لماذا بقي الحسين حيّاً؟
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-06-29 05:24
مرت على واقعة كربلاء أكثر من أربعة عشر قرناً، وتعاقبت دول وسقطت إمبراطوريات، وظهر ملوك وقادة ومفكرون اختفت أسماؤهم أو تراجعت آثارهم، لكن الإمام الحسين ما زال حاضراً بقوة في وجدان ملايين البشر، وما زالت ذكراه تتجدد عاماً بعد عام، وكأن عاشوراء حدث يقع في الحاضر لا في الماضي. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا بقي الحسين حياً؟
قد يكون الجواب الأول أن الحسين بقي حياً لأن مقتله كان مأساوياً ومؤلماً، غير أن التاريخ الإنساني مليء بالمآسي والضحايا الذين لم تتحول ذكراهم إلى ظاهرة حضارية ممتدة عبر القرون. وقد يكون الجواب الثاني أن الحسين بقي حياً بسبب مكانته الدينية وقرابته من الرسول، وهذا عامل مهم بلا شك، لكنه لا يكفي وحده لتفسير هذه الحيوية الاستثنائية التي تتمتع بها القضية الحسينية.
إن القراءة الحضارية للنهضة الحسينية تقود إلى جواب آخر، وهو أن الحسين بقي حياً لأنه لم يمت من أجل نفسه، ولم يمت من أجل أسرة أو قبيلة أو حزب أو جماعة، بل ضحى بحياته دفاعاً عن منظومة من القيم الإنسانية الكبرى التي لا تموت ما دام الإنسان يبحث عن الحرية والعدالة والكرامة والحقيقة.
لقد واجه الحسين في عصره أزمة تتجاوز شخص الحاكم أو طبيعة السلطة القائمة. فقد كان يرى أن الأمة تسير في مسار يبتعد عن المبادئ التي قامت عليها الرسالة الإسلامية، وأن الانحراف الذي بدأ بمنع الرسول من كتابة وصيته الأخيرة، ثم بما جرى في السقيفة، ثم بتحويل الخلافة إلى ملكية وراثية، قد وصل إلى مرحلة أصبح فيها السكوت عليه يعني منح الشرعية لتحول الدولة من دولة رسالة وقيم إلى دولة ملك وغلبة.
ومن هنا لم يكن الحسين يقاتل من أجل تحقيق انتصار عسكري، بل كان يسعى إلى إنقاذ المعنى الأخلاقي للرسالة الإسلامية. وكان يعلم أن ميزان القوة لا يعمل لصالحه، لكنه كان يؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يخسر المعركة ولا يخسر الحقيقة، وأن الهزيمة العسكرية قد تتحول إلى انتصار حضاري إذا نجحت في إيقاظ ضمير الأمة وإعادة الاعتبار إلى القيم التي تعرضت للتهميش.
لقد بقي الحسين حياً لأنه جسّد مبدأ «ولاية القيم» في أنقى صوره. فقد رفض أن يخضع القيم للمصالح، ورفض أن يمنح الشرعية لسلطة يعتقد أنها فقدت مشروعيتها الأخلاقية، واختار أن يدفع حياته ثمناً للموقف الذي آمن به. إن الناس قد يختلفون في تقييم السياسات، وقد يختلفون في تفسير الأحداث التاريخية، لكنهم غالباً ما يجلّون الإنسان الذي يضحي بمصلحته الشخصية من أجل ما يعتقد أنه الحق.
كما بقي الحسين حياً لأن كربلاء لم تنتج مجرد ذكرى، بل أنتجت وعياً. لقد تحولت الواقعة إلى مدرسة مستمرة لتعليم الأجيال معنى الحرية، والكرامة، والمسؤولية، ومقاومة الاستبداد، والانتصار للحقيقة. وأصبحت عاشوراء مناسبة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول علاقة السلطة بالقيم، وحول حدود الطاعة، وحول مسؤولية الإنسان تجاه مجتمعه وتاريخه.
ومن منظور الفلسفة الحضارية، فإن الشخصيات التاريخية تبقى حية بمقدار ما تنجح في التحول إلى رموز لقيم إنسانية دائمة. وقد تحول الحسين إلى رمز عالمي للإنسان الذي يرفض الذل، وللضمير الذي لا يساوم، وللقيم التي تنتصر على القوة ولو بعد حين. ولهذا لم يعد الحسين ملكاً لجماعة أو مذهب، بل أصبح جزءاً من التراث الأخلاقي للإنسانية.
إن خلود الحسين ليس خلود الجسد، وإنما خلود المعنى. فالإنسان يموت حين تنطفئ رسالته، أما إذا تحولت حياته وموته إلى مصدر إلهام دائم للأجيال، فإنه يبقى حياً في الوعي الإنساني. والحسين من هذا الصنف النادر من البشر الذين استطاعوا أن يحولوا موتهم إلى حياة متجددة في ضمير الأمم.
ولهذا بقي الحسين حياً، لا لأن الزمن توقف عند كربلاء، بل لأن كربلاء ما زالت تخاطب في الإنسان حاجته الدائمة إلى الحرية، والعدل، والكرامة، والحقيقة. وما دامت هذه القيم حية في ضمير البشرية، فسيبقى الحسين حياً معها، شاهداً على أن الإنسان قد يُقتل، لكن القيم التي يعيش من أجلها لا تُقتل.