أثر فقدان مصداقية الدولة على قوتها وهيبتها ونفوذها
الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب أنموذجًا
د. عمار أحمد إسماعيل المكوطر
2026-08-26 03:33
تُعد المصداقية السياسية أحد أهم مصادر القوة الناعمة للدولة، إذ لا تقوم الهيبة الدولية على التفوق العسكري والاقتصادي وحدهما، وإنما تتأسس كذلك على الثقة بالتزامات الدولة، وصدق خطابها، واستقرار مؤسساتها، واحترامها لحلفائها والقواعد التي تدعو الآخرين إلى الالتزام بها. وعلى هذا الأساس، تمثل التجربة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب نموذجًا مهمًا لدراسة العلاقة بين تراجع المصداقية وتآكل النفوذ والهيبة الدولية.
أولًا: تناقض التصريحات وتآكل الثقة
أصبح التناقض بين تصريحات الرئيس ترامب ومواقفه السياسية، فضلًا عن كثرة الادعاءات التي ثبت عدم دقتها، عنصرًا مؤثرًا في صورة الولايات المتحدة. وقد وثق فريق التحقق من الحقائق في صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post)، خلال ولاية ترامب الأولى، 30,573 ادعاءً كاذبًا أو مضللًا، بمتوسط يقارب 21 ادعاءً يوميًا. كما استمر رصد ادعاءات مضللة خلال ولايته الثانية.
ولا تكمن المشكلة في عدم دقة بعض التصريحات فحسب، وإنما في تحول عدم الاتساق إلى نمط سياسي؛ الأمر الذي يجعل الحلفاء والخصوم على السواء أكثر حذرًا في تفسير التعهدات الأمريكية. وعندما تفقد تصريحات رأس الدولة قيمتها التنبؤية، تصبح القوة العسكرية والاقتصادية أقل قدرة على إنتاج الثقة، ذلك أن النفوذ يحتاج إلى المصداقية بقدر حاجته إلى القدرة.
ثانيًا: تراجع العمل المؤسسي والديمقراطي
تستند القوة الأمريكية تاريخيًا إلى مؤسسات راسخة، وفصل للسلطات، واستقلال نسبي للمؤسسات الرقابية والقضائية، وتداول للسلطة، وهي عناصر جعلت الولايات المتحدة قادرة على تقديم نفسها بوصفها نموذجًا للحكم الديمقراطي. غير أن الضغوط التي تعرضت لها المؤسسات خلال عهد ترامب، ولا سيما الصراع بين السلطة التنفيذية وبعض المؤسسات المستقلة، والاستقطاب السياسي الحاد، تثير تساؤلات حول قدرة النظام الأمريكي على الحفاظ على التوازن المؤسسي.
وقد أشارت منظمة فريدم هاوس (Freedom House) إلى وجود تحديات ملحة للديمقراطية الأمريكية، كما وثقت في تقريرها عن 2025 صراعات تتعلق باستقلال بعض المؤسسات التنظيمية عن السلطة التنفيذية. ولعل المشكلة هنا ليست انهيار الديمقراطية الأمريكية، فهذا توصيف مبالغ فيه، وإنما تراجع صورتها وقدرتها على تقديم نفسها بوصفها معيارًا عالميًا للحكم الديمقراطي الرشيد.
ثالثًا: التخلي عن الحلفاء وإضعاف الثقة بالالتزام الأمريكي
تقوم التحالفات على مبدأ جوهري هو الثقة بأن الالتزام بالحليف لا يتغير بتغير المزاج السياسي الآني. وقد أثارت مواقف ترامب تجاه حلف شمال الأطلسي، وتصريحاته السابقة بشأن عدم حماية أعضاء لا ينفقون بما يكفي على الدفاع، مخاوف جدية لدى الحلفاء من إمكانية تراجع الالتزام الأمريكي.
وتزداد خطورة هذا الاتجاه عندما يدرك الحلفاء أن الولايات المتحدة قد تستخدم الالتزامات الأمنية أداة تفاوضية للحصول على مكاسب اقتصادية أو سياسية. فحتى دون الانسحاب الرسمي من التحالفات، فإن الشك في استعداد الولايات المتحدة للوفاء بالتزاماتها يكفي لدفع الدول الحليفة إلى تنويع خياراتها الأمنية، وبناء قدرات ذاتية، أو البحث عن بدائل استراتيجية. ومثال ذلك حلف مكة بين كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بعقد اتفاقية دفاع مشترك، بعد تخلي الولايات المتحدة عن الدفاع عن السعودية ودول الخليج الأخرى، إذ تعرضت بعض منشآتها لقصف إيراني بعد أن شنت الولايات المتحدة الحرب عليها.
رابعًا: الانغماس في السياسة الإسرائيلية وشخصنة العلاقة مع نتنياهو
أصبحت العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية في عهد ترامب أكثر ارتباطًا بشخصية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبالخيارات السياسية للحكومة الإسرائيلية. وتظهر التطورات الأخيرة استمرار هذا الارتباط؛ فقد رفض نتنياهو في أغسطس 2026 بعض عناصر خطة ترامب بشأن غزة، بينما واصلت الولايات المتحدة السعي إلى تمريرها، وكذلك استمرار عدوان الكيان الإسرائيلي على لبنان، رغم المفاوضات الجارية بين الطرفين في واشنطن، وتعهد ترامب في مذكرة التفاهم مع إيران بوقف اعتداءات الكيان الإسرائيلي على لبنان.
تكمن الإشكالية الاستراتيجية في أن تحول الولايات المتحدة من وسيط ذي قدرة على التأثير في أطراف الصراع إلى طرف يبدو منحازًا بصورة شديدة لأحدها، يضعف قدرتها على ممارسة الوساطة وإدارة الأزمات. كما أن الارتباط الوثيق بسياسات حكومة إسرائيلية بعينها يمكن أن يحول القضية الإسرائيلية من عنصر في السياسة الخارجية الأمريكية إلى عامل يؤثر في صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، بل وفي المجتمع الأمريكي نفسه؛ وتشير تطورات 2026 إلى اتساع الانقسام الأمريكي الداخلي حول مستوى الدعم لإسرائيل.
وتأصيلًا على ما تقدم يمكن أن نخلص إلى:
إن قوة الدولة لا تُقاس بما تمتلكه من حاملات طائرات وصواريخ وقواعد عسكرية فحسب، إنما بقدرتها على إقناع الآخرين بأن قوتها قابلة للتنبؤ، وأن تعهداتها موثوقة، وأن مؤسساتها مستقرة، وأن تحالفاتها قائمة على المصالح والقواعد لا على المزاج السياسي والشخصنة.
ومن ثم، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الولايات المتحدة في عهد ترامب ليس فقدان جزء من قوتها المادية، وإنما تآكل رأس مالها المعنوي والاستراتيجي. فالقوة الصلبة تستطيع أن تفرض سلوكًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج ولاءً دائمًا أو ثقة مستدامة. وإذا ما استمر هذا التناقض في الخطاب، والاستقطاب المؤسسي، والضغط على الحلفاء، والانحياز المفرط في إدارة الأزمات الدولية، فإن الولايات المتحدة قد تحتفظ بتفوقها العسكري والاقتصادي، لكنها ستجد أن قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى نفوذ سياسي مشروع ومستدام قد أصبحت أكثر كلفة وأقل فاعلية.
وعليه، فإن تراجع مصداقية الدولة يمثل في العلاقات الدولية صورة من صور الضعف الاستراتيجي غير المرئي، إذ إنه لا يظهر في أرقام الناتج المحلي أو حجم الترسانة العسكرية، لكنه يظهر عندما يبدأ الحلفاء بالشك، والخصوم بالتمرد، والشركاء بالبحث عن البدائل، والرأي العام الدولي بفقدان الثقة في الخطاب الأمريكي. وهذه، في جوهرها، هي المفارقة الكبرى؛ حيث قد تبقى الدولة قوية في أدوات القوة، لكنها تصبح أضعف في القدرة على إقناع الآخرين باستخدام تلك القوة لصالحها.