الأربعين.. قضية تتجاوز الدسائس

عباس سرحان

2026-08-05 07:15

يشد الرجل رباط حذائه عند الفجر، يضع على كتفه حقيبة خفيفة، ويخطو خطوته الأولى من النجف أو البصرة أو أي نقطة على امتداد العراق، قاصدًا كربلاء. يعرف أن أمامه أيامًا من المشي المتواصل، وحرًا لافحًا صيفًا وبردًا قارسًا شتاءً، وقدمين ستتشققان قبل أن يصل. ومع ذلك يمضي، وحين تُسأل هذه الملايين التي تتدفق كل عام في هذا الموكب البشري الهادر عن سرّ هذا الإصرار، فإن الجواب الذي يتردد على ألسنتها أعمق مما يتخيله كثيرون ممن يراقبون المشهد من بعيد.

فقد يظن بعضهم أن إحياء الأربعين هو تعبير عاطفي عن الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) لا أكثر، لكن الحقيقة أن إحياء هذه الشعيرة ليس مجرد فعل وجداني، بل هو انسجام شرعي مع نصوص صريحة عن أهل البيت أنفسهم، إذ يُروى عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: "أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا"، فجعل من إحياء أمر أهل البيت سببًا من أسباب رحمة الله.

فالمسير إلى كربلاء، بكل ما فيه من مشقة وتضحية وصبر، هو مصداق عملي لهذا الإحياء، وهو بذلك عبادة وطاعة قبل أن يكون عادة اجتماعية أو موسمًا متوارثًا. وحين نتأمل مكانة الحسين (عليه السلام) في قلب الرسالة المحمدية، نجد أن حبه ليس أمرًا هامشيًا يمكن التهاون فيه، بل هو من صميم الدين، إذ رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا".

فربط النبي الأكرم اسمه واسم رسالته باسم الحسين ربطًا لا انفكاك فيه، جعل من قضية كربلاء امتدادًا حيًا للرسالة الإسلامية ذاتها، لا حدثًا تاريخيًا منفصلًا عنها. ومن هنا، فإن إحياء الأربعين هو، في جوهره، تثبيت للدين وحفظ للرسالة المحمدية من الاندثار أو التحريف أو النسيان، لأن قضية الحسين هي القضية التي حفظت للإسلام معناه الحقيقي بعد أن حاول البعض تفريغه من مضمونه في زمن الانحراف الأموي. فمن يمشي إلى كربلاء إنما يجدد العهد مع الإسلام كما أراده الله ورسوله، لا كما أراده الطغاة والمنحرفون عبر التاريخ.

وبينما يمشي هذا الزائر، يمر بسرادق نُصب على جانب الطريق، فيه مكبر صوت يبث تسجيلًا قديمًا، ويعرف من اللحظة الأولى أن هذا صوت الشيخ عبد الزهراء الكعبي، الذي وُلد عام 1909 وتوفي عام 1974، أحد أشهر خطباء المنبر الحسيني في العراق والخليج العربي، الذي تخصص في قراءة مقتل الإمام الحسين ومسير السبايا، وأُذيعت قراءته الشجية للمقتل لأول مرة عام 1959 من إذاعة بغداد، فانتشرت بعدها في إذاعات عدة وأثّرت في استبصار كثيرين. وما زال صوته وهو يروي "مسير السبايا" يُسمع في المواكب والمجالس حتى اليوم، وكأن الزمن لم يمرّ عليه.

ثم يبتعد قليلًا فيسمع من خيمة هناك صوتًا مختلفًا، أكثر حزنًا وشجنًا، ويعرف أنه صوت السيد جاسم الطويرجاوي، الذي عرفه محبوه بلقبي "ناعي الزهراء" و"ناعي الطف" لتفرده في رثاء أهل البيت (عليهم السلام)، وقد بدأ خدمته الحسينية طفلًا لم يتجاوز العاشرة من عمره، وعقد مجلسه المعروف تحت قبة الإمام الحسين في كربلاء منذ عام 1962، واستمر عقودًا طويلة من الخدمة حتى رحل عن هذه الدنيا في تشرين الأول من عام 2020 عن ثلاثة وسبعين عامًا.

وفي مجلس عزاء أقيم على الطريق، يقف خطيب يستعير من منهج الشيخ أحمد الوائلي، الذي لُقّب بـ"عميد المنبر الحسيني" لعمق طرحه الفكري والعقائدي، فيمزج بين استشهاد قرآني وتحليل تاريخي ودعوة أخلاقية. هذه الأصوات، القديمة منها والحاضرة، ليست زخرفًا هامشيًا في الزيارة، بل هي الذاكرة الحية التي تحمل القضية من جيل إلى جيل، وتذكّر كل خطوة على هذا الطريق بأنها امتداد لمئات السنين من الوفاء.

لكن هذا المشهد المهيب لم يكن يومًا بمنأى عمّن يريدون طمسه. فالجهات التي تحارب زيارة الأربعين، بمختلف أدواتها من حصار اقتصادي وضغط سياسي وتهديد أمني وحملات تشويه ممنهجة، ليست ظاهرة جديدة ولا مبتكرة في تاريخها. إنها امتداد تاريخي طويل لنهج قديم عرفته البشرية منذ فجر الرسالات، نهج يقف دائمًا في مواجهة الأنبياء والأئمة والصالحين والمصلحين، ويسعى إلى الإفساد في الأرض في كل مرة يظهر فيها جهد صادق للإصلاح والإيمان.

فكما وقف فرعون أمام موسى، وكفر قوم نوح بنبيهم، ونصب المشركون العداء لرسول الله، وقف بنو أمية وأتباعهم في وجه الحسين (عليه السلام)، وها هم اليوم ورثة ذلك النهج، وإن اختلفت الأسماء والوجوه والأدوات، يقفون في وجه شعيرة تحمل معاني الإصلاح والعدل والوفاء والتضحية. وقد حاول كثيرون منهم إفراغ هذه المناسبة من محتواها الديني والعقائدي العظيم بشتى الممارسات، فأثاروا الشكوك وجندوا عابثين وعابثات ودفعوهم إلى الزيارة، كصنيعة مقصودة تستهدف صورة هذه الشعيرة من الداخل.

أما لماذا تُحارَب هذه الزيارة تحديدًا؟ فلأنها ببساطة تُبقي قضية الحسين حية في وجدان الأجيال، وتذكّر الناس بأن الحق يستحق أن يُضحى من أجله، وأن الظلم مهما طال أمده لا بد أن يُفضح وينكشف. وهذا بالضبط ما يخيف كل من يسير على نهج الظلم والاستبداد والفساد عبر التاريخ، فهم يدركون أن استمرار هذه الشعيرة يعني استمرار وعي شعبي لا يقبل الخضوع ولا يرضى بالانصياع لمنطق القوة على حساب الحق.

ويواصل زائرنا مسيره، فتتوالى أمام عينيه مشاهد لا تُنسى. هنا خيمة يخرج منها شاب حاملًا صينية شاي ساخن يوزعها على الماشين دون أن يطلب منهم شيئًا، وهناك عجوز تجلس أمام قدر كبير تُعد فيه الطعام منذ الفجر، وأبعد قليلًا شبان يفترشون الأرض ليدلّكوا أقدام الزائرين المتعبة أو يغسلوا لهم ثيابهم. فآلاف المواكب الخدمية المنتشرة على طول الطريق من مختلف المحافظات نحو كربلاء تقدم الطعام والشراب والسكن والعلاج المجاني، بل حتى غسيل الملابس وتدليك الأقدام المتعبة، دون أن يُطلب من الزائر فلس واحد.

واللافت في هذا المشهد أن كل هذه الخدمات، التي تُقدَّم لملايين البشر يوميًا على مدى أسابيع، لا تُموَّل من موازنات حكومية ولا من مؤسسات دولية، بل من تبرعات الموالين أنفسهم، من بسطاء الناس الذين يدّخرون طوال العام ليقدموا وجبة طعام أو كوب ماء لزائر لا يعرفونه. إنها منظومة تكافل اجتماعي طوعي هائلة، تُدار بجهد ذاتي شعبي منقطع النظير، ولا تجد لها مثيلًا في أي مناسبة أخرى على مستوى العالم من حيث الحجم والتلقائية والاستمرارية عامًا بعد عام. وهذا الجهد وحده كفيل بأن يقدّم صورة مشرقة عن قيم الإيثار والتكافل التي يحملها هذا الدين، وهي صورة أبلغ من أي خطاب دعائي مضاد.

وحين يقترب زائرنا أخيرًا من أبواب كربلاء، تتسع عيناه لمشهد آخر يخطف الأنفاس: غابة مضيئة من الأعلام ترفرف فوق رؤوس الماشين، عراقية وإيرانية ولبنانية وبحرينية وباكستانية وهندية وأفريقية وأوروبية وغيرها كثير، يرفعها أصحابها بفخر واعتزاز. وهذا المشهد ليس تفصيلًا عابرًا، بل هو تعبير بصري صادق عن الطابع العالمي لهذه القضية، التي لا تقتصر على قومية أو جنسية أو دولة بعينها، بل تجمع تحت راية الحسين (عليه السلام) محبين من كل أصقاع الأرض، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم.

إنه مشهد يمنح الزيارة زخمًا إنسانيًا وعالميًا يليق بمكانة صاحب القضية. وإذا ما شهدنا هنا أو هناك محاولات للاعتداء على علم دولة مشاركة، فمن الخطأ الجسيم التعامل مع هذه الحوادث على أنها تصرفات عفوية أو ردود أفعال شعبية عابرة.

إن مثل هذه الأفعال، حين تحدث، تندرج ضمن أفعال مدروسة ومدفوعة بعناية من جهات تتربص بالزيارة، هدفها الوحيد إثارة النعرات القومية والطائفية بين مكونات الزائرين أنفسهم، وزرع الفرقة في صفوف من وحّدهم حب الحسين، تمامًا كما تُستخدم ورقة التبرج لتشويه الصورة الأخلاقية للزيارة. فكلا الأسلوبين وجهان لعملة واحدة، غايتها ضرب وحدة الصف الحسيني من الداخل بعد أن عجزت عن ضربه من الخارج.

وحين يصل زائرنا أخيرًا، تختلط قدماه المتعبتان بدموعه، ويدرك أن ما قطعه من مسافة لم يكن سوى فصل آخر في حكاية أقدم منه بكثير، حكاية بدأت قبل أربعة عشر قرنًا ولم تنته بعد. فالأربعين، بوصفها إحدى أبرز سمات القضية الحسينية الخالدة، لا يمكن أن تندثر مهما استُنفرت من إمكانات لمحاربتها، لأنها ببساطة ليست مناسبة موسمية عابرة، بل قضية إلهية مستمرة منذ أربعة عشر قرنًا، تحمل في جوهرها معاني الحق في مواجهة الباطل، والإصلاح في مواجهة الفساد.

وقد يتراجع وهجها في مكان ما لظرف طارئ أو ضغط عابر، لكنها سرعان ما تبرز وتثور وتتوسع في مكان آخر، وكأن الله سبحانه يأبى إلا أن يُبقي ذكر الحسين حيًا خالدًا، مصداقًا لوعده بحفظ هذه القضية. ولن يقدر الطغاة، على اختلاف أزمنتهم وأدواتهم، على دثر ما تكفّل الله بحفظه، فدم الحسين (عليه السلام) لا يزال يغلي في عروق الأحرار في كل أرض وزمان.


ذات صلة

التجريد والتحرير من سلطة الأوهام.. قراءة في وعي النهضة الحسينيةما بعد الأربعين: كيف تتحول القيم إلى مؤسسات؟التربية بالمشاهدة: المدرسة التي تمشي على طريق الاربعينأزمة مضيق هرمز.. من تسعير الحماية إلى الهيمنة الأميركية على نظام الملاحة العالميهل يرهبك هاتفك؟