هوس الجمال الرقمي: ما هي دوافعه النفسية؟

عزيز ملا هذال

2026-09-15 02:42

لو سألتكم كم نسبة من يضع صورته الحقيقية على منصاته في العالم الرقمي كماهي؟، بالطبع جميعكم او اغلبكم يعرف ان النسبة الأعلى سيغير على صوره قبل ان يضعها كخلفيات لأحدى هذه المنصات، او انه يختار أجمل الصور لهذا الغرض، وبالطبع هذا يحدث بفعل ما يعرف بهوس الجمال الرقمي، فماهو وماهي اثاره أسبابه؟، وكيف يمكن ان يعالج؟

يعرف هوس الجمال الرقمي على انه النزوع القهري المفرط نحو تحسين وتعديل الصورة الشخصية الرقمية، والانشغال غير العقلاني بالوصول إلى مظهر افتراضي خال من العيوب، مع تزايد الفجوة الوجدانية والادراكية بين الذات الواقعية والذات الرقمية المعدلة.

في العصر الرقمي الحديث، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل ونقل الأخبار او الاطلاع على الجديد في هذا الكون الفسيح، بل أصبحت بيئات متكاملة تشكل الوعي الفردي والجمعي، وتعيد صياغة معايير الجمال والقبول الاجتماعي والتقدير الذاتي، لذا تؤدي منصات التواصل وظيفة زيادة مقبولية الانسان كما يعتقد.

 ماهي صور التزييف في المجال الرقمي؟

من صور البحث عن الجمال الرقمي الاستخدام المفرط للفلاتر الفورية بالاعتماد التام على تقنيات الواقع المعزز في منصات مثل سناب شات وإنستغرام لتغيير الملامح، او المعالجة البرمجية الدقيقة استخدام تطبيقات متخصصة لتنحيف القوام، تكبير العيون، إزالة العيوب، وتغيير معالم الجسد للوصول إلى صورة افتراضية "خالية من العيوب"، او التوجه صوب صناعة الذات البديلة عبر تصميم مجسمات وافتراضيات رقمية تجسد المعايير الجمالية المثالية للفرد للظهور بها في العوالم الافتراضية.

 وبحسب في الدراسات النفسية والسلوكية تنحاز النسب بشكل واضح نحو الإناث، اذ تظهر الأبحاث التي تناولت استخدام المنصات الرقمية واضطرابات صورة الجسد أن الإناث (خاصة في مرحلتي المراهقة والشباب) هن الأكثر عرضة للإصابة بهوس الجمال الرقمي وتأثراً به نتيجة لضغوط المجتمعية والثقافية وارتفاع مستوى المقارنات الاجتماعية والرغبة في الارتباط وغيرها من العوامل النفسية.

ما لدوافع النفسية لهوس الجمال الرقمي؟

لعدة دوافع نفسية بحتة يبحث الانسان عن الجمال في العالم الرقمي، ومن اهم هذه الدوافع الهروب من الذات الواقعية إلى الذات المثالية، وهنا يذهب الانسان صوب انشاء صورة وخلفيات مثالية لكونه يجد صعوبة في تقبل الذات الواقعية، فينشأ صراع نفسي مستمر يدفع نحو مزيد من الانغماس في التعديل الرقمي.

وقد يحدث ذلك بسبب تدني تقدير الذات، يعاني الأفراد الذين يملكون تقديرات منخفضة لذواتهم من هشاشة نفسية تجعلهم أكثر عرضة للاعتماد على التقييم الخارجي، ويمثل لهم التعديل على الصور بالنسبة لهم ملجئً سريعاً لإخفاء مكامن الشعور بالنقص وبالتالي تجنب جلد الذات.

ومن المحتمل ان يبحث الانسان عن الجمال الرقمي طلباً للتقدير والتعزيز الفوري الذي توفره المنصات الرقمية لمستخدميها يقاس بعدد الإعجابات والتعليقات والمشاركات، حيث يتعامل الدماغ مع هذا التعزيز بوصفه مكافأة اجتماعية تحفز إفراز الدوبامين، مما يدفع الفرد لتكرار نشر الصور المعدلة للحصول على جرعات متجددة من الاستحسان.

كيف نوقف هذا الهوس؟

تتطلب مواجهة هوس الجمال الرقمي استراتيجية متكاملة تدمج بين التدخل النفسي، والتثقيف الرقمي لتعديل نمط الحياة، وذلك يتم عبر العلاج المعرفي السلوكي الذي بدوره يعمل على تفكيك الأفكار اللاعقلانية المرتبطة بالقيمة الذاتية والمظهر، وإعادة بناء مفهوم الذات ليكون قائماً على الكفاءة والإنجاز، والأخلاق بدلاً من التركيز الحصري على الشكل الخارجي.

 كما ينفع العلاج باستخدام تقنية العلاج ب "التقبل والالتزام" الذي يركز على دعم الفرد في تقبل ذاته بكل تفاصيلها الطبيعية، ويشجعه على التكيف مع المشاعر المربكة دون السعي السريع لتغييرها، وهو ما يحفز على توجيه طاقاته النفسية لتحقيق أهداف وقيم تضفي معنى لحياته.

ومن الأهمية بمكان تعزيز الوعي والاستنارة الرقمية للمصاب بهذا الهوس وبناء إدراك نقدي يمكنه من رؤية الصورة الكاملة للمنصات الرقمية وحقيقة فهم المحتوى المعروض يخضع للتعديل والتصفية، وأن ما يظهر ليس الواقع بل النسخة المنتقاة والمصممة لجذب الانتباه وبالتالي محاولة عدم التأثر بما يرى في هذه المنصات، وبهذه الأمور الثلاث يمكن ان نقلص من مساحة هوس الجمال الرقمي. 

ذات صلة

بودكاست «حيرة» مع السيد مرتضى الشيرازي.. مقاربات تجديدية في الفكر والفقه والشورى والاقتصادآليات التوظيف السياسي للتشيع في الاستراتيجية الإيرانية تجاه العراقسيكولوجية الرشوة: لماذا يأخذ من لا يحتاج؟في يومها الدولي.. الديمقراطية في العراق بين صوت الناخب وأثر القرارالنقد التربوي في الفلسفة الكانطية