بَينَ مِنبَرَينِ
عْاشُورْاءُ السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة (١١-١٢)
نـــــزار حيدر
2026-07-04 05:05
[المِنبرُ] كأَيِّ آلةٍ أُخرى من الآلاتِ التي تفنَّنَ الإِنسانُ في صِناعتِها على مرِّ التَّاريخ لتكُونَ في خدمتِهِ يُنجِزُ فيها مآربهُ (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ).
وهذهِ الآلاتُ، ومِنها المِنبرُ، فيهِ السَّليمُ وفيهِ السَّقيمُ، فيهِ النَّافعُ وفيهِ الضارُّ، فيهِ الذي يبني وفيهِ الذي يهدِمُ، فيهِ الذي ينشرُ الفضيلةَ وفيهِ الذي يُشيعُ الفاحِشةَ والرَّذيلةَ، فيهِ الذي يزرعُ الشَّجاعةَ وفيهِ الذي يوطِّنُ الخَوفَ والجُبنَ في القلُوبِ والنُّفُوسِ، فيهِ الذي يتحدَّى وفيهِ الذي يستسلِمُ، فيهِ الذي يُرسِّخُ الكرامةَ والعِزَّةَ وفيهِ الذي يُوطِّئُ للذلِّ والعبُوديَّةِ، ولقدِ اعتلاهُ رسلٌ وأَنبياءٌ وأَئمَّةٌ ومُصلحُونَ وثائرُونَ كما اعتلاهُ فاسدُونَ ولصوصٌ وأَئمَّةُ جَورٍ وبُغاةٌ وظالمُونَ وطُغاةٌ، والمِعيارُ في تحديدِ طبيعتهِ هوَ نَوعُ الخِطابِ وجَوهرهُ وفحواهُ ومُحتواهُ وليسَ الزيُّ والإِسمُ والإِنتماءُ! والدَّليلُ قَولُ الإِمامُ الجَوادِ (ع) (مَن أَصغى إِلى ناطقٍ فقَد عبدهُ فإِن كانَ النَّاطقُ ينطِقُ عنِ الله فقَد عبدَ الله وإِن كانَ النَّاطقُ ينطِقُ عن لسانِ إِبليس فقَد عبدَ إِبليس).
ولذلكَ فعِندما يصِفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) المُتَّقين يقُولُ عنهُم بأَنَّهُم يَصغُونَ بقلُوبهِم وليسَ بآذانهِم فالأُذُنُ تسمعُ أَمَّا القَلبُ فيُصغي (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ).
والإِصغاءُ سَماعٌ معَ تفكُّرٍ وتأَمُّلٍ وتدبُّرٍ.
يقُولُ (ع) (أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تالِينَ لأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِه أَنْفُسَهُمْ ويَسْتَثِيرُونَ بِه دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وأَكُفِّهِمْ ورُكَبِهِمْ وأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ وأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ومَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ويَقُولُ؛ لَقَدْ خُولِطُوا.
ولَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ ولَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَه فَيَقُولُ؛ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي! اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ واغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ).
ولذلكَ يتأَثَّرُونَ بالمَوعِظةِ والنَّصيحةِ والخِطابِ الذي يُرشِدهُم إِلى مرضاةِ الله تعالى ويُجنِّبهُم معصِيتهُ وسخطهُ!.
كُلُّ ذلكَ يسري بمفعُولهِ وتوصيفهِ وصُورهِ كذلكَ على المِنبر الحُسيني الذي هوَ إِمتدادٌ لمِنبرِ رسولِ الله (ص) فمنذُ عاشوراء وإِلى يَومِنا هذا إِعتلاهُ ويعتلِيهُ خُطباءَ صالحينَ نزيهينَ عُلماءَ مُخلِصينَ مُتَّقينَ يخافُونَ الله في عبادهِ ولا تأخُذهُم في الله لَومةَ لائِمٍ من (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) وينشرُونَ العِلمَ والمعرِفةَ والفَضيلةَ ويُربُّونَ على الأَخلاقِ الحميدةِ من الإِيثارِ والإِخلاصِ والحُبِّ والتَّضحِيةِ كما ينشرُونَ علُومَ القُرآن الكريم وعلومَ آلَ مُحمَّدٍ (ص) بكُلِّ وقارٍ وشجاعةٍ ووضُوحٍ سلاحهُم الحِوار والجِدال بالَّتي هيَ أَحسن والمنطِق والدَّليل والإِستشهاد بالنُّصوص القُرآنيَّة والسنَّة النبويَّة السَّليمة وتُراث وسيرَة أَئمَّة أَهل البَيت (ع) كما يقُولُ تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ).
يشرحُون عاشُوراء ويُفسِّرونَ كربلاء ويُعرِّفونَ بأَهدافِ سيِّد الشُّهداء (ع) وسيرةِ شُهداء كربلاء بأَحسنِ أُسلوبٍ وأَشوقِ أَدبٍ وأَعمَقِ بلاغةٍ.
يُواجهُونَ الظُّلمَ ويفضحُونَ الفَسادَ ويُميطُونَ اللِّثامَ عن المُستأكلينَ بعاشُوراء، كما وصفهُم الإِمام المعصُوم، من الذينَ يُتاجرُونَ بكربلاء وهُم أَبعدُ ما يكونُونَ عَنها بسلوكهِم المُنحرف وبظُلمهِم للنَّاسِ وبتجاوُزهِم على المالِ العامٍّ مِن الذينَ يصوِّرهُم المُرتزقَة وهُم يخوطُونَ بقِدْرِ القيمةِ أَو يسيرُونَ بينَ جمُوعِ الزَّائرينَ والمُعزِّينَ أَو يوزِّعونَ الطَّعامَ والماءَ، يصوِّرونهُم وهُم [لا يدرُون]!.
واعتلاهُ خُطباء [دمِج] لا يفقهُونَ من كتابِ الله آيةً ولا يستوعِبونَ من الرِّوايةِ ومن تُراثِ أَهلِ البيتِ (ع) شيئاً ينشرُونَ الخُرافةَ والتَّجهيلَ والدَّجلَ بينَ النَّاسِ ويُبالغُونَ في الرِّوايةِ ويختلقُونَ القَصصَ لإِبكاءِ المُتلقِّي، أُسلوبهُم السَّب والطَّعن وسلاحهُم التُّهمة والفاحِشة ودليلهُم الرِّوايات الضَّعيفة والمَوضوعة والمُختلقَة!.
وهذا النُّموذج تراهُ لا يرتقي المنابِرَ إِلَّا في مجالسِ الطُّغاة والحُكَّامِ الظَّالمِينَ والسِّياسييِّنَ الفاسدِينَ!.
فمَن المسؤُول عن [المِنبرِ]؟! مَن المسؤُول عن تركيزِ وترسيخِ وانتشارِ [مِنبر العِلم والمَعرِفة والجِدال بالمنطقِ والفضِيلة والوَعي والعَقل السَّليم] ومُحاصَرة [مِنبر الجَهل والتخلُّف]؟!.
لا شكَّ أَنَّهُ ليسَ بإِمكانِ أَحدٍ أَن يمنعَ أَو يقضيَ على مِنبرٍ ويسمحَ لآخرَ أَبداً فالمَنابرَ كثيرةٌ والمجالِسَ عديدةٌ والمَواكبَ لا حصرَ لها ونحنُ في زمنِ التَّكنلوجيا والذَّكاءِ الإِصطناعي [AI].
فما هوَ السَّبيلُ إِذن لتحقيقِ هذا الهدَف السَّامي المُتمثِّل بالإِرتقاءِ بالمِنبرِ االحُسيني الذي هوَ بمثابةِ الجامِعةِ المُمتدَّةِ درُوسُها طِوالَ العام والمُنتشِرةُ قاعاتَها وصفُوفها حَولَ العالَم، لنُساهمَ جميعاً في نشرِ [مِنبرِ الوعي] ومُحاصرةِ والقضاءِ على [مِنبرِ التخلف وتسطيحِ العقلِ]؟!.
برأيي فإِنَّ المسؤُوليَّةَ تشارُكيَّةٌ بينَ الأَطرافِ التَّاليةِ:
* صاحبُ المجلسِ أَو المركزِ أَو المَوكبِ بالإِختيارِ.
عليهِ أَن لا يدعُو ولا يسمح لـ [خطيبِ الخُرافةِ] أَن يرتقي المِنبر في مجلسهِ، وأَن يُدقِّقَ في الإِختيارِ ليُقدِّمَ لروَّادِ المجلسِ أَثمنَ جَوهرةٍ وأَرقى الهَدايا في مَوسمِ الحُزنِ المُحمَّديِّ وأَقصُدُ بها [خطيبُ الوَعي] الذي يجمعُ ولا يُفرِّقُ ويحمي اللُّحمةَ الوطنيَّةَ ولا يُمزِّقها من خلالِ ترسيخِ مفاهيمِ الآيةِ الكريمةِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) والخطابُ هُنا للنَّاسِ مِن دونِ تمييزٍ على أَساسِ الخلفيَّةِ بكُلِّ أَشكالِها، وقولهُ تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) و (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) وهُما خِطابان للنَّاسِ عامَّةً.
وكذلكَ في قولِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) (وأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ والْمَحَبَّةَ لَهُمْ واللُّطْفَ بِهِمْ ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ؛ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ).
* المُتلقِّي فإِنَّ عليهِ تقعُ مسؤُوليَّة إِختيار المِنبر الذي يُصغي إِليهِ سواءً بشكلٍ مُباشرٍ بالحضورِ في المجالسِ أَو عِبر الأَثيرِ من خلالِ مُتابعةِ القنواتِ الفضائيَّةِ أَو وسائلِ التَّواصُلِ الإِجتماعي.
عليهِ أَن لا يختارَ مُجاملةً أَو خجلاً أَو إِسترسالاً واستصحاباً معَ الآخَرين، فالإِختيارُ هُنا بحدِّ ذاتهِ مسؤُوليَّة لأَنَّ الوقت الذي يقضيهِ المُتلقِّي هُنا سيُسأَلُ عنه طالَ أَو قصُرَ (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).
فإِذا أَخطأَ صاحبُ المجلسِ في اختيارِ الخطيبِ المُناسبِ أَو اضطرَّ لدَعوةِ أَيٍّ كانَ ولأَيِّ سببٍ كانَ فلِماذا يخطأ المُتلقِّي في خَياراتهِ؟!.
إِنَّ حضورَ المُتلقِّي في المجالسِ أَو إِصغائهِ لخطيبِ المنبرِ لا ينبغي أَن يكونَ بالمزاجِ أَو الإِكراهِ أَو عن جهلٍ وعدمِ تركيزٍ وتوجهٍ أَو بالصِّدفةِ، فكَما أَنَّ اختيارَ الخطيبِ الذي يرتَقي المِنبر يجبُ أَن يكونَ اختيارَ وعيٍ وبصيرةٍ كذلكَ الحضورُ والإِصغاءُ يجبُ أَن يكونَ بوعيٍ وبصيرةٍ فلا يكُونُ ذلكَ معَ شرُودِ الذِّهنِ مثلاً أَو عدمِ حضُورِ العَقلِ والقَلبِ أَو والمُتلقِّي يكونُ لاهِياً معَ آخرَ يجلِسُ بجانبهِ أَو مشغُولاً بهاتفهِ، أَبداً فحضُورُ الجسَدِ لا يكفي لتحقيقِ الفائدةِ المرجُوَّةِ منَ الحضُورِ أَو الإِصغاءِ وإِلَّا فسيسأَلُ المُتلقِّي بعدَ كُلِّ مجلسٍ (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) والعِياذُ بالله!.
وبهذهِ الحالةَ يُمكنُ أَن يكونَ المُتلقِّي أَداةَ ضغطٍ تصنعُ رأياً عامّاً على أَصحابِ المجالسِ وعلى الخُطباءِ في آنٍ واحدٍ، فعندَما يلحَظانِ أَنَّ رُوَّادهُم على درجةٍ من الوَعي يُميِّزونَ فيهِ بينَ الغثِّ والسَّمينِ من الكَلام عِندها سيُفكِّرُ الأَوَّلُ بتحسينِ خياراتهِ قبلَ أَن يدعو خطيباً ليصعدَ المِنبر في مجلسهِ، أَمَّا الثَّاني فعندما يلحَظ عزُوفاً عن مِنبرهِ من قبَلِ المُتلقِّينَ فسيضطرَّ لتحسينِ أَدائهِ المِنبري وتطويرِ مادَّةِ الخِطابةِ ويعيدُ النَّظرَ في أَساليبهِ وأَفكارهِ واستشهاداتهِ ومنطقهِ بما يُساهِمُ في تطويرِ نفسهِ أَوَّلاً.
* القَنواتُ الفضائيَّة وهيَ مِن أَكثرهِم مسؤُوليَّةً خطيرةً، فإِذا كانَ المجلسُ يحضرهُ عدَّةَ مِئاتٍ أَو آلافٍ وأَنَّهُم عادةً مِن لَونٍ واحدٍ ورُبَّما بمُستوى واحدٍ من الوعي والثَّقافة والإِدراك فإِنَّ الفضائيَّات يُتابعُها الملايين من أَلوانٍ مُختلِفةٍ وثقافاتٍ عدَّةٍ ومُستوياتٍ مُتنوِّعةٍ من الإِيمانِ والوعي والقَناعاتِ، ولذلكَ تقعُ عليها أَثقلُ المسؤُوليَّة بهذا الصَّددِ، إِذ يلزمَها أَن تُدقِّقَ في خَياراتِها فلا تبثُّ الغِثَّ ولا تبثُّ لملءِ الفراغاتِ، فالمسؤُوليَّةُ عظيمةٌ وسيطُولُ وقوفُها غداً أَمامَ الله إِذا فشلَت في الإِختيارِ.
أَخيراً؛ يقولُ البعضُ، رُبَّما، بحُرمةِ نقدِ المِنبرِ أَو الخطيبِ بذريعةِ القُدسيَّةِ في كُلِّ الأَحوالِ!.
هذا رأيٌ لا يستقيمُ معَ كلامِ الإِمامِ علِّي بن الحُسين السجَّاد زَين العابدينَ (ع) الذي حدَّدَ شرطَينِ لهذهِ القُدسيَّةَ واحِدٌ للمِنبرِ وآخَرَ لمَن يرتقيهِ ولخطابهِ.
فعندما خاطبَ طاغِية الشَّام يَزيد في مجلسهِ قائلاً لهُ (إِئْذَنْ لي أَن أَصعدَ هذهِ الأَعوادَ فأَتكلَّمَ بكلِماتٍ للهِ فيهنَّ رضىً ولِهؤُلاءِ الجُلساءِ فيهنَّ أَجرٌ وثَوابٌ).
فالمِنبرُ أَعوادٌ لا قيمةَ ولا قُدسيَّةَ لها إِذا اعتَلاها فاسِقٌ فاجِرٌ فاسِدٌ قاتِلُ النَّفس المُحترَمة مثلَ يزيدٍ، دجَّالٌ مُضلِّلٌ كذَّابٌ يُبرِّرُ للظَّالمِينَ!.
وهوَ مِنبرُ رسولُ الله (ع) إِذا اعتلاهُ خطيبٌ مُؤمِنٌ ورِعٌ واعي عاقلٌ يفهُم ما يقولُ ويعرِفُ كيفَ يقولُ، سلوكَهُ لا يُناقِضُ كلامهُ وأَخلاقهُ تنسجِمُ معَ خِطابهِ و (أَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ وأَنْ تَتَّقِيَ اللَّه فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ) كما يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع).
فالخطيبُ الذي لا يتكلَّمُ بِما يُرضي الله تعالى وبما ينفعُ النَّاسَ في دُنياهُم وآخرتهِم فلا قيمةَ لهُ ولا قُدسيَّةَ لهُ أَبداً.