهالماذا تحتاج المجتمعات إلى الاعتبار أكثر من الفخر؟العالم كما ترسمه اللغة